نزعة العزلة الجديدة بالولايات المتحدة - omandaily

    • نزعة العزلة الجديدة بالولايات المتحدة - omandaily

      باتريك بيوكانان -
      ترجمة قاسم مكي -
      كيرييترز سنديكيت -
      «العزلة الجديدة (أو الدعوة المتجددة لانسحاب الولايات المتحدة من المسرح الدولي) هي نتاج مباشر للعولمة الغبية… وحين أقارن نفسي بالناسِ الذين اعتقدوا أن في مقدورهم إدارة الكون أو على الأقل الكرة الأرضية، أجدني معتزلا جديدا وأفخر بكوني كذلك.
      «هذه ليست كلمات أحد أعضاء لجنة أمريكا أوّلاً (جماعة ضغط تشكلت في 1940على أساس رفض دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية وانتهت بالهجوم على بيرل هاربور في 1941- المترجم) إنها كلمات صرَّح بها أيقونة المؤسسة الليبرالية، والتر ليبمان، في عام 1967 قبل عام من تزكيته لريتشارد نيكسون. في عام 1968، كان نيكسون هو الذي مضى في المسار الأمريكي حول فيتنام فيما كان عضوا مجلس الشيوخ يوجين مكارثي وروبرت كيندي يضجَّان بالدعوة الى التقهقر والانسحاب بسرعة. وفي عام 1972، كان المرشح الديمقراطي جورج مكجوفرن هو الذي سيترشح على أساس شعار المعتزلة الجدد «عودوا إلى الوطن إلى أمريكا!» وسيحظى بمباركة صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست.
      واليوم لقد عادت مجددا نزعة العزلة الجديدة، وليدة تلك «العولمة الغبية» التي كتب عنها ليبمان. وهي تشكل لأول مرة الشعور المهيمن على الشعب الأمريكي منذ بداية استطلاعات الرأي العام في عام 1964. فبحسب استطلاع (بيو) الجديد يعتقد 52% من الأمريكيين أن «على الولايات المتحدة الإنشغال بشؤونها الدولية الخاصة بها وترك البلدان الأخرى تتصرف بأفضل ما تستطيع فيما يخص شؤونها هي نفسها».
      ويخالف هذا الرأي 38% فقط. وحين سئلوا إذا كانوا يوافقون على وجوب أن تقلل الولايات المتحدة انشغالها بالعالم وأن تركز أكثر على مشاكلنا الوطنية، رد بالإيجاب 80% من الأمريكيين مقابل 16% أو بمعدل خمسة إلى واحد.
      وكما كتب ماكس فيشر في الواشنطن بوست فإن هذا الشعور يكشف عن نفسه على نحو حاسم في انتفاضة الصيف الماضي ضد تدخل الولايات المتحدة في سوريا.
      فالناس أبلغوا أوباما أنهم لا يرغبون(بخط أحمر أو بدونه) في المشاركة في الحرب الأهلية بسوريا. فهي ليست حربنا. وقد قبل أوباما لاحقا بذلك. وليس من الصعب تعقب جذور نزعة العزلة الجديدة.* فهنالك أولا نهاية الحرب الباردة وتحرير بلدان أوروبا التي سقطت في الأسر وانحلال الإمبراطورية السوفييتية أعظم خصومنا وتفكك الاتحاد السوفييتي. فالحرب الباردة وهي حربنا كانت قد انتهت وحان وقت العودة إلى الوطن. ولكن بوش الأب وبوش الإبن وبيل كلنتون قالوا لا (لهذه العودة) لذلك تركنا الساحة كي يتسيدها جمهور النظام العالمي الجديد. فَغَزَونا بنما وتدخلنا في هايتي ومقديشو وقمنا بشن حرب عاصفة الصحراء لتحرير الكويت وألقينا القنابل على صربيا لمدة 78 يوما لإجبارها على تسليم (مسقط رأسها) كوسوفو. ثم جاءت أحداث 9 سبتمبر التي خضنا في أعقابها الحرب الأفغانية لإسقاط طالبان وإيجاد نظام ديمقراطي جديد في جبال هندوكوش وغزونا واحتللنا العراق لتجريد صدام حسين من أسلحة دمار شامل لم يكن يملكها ونفَّذنا الحرب الجوية على ليبيا. ربما أن آخرين قد يحتفلون بثمار هذه الحروب ولكن لننظر في تكاليفها.
      لقد كانت عقدا من النزيف شهد مقتل 8000 أمريكي وإصابة 40000 آخرين وضياع تريليوني دولار. كما شهدت هذه السنوات تشظي العراق وليبيا في حروب قبلية وأهلية وطائفية ووقوف أفغانستان على حافة الهاوية وعدم اقتصار وجود القاعدة على تورا بورا حيث تمدد نشاطها إلى باكستان وليبيا والعراق واليمن وسوريا.
      وفي حين حوصرت أمريكا في مصيدة هذه الحروب حققت الصين تقدما تجاوزت به بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان لتحتل مرتبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ووظفت فوائضها التجارية مع الولايات المتحدة التي تراوحت بين 250 إلى 300 بليون دولار كي تحتجز لنفسها الموارد حول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وآسيا. والآن فقد أعلنت بيجينج مبدأ مونرو (الخاص بها) لتضم إلى مجال نفوذها بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي وكل جزرهما ولكي تنازع الولايات المتحدة هيمنتها على الجزء الغربي من المحيط الهادي.* ولننظر الآن إلى بعض ما كان يدور بخلد أمريكا مؤخرا. فمساعدة وزير الخارجية الأمريكية، فيكتوريا نلاند، ذهبت إلى كييف كي تحض المتظاهرين على الاستمرار في المطالبة باستقالة الرئيس المنتخب إذا فَضَّلَ اتحادا جمركيا تقوده روسيا بدلا عن الاتحاد الأوروبي! هل من أحد ليشرح بالضبط أهمية اختيار أوكرانيا للانضمام إلى أيٍّ من الاتحادين بالنسبة للولايات المتحدة؟ وفيما نحن ندفع بأوكرانيا نحو الإتحاد الأوروبي تنتشر في أوروبا الأحزاب المحافظة والشعبوية التي تسعى لإخراج بلدانها من الاتحاد الأوروبي بما في ذلك في بريطانيا حيث يطالب حزب المحافظين بإجراء استفتاء حول الاتحاد.
      وكذلك هدد جون مكين في كييف بفرض عقوبات إذا أخلت الحكومة الميدان الرئيسي من محتليه بالطريقة التي أخلينا بها حديقة زكوتي من أعضاء حركة احتلوا وول ستريت. لقد طولبت أوكرانيا بِرِقَّة التعامل مع متظاهريها فيما كانت الولايات المتحدة ترفع العقوبات عن الجيش المصري في هذا العام الذي شهد اعتقال الرئيس محمد مرسي وحبس آلاف من اعضاء حركة الإخوان ومقتل المئات ضمن إجراءات وصفها جون كيري تهدف إلى استعادة الديمقراطية.
      السؤال هو كيف يمكن لبلد في حالة استقطاب اخلاقي وعجز سياسي مثل امريكا أن يقود العالم. لايمكنه أن يفعل ذلك. إن الشعب يشعر بما لايمكن للنخبة أن تراه. لقد انقضى القرن الأمريكي (الإمبراطوري). وحان الوقت لاستعادة الجمهورية.
      «الكاتب مؤلف كتاب انتحار قوة عظمى: هل ستعيش أمريكا حتى عام 2025؟»