د. عبدالعاطي محمد -
وفقا لما جاء في «الويكوبيديا» تعريفا «بالشعبوية»، هي أيديولوجية أو فلسفة سياسية أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم «الديماجوجية» ودغدغة عواطف الجماهير غير المثقفة بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى المعاكسة حيث يعتمد بعض المسؤولين على «الشعبوية» لكسب تأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية.
تفرز مراحل الانتقال في حياة الشعوب أضرارا خطيرة من الناحية السياسية، مثلما تفرز مسارات مطمئنة نحو المستقبل، ومن ذلك الالتباس والتجاذب بين «الشعبوية» والديمقراطية.الأول* يتحدث باسم الجماهير غير المثقفة مستثمرا عواطفهم لتأييد ما يهدف إليه هو من مصالح شخصية، والثاني يخاطب النخبة الواعية مستثمرا أفكارهم لتوجيههم نحو الصالح العام. كلاهما يدعي أنه الممثل الحقيقي للشعب، والمنقذ أو المخلص من الضياع والتخلف إلى الوحدة والتقدم.و كلما تمكنت الشعوب من إزاحة من يتصدرون المشهد من دعاة «الشعبوية» كلما أصبح الطريق سهلا أمامها للخروج الآمن من مراحل الانتقال التي غالبا ما تشكل هاجسا سياسيا.
وهذه ليست في الحقيقة قضية جديدة أو حكرا على مراحل الانتقال، فهي قديمة قدم الفكر السياسي منذ عهد أفلاطون وتلميذه أرسطو اللذين تحدثا عن «الرعاع» من الناس وضرورة التخلص من حكمهم والتركيز بالمقابل على الفلاسفة باعتبارهم أعلى الطبقات علما وفهما ومن ثم فإن حكمهم هو الأفضل!. ولكن الظاهرة لم تختف منذ ذلك الوقت وهي تشير دائما إلى أن هناك من يؤمنون بحكم الجماهير غير الواعية باعتبارها القطاع الأوسع من الناس وأنه الحكم الذي يعبر عن الشعوب كما هي بعواطفها البسيطة ورغباتها الجامحة والراهنة، وبالمقابل هناك من يؤمنون بالتنافس والتعددية ورشادة العقل السياسي للمواطن ومن ثم بناء الممارسة السياسية على القانون والمؤسسات والانتخابات أي عبر الطرق الديمقراطية التي توصل إليها الفكر السياسي عبر العصور.
ومن جهة أخرى ليست القضية حكرا على مراحل الانتقال، فهي تحدث في مراحل الاستقرار وفقا للتطورات المستجدة في هذا النظام السياسي أو ذاك، إلا أنها غالبا ما تكون إحدى السمات الرئيسية لمراحل الانتقال بسبب مناخ الغموض والتجاذب بين القوى السياسية المرتبط بالطبيعة القلقة لهذه المراحل.
وقد لا يلتفت كثيرون لمفهوم «الشعبوية» بحكم كونه تعبيرا عن حالة استثنائية قلما يجري الترويج لها، وقلما تتجسد في نظم معينة (لها أمثلة في بعض دول أمريكا اللاتينية قديما)، وإن حدثت تكون موضع رفض واستهجان، في مقابل الاتجاه العام بالابتعاد عن هذا الخيار وتبني التوجهات الديمقراطية، ولكن لأن الأفكار لا تموت، لا يزال المفهوم يراود البعض من السياسيين ودعاة التغيير من وقت إلى آخر مع تنزيله على الواقع الجديد بصور مختلفة خصوصا في مراحل الانتقال والثورات، مثلما يحدث في معظم المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول التي تسمى إعلاميا بدول الربيع العربي.
ووفقا لما جاء في «الويكوبيديا» تعريفا «بالشعبوية»، هي أيديولوجية أو فلسفة سياسية أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم «الديماجوجية» ودغدغة عواطف الجماهير غير المثقفة بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى المعاكسة حيث يعتمد بعض المسؤولين على «الشعبوية» لكسب تأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية. ووفقا للمصدر نفسه يمكن تلخيص خصائص الخطاب السياسي «الشعبوي» في أن أصحابه يدعون دائما وبحماسة شديدة أنهم صوت وصدى وضمير الشعب والممثلون الحقيقيون له بدون* الإجراءات المعتادة في هذا الشأن (الاقتراع)، وبما أنهم كذلك فإنهم يقصون الآخرين بل وينتقمون منهم، ولما لا وهم الذين يعتبرون أنفسهم المتحدثين وحدهم باسم الشعب لأنهم الأصدق والأجدر في التعبير عن مصالح الناس. كما يهتم هؤلاء بالتوجه المباشر إلى الجماهير وليس إلى المؤسسات ومن ثم يعملون غالبا خارج نطاق القانون ( لاحظ أن مفهوم الجماهير مفهوم غامض ولا يعبر عن مجموع من الناس بينهم ملامح مشتركة وإنما تجمع بينهم أهداف محدودة وذاتية ولا يرقى المفهوم إلى تعبير الشعب).
ولأن الخطاب» الشعبوي» غوغائي ويركز على استثمار عواطف الجماهير غير المثقفة، فإن أصحابه يكثرون من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكل مسرحي «كرنفالي» أي من خلال رموز وشعارات مطلقة ساخنة تخاطب العواطف، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يعادي هؤلاء الفكر لأن الفكر يفترض المناقشة وطرح بدائل والاقتناع العقلي ووضوح الإرادة، وهو ما لا يتفق مع فلسفة «الشعبويين» الذي يريدون جماهيرا مسلوبة العقل والإرادة، وأخيرا – نتيجة لكل ذلك- يسمح الاتجاه «الشعبوي» للمستبدين بالانتعاش وحرية الحركة والظهور على أكتاف الشعب.
ولو نظرنا إلى الواقع المعاش في بلدان التغيير حيث تمر بمراحل انتقال عصيبة نلمس بوضوح ظل «الشعبوية» سواء كانت سافرة لا لبس فيها أو مستترة أو متداخلة مع التوجهات الديمقراطية .
فمع الفشل الذي منيت به التجارب هنا وهناك، وفي أحسن الأحوال الولادة المتعثرة، ظهرت تيارات تقودها رموز من النظم القديمة تستثمر الفزع الذي تعيشة الشعوب من الفراغ الأمني والسياسي لتدعو إلى القطيعة مع الثورات التي ضربت البلاد والالتفاف حولها وحدها واعتبار الآخرين إما خونة أو عاجزين* ومن ثم غير مؤهلين لإنقاذ الشعب من الحالة المتردية التي يعيشها. وهؤلاء لا يؤلون جهدا في تعميق مشاعر الخوف من المستقبل ورسم صورة وردية افتراضية له (الحلم بغد أفضل) وبذلك يدفعون الناس إلى التسليم لهم بقيادة المرحلة، كما لا يتوقف هؤلاء عن الترهيب من مؤامرات تحاك ضد الشعوب من الخارج. ويشن هؤلاء هجوما حادا على خصومهم لاغتيالهم معنويا. ومن جهة أخرى هناك من يندرجون تحت هذا المصنف ولكن بشكل مستتر وهم الذين يتحدثون في الظاهر بأنهم من حماة التحولات الديمقراطية ولذلك يؤيدون ظاهريا كل الخطوات التي يجري اتباعها لتحقيق هذه التحولات ولكنهم عمليا يتقاعسون عند التنفيذ أو يضعون العقبات بدعوى الحرص على سلامة التجربة! هؤلاء يريدون إطالة أمد الأزمات بما يجعل الجماهير غير المثقفة تضيق ذرعا بكل ما يجري وتطالب بالإنقاذ السريع بأي ثمن مما يفتح الباب لدعاة «الشعبوية» لنشر أفكارهم المبسطة والمطلقة التي تقود إلى إعادة إنتاج النظم القديمة.
معظم هذا الفريق ممن كانوا فاعلين في النظم القديمة واضطروا إلى القبول الواقعي بالثورات ولكنهم يريدون تفجيرها من الداخل إما رغبة في الانتقام أو لاستعادة المصالح.
ما يعد أشد خطورة هو ذلك النوع الثالث من الظاهرة أي التداخل بين «الشعبوية «والديمقراطية. وليس ذلك متعلقا بشكل محدد بالوضع الراهن في بلدان التغيير وإنما بالمسار الطويل للديمقراطية ذاتها حيث غالبا ما تداخل المفهومان مع بعضهما البعض مما أثر سلبيا بالديمقراطية. فمن واقع الممارسة حتى في البلدان المتقدمة ديمقراطيا تاهت الفواصل بين المفهومين تحت دعاوى الحفاظ على الأمن القومي والتوحد في مواجهة الأزمات السياسية الحادة حيث تضطر الحكومات الديمقراطية إلى اتخاذ مسارات استثنائية تنهل من «الشعبوية» ويظهر زعماء سياسيون وهم يستخدمون نفس الخطاب «الشعبوي» من جهة دغدغة عواطف الجماهير والترهيب من مؤامرات خارجية ودعوة الناس إلي القبول بأوضاع استثنائية، فضلا عن الترويج لأحلام وطنية ليس بالضرورة هناك ما يؤشر على إمكان تحقيقها. ومن حيث الاتجاه العام فإن أصحاب المفهومين يتفقان معا على أن كلا منهما يخاطب الشعب والذي يمثله بحق* وأحرص على مصالحه من الآخر ويطالبه بالانحياز إلى صفه. كما أن الوطنية غالبا ما كانت موضع منافسة بين الفريقين وهنا تأخذ طابع «الشيفونية» حيث لا صوت يعلو فوق صوت الشعوب ولا مجال للفرد للتعبير عن وجهة نظره. مثل هذه الصورة السوداء للممارسة السياسية عانت منها نظم ديمقراطية ولا تزال احتمالا قائما عند حالات الخطر القومي العام. فما بالنا بحالة الدول العربية التي تعيش حالات انتقال عقب ثورات كبرى، أليس من الطبيعي أن تتداخل بعض ملامح «الشعبوية» مع التوجهات الديمقراطية . شيء من هذا يحدث بالفعل فالكل يزعم لنفسه أنه يتحدث باسم الشعب دون تفويض انتخابي ويدعي أن ما يطرحه من أفكار ورؤى هي أفكار ورؤى الشعب! ويحرض على الآخر باسم الشعب ويفعل كل هذا وهو متصدر مشهد التحولات الديمقراطية! ولا بأس من الانتقام باسم الشعب أيضا من جانب هؤلاء أيضا.
إذا كانت «الشعبوية» نقيضا موضوعيا للديمقراطية فإن استمرارها داخل المشهد السياسي في بلدان التغيير نذير شؤم لا خير بكل تأكيد، فمن ناحية تؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد تحت دعوى الضرورة القومية ومن ثم لا حديث بعد ذلك عن أي إنجاز للثورات التي خرجت أساسا تبحث عن الحرية والكرامة والمساواة، ومن ناحية أخرى تؤدي في حالة التوقف عند التداخل إلى تشوه المنتج الديمقراطي المفترض الوصول إليه مما يعني دخول هذه البلدان في مرحلة نوعية أخرى من عدم الاستقرار في أحسن الأحوال. المسؤول عن هذا الوضع الملتبس والمقلق هو القوى التي نسبت نفسها للديمقراطية لأنها هي التي سمحت بأجواء أنعشت الاتجاهات «الشعبوية». لتوجد مناخا مواتيا للتحول الديمقراطي بفعل الثورات ولكن سرعان ما تحول إلى أجواء ساخنة متربة وضعت الجميع على طريق الفوضى فكان من المنطقي أن يظهر على السطح دعاة «الشعبوية» تحت مبرر الإنقاذ من الفوضى، ولو أن القوى المنسوبة للديمقراطية وحدت نفسها واعتدلت في مطالبها وتخلت عن الانتقام ما كان «للشعبوية» أن تقوم .
اللوم لا يوجه إلى فريق «الشعبويين» لأنهم يتحدثون بخطاب معروف لا يجهله أحد ولم يكن متوقعا أبدا أن يمثلوا توجها ديمقراطيا ولكن اللوم كله هو إلى أصحاب القضية الذين فرطوا فيها تحت تأثير خلافاتهم الشخصية .
وفقا لما جاء في «الويكوبيديا» تعريفا «بالشعبوية»، هي أيديولوجية أو فلسفة سياسية أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم «الديماجوجية» ودغدغة عواطف الجماهير غير المثقفة بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى المعاكسة حيث يعتمد بعض المسؤولين على «الشعبوية» لكسب تأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية.
تفرز مراحل الانتقال في حياة الشعوب أضرارا خطيرة من الناحية السياسية، مثلما تفرز مسارات مطمئنة نحو المستقبل، ومن ذلك الالتباس والتجاذب بين «الشعبوية» والديمقراطية.الأول* يتحدث باسم الجماهير غير المثقفة مستثمرا عواطفهم لتأييد ما يهدف إليه هو من مصالح شخصية، والثاني يخاطب النخبة الواعية مستثمرا أفكارهم لتوجيههم نحو الصالح العام. كلاهما يدعي أنه الممثل الحقيقي للشعب، والمنقذ أو المخلص من الضياع والتخلف إلى الوحدة والتقدم.و كلما تمكنت الشعوب من إزاحة من يتصدرون المشهد من دعاة «الشعبوية» كلما أصبح الطريق سهلا أمامها للخروج الآمن من مراحل الانتقال التي غالبا ما تشكل هاجسا سياسيا.
وهذه ليست في الحقيقة قضية جديدة أو حكرا على مراحل الانتقال، فهي قديمة قدم الفكر السياسي منذ عهد أفلاطون وتلميذه أرسطو اللذين تحدثا عن «الرعاع» من الناس وضرورة التخلص من حكمهم والتركيز بالمقابل على الفلاسفة باعتبارهم أعلى الطبقات علما وفهما ومن ثم فإن حكمهم هو الأفضل!. ولكن الظاهرة لم تختف منذ ذلك الوقت وهي تشير دائما إلى أن هناك من يؤمنون بحكم الجماهير غير الواعية باعتبارها القطاع الأوسع من الناس وأنه الحكم الذي يعبر عن الشعوب كما هي بعواطفها البسيطة ورغباتها الجامحة والراهنة، وبالمقابل هناك من يؤمنون بالتنافس والتعددية ورشادة العقل السياسي للمواطن ومن ثم بناء الممارسة السياسية على القانون والمؤسسات والانتخابات أي عبر الطرق الديمقراطية التي توصل إليها الفكر السياسي عبر العصور.
ومن جهة أخرى ليست القضية حكرا على مراحل الانتقال، فهي تحدث في مراحل الاستقرار وفقا للتطورات المستجدة في هذا النظام السياسي أو ذاك، إلا أنها غالبا ما تكون إحدى السمات الرئيسية لمراحل الانتقال بسبب مناخ الغموض والتجاذب بين القوى السياسية المرتبط بالطبيعة القلقة لهذه المراحل.
وقد لا يلتفت كثيرون لمفهوم «الشعبوية» بحكم كونه تعبيرا عن حالة استثنائية قلما يجري الترويج لها، وقلما تتجسد في نظم معينة (لها أمثلة في بعض دول أمريكا اللاتينية قديما)، وإن حدثت تكون موضع رفض واستهجان، في مقابل الاتجاه العام بالابتعاد عن هذا الخيار وتبني التوجهات الديمقراطية، ولكن لأن الأفكار لا تموت، لا يزال المفهوم يراود البعض من السياسيين ودعاة التغيير من وقت إلى آخر مع تنزيله على الواقع الجديد بصور مختلفة خصوصا في مراحل الانتقال والثورات، مثلما يحدث في معظم المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول التي تسمى إعلاميا بدول الربيع العربي.
ووفقا لما جاء في «الويكوبيديا» تعريفا «بالشعبوية»، هي أيديولوجية أو فلسفة سياسية أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم «الديماجوجية» ودغدغة عواطف الجماهير غير المثقفة بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى المعاكسة حيث يعتمد بعض المسؤولين على «الشعبوية» لكسب تأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية. ووفقا للمصدر نفسه يمكن تلخيص خصائص الخطاب السياسي «الشعبوي» في أن أصحابه يدعون دائما وبحماسة شديدة أنهم صوت وصدى وضمير الشعب والممثلون الحقيقيون له بدون* الإجراءات المعتادة في هذا الشأن (الاقتراع)، وبما أنهم كذلك فإنهم يقصون الآخرين بل وينتقمون منهم، ولما لا وهم الذين يعتبرون أنفسهم المتحدثين وحدهم باسم الشعب لأنهم الأصدق والأجدر في التعبير عن مصالح الناس. كما يهتم هؤلاء بالتوجه المباشر إلى الجماهير وليس إلى المؤسسات ومن ثم يعملون غالبا خارج نطاق القانون ( لاحظ أن مفهوم الجماهير مفهوم غامض ولا يعبر عن مجموع من الناس بينهم ملامح مشتركة وإنما تجمع بينهم أهداف محدودة وذاتية ولا يرقى المفهوم إلى تعبير الشعب).
ولأن الخطاب» الشعبوي» غوغائي ويركز على استثمار عواطف الجماهير غير المثقفة، فإن أصحابه يكثرون من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكل مسرحي «كرنفالي» أي من خلال رموز وشعارات مطلقة ساخنة تخاطب العواطف، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يعادي هؤلاء الفكر لأن الفكر يفترض المناقشة وطرح بدائل والاقتناع العقلي ووضوح الإرادة، وهو ما لا يتفق مع فلسفة «الشعبويين» الذي يريدون جماهيرا مسلوبة العقل والإرادة، وأخيرا – نتيجة لكل ذلك- يسمح الاتجاه «الشعبوي» للمستبدين بالانتعاش وحرية الحركة والظهور على أكتاف الشعب.
ولو نظرنا إلى الواقع المعاش في بلدان التغيير حيث تمر بمراحل انتقال عصيبة نلمس بوضوح ظل «الشعبوية» سواء كانت سافرة لا لبس فيها أو مستترة أو متداخلة مع التوجهات الديمقراطية .
فمع الفشل الذي منيت به التجارب هنا وهناك، وفي أحسن الأحوال الولادة المتعثرة، ظهرت تيارات تقودها رموز من النظم القديمة تستثمر الفزع الذي تعيشة الشعوب من الفراغ الأمني والسياسي لتدعو إلى القطيعة مع الثورات التي ضربت البلاد والالتفاف حولها وحدها واعتبار الآخرين إما خونة أو عاجزين* ومن ثم غير مؤهلين لإنقاذ الشعب من الحالة المتردية التي يعيشها. وهؤلاء لا يؤلون جهدا في تعميق مشاعر الخوف من المستقبل ورسم صورة وردية افتراضية له (الحلم بغد أفضل) وبذلك يدفعون الناس إلى التسليم لهم بقيادة المرحلة، كما لا يتوقف هؤلاء عن الترهيب من مؤامرات تحاك ضد الشعوب من الخارج. ويشن هؤلاء هجوما حادا على خصومهم لاغتيالهم معنويا. ومن جهة أخرى هناك من يندرجون تحت هذا المصنف ولكن بشكل مستتر وهم الذين يتحدثون في الظاهر بأنهم من حماة التحولات الديمقراطية ولذلك يؤيدون ظاهريا كل الخطوات التي يجري اتباعها لتحقيق هذه التحولات ولكنهم عمليا يتقاعسون عند التنفيذ أو يضعون العقبات بدعوى الحرص على سلامة التجربة! هؤلاء يريدون إطالة أمد الأزمات بما يجعل الجماهير غير المثقفة تضيق ذرعا بكل ما يجري وتطالب بالإنقاذ السريع بأي ثمن مما يفتح الباب لدعاة «الشعبوية» لنشر أفكارهم المبسطة والمطلقة التي تقود إلى إعادة إنتاج النظم القديمة.
معظم هذا الفريق ممن كانوا فاعلين في النظم القديمة واضطروا إلى القبول الواقعي بالثورات ولكنهم يريدون تفجيرها من الداخل إما رغبة في الانتقام أو لاستعادة المصالح.
ما يعد أشد خطورة هو ذلك النوع الثالث من الظاهرة أي التداخل بين «الشعبوية «والديمقراطية. وليس ذلك متعلقا بشكل محدد بالوضع الراهن في بلدان التغيير وإنما بالمسار الطويل للديمقراطية ذاتها حيث غالبا ما تداخل المفهومان مع بعضهما البعض مما أثر سلبيا بالديمقراطية. فمن واقع الممارسة حتى في البلدان المتقدمة ديمقراطيا تاهت الفواصل بين المفهومين تحت دعاوى الحفاظ على الأمن القومي والتوحد في مواجهة الأزمات السياسية الحادة حيث تضطر الحكومات الديمقراطية إلى اتخاذ مسارات استثنائية تنهل من «الشعبوية» ويظهر زعماء سياسيون وهم يستخدمون نفس الخطاب «الشعبوي» من جهة دغدغة عواطف الجماهير والترهيب من مؤامرات خارجية ودعوة الناس إلي القبول بأوضاع استثنائية، فضلا عن الترويج لأحلام وطنية ليس بالضرورة هناك ما يؤشر على إمكان تحقيقها. ومن حيث الاتجاه العام فإن أصحاب المفهومين يتفقان معا على أن كلا منهما يخاطب الشعب والذي يمثله بحق* وأحرص على مصالحه من الآخر ويطالبه بالانحياز إلى صفه. كما أن الوطنية غالبا ما كانت موضع منافسة بين الفريقين وهنا تأخذ طابع «الشيفونية» حيث لا صوت يعلو فوق صوت الشعوب ولا مجال للفرد للتعبير عن وجهة نظره. مثل هذه الصورة السوداء للممارسة السياسية عانت منها نظم ديمقراطية ولا تزال احتمالا قائما عند حالات الخطر القومي العام. فما بالنا بحالة الدول العربية التي تعيش حالات انتقال عقب ثورات كبرى، أليس من الطبيعي أن تتداخل بعض ملامح «الشعبوية» مع التوجهات الديمقراطية . شيء من هذا يحدث بالفعل فالكل يزعم لنفسه أنه يتحدث باسم الشعب دون تفويض انتخابي ويدعي أن ما يطرحه من أفكار ورؤى هي أفكار ورؤى الشعب! ويحرض على الآخر باسم الشعب ويفعل كل هذا وهو متصدر مشهد التحولات الديمقراطية! ولا بأس من الانتقام باسم الشعب أيضا من جانب هؤلاء أيضا.
إذا كانت «الشعبوية» نقيضا موضوعيا للديمقراطية فإن استمرارها داخل المشهد السياسي في بلدان التغيير نذير شؤم لا خير بكل تأكيد، فمن ناحية تؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد تحت دعوى الضرورة القومية ومن ثم لا حديث بعد ذلك عن أي إنجاز للثورات التي خرجت أساسا تبحث عن الحرية والكرامة والمساواة، ومن ناحية أخرى تؤدي في حالة التوقف عند التداخل إلى تشوه المنتج الديمقراطي المفترض الوصول إليه مما يعني دخول هذه البلدان في مرحلة نوعية أخرى من عدم الاستقرار في أحسن الأحوال. المسؤول عن هذا الوضع الملتبس والمقلق هو القوى التي نسبت نفسها للديمقراطية لأنها هي التي سمحت بأجواء أنعشت الاتجاهات «الشعبوية». لتوجد مناخا مواتيا للتحول الديمقراطي بفعل الثورات ولكن سرعان ما تحول إلى أجواء ساخنة متربة وضعت الجميع على طريق الفوضى فكان من المنطقي أن يظهر على السطح دعاة «الشعبوية» تحت مبرر الإنقاذ من الفوضى، ولو أن القوى المنسوبة للديمقراطية وحدت نفسها واعتدلت في مطالبها وتخلت عن الانتقام ما كان «للشعبوية» أن تقوم .
اللوم لا يوجه إلى فريق «الشعبويين» لأنهم يتحدثون بخطاب معروف لا يجهله أحد ولم يكن متوقعا أبدا أن يمثلوا توجها ديمقراطيا ولكن اللوم كله هو إلى أصحاب القضية الذين فرطوا فيها تحت تأثير خلافاتهم الشخصية .