تقنية النانو…. تستحق اهتماما أكبر - omandaily

    • تقنية النانو…. تستحق اهتماما أكبر - omandaily

      ا.د.داخل حسن جريو -
      عضو المجمع العلمي العراقي -
      اكتسبت العلوم التطبيقية اهميتها في الحياة البشرية لما لها من اهمية في حل الكثير من المعضلات التي يواجهها الانسان وازدادت اهميتها بمرور الوقت في ضوء النتائج التي حققتها والتي اسهمت بتحسين حياة الناس لدرجة تفوقها على العلوم النظرية في الاهمية في نظر الكثير من الناس لاسيما صانعو القرارات وراسمو السياسات ومخططو البحوث العلمية في الكثير من البلدان. ومن هذا المنطلق اقتربت العلوم والتقنية بعضها من بعض، ذلك ان التقنية عندما تستند الى العلوم، فإنها تفضي الى نتائج ذات مردودات إنسانية اكبر في جميع المجالات، وكذا الحال فيما يتعلق بالعلوم، فإنها كلما اتجهت اتجاهات تطبيقية ذات قاعدة فكرية كلما لقيت اهتماماً ورعاية من متخذي القرارات العلمية، مما يسهم بتحقيق تقدم علمي وتقني في جميع المجالات.
      ومنذ أواخر القرن العشرين باتت التقنية تعني توظيف نتائج البحث العلمي لحل المعضلات التي تواجهها المؤسسات الانتاجية المختلفة. تقسم التقنية في عصرنا الراهن على تقنية تقليدية اعتمدت كثيرا على توفر المواد الأولية ومصادر الطاقة،ازدهرت كثيرا في القرن العشرين، وتقنية حديثة تستند الى الابتكارات والإبداعات العلمية والمعارف الحديثة، مثل تقنية المعلومات والاتصالات والتقنية الاحيائية وتقنية المواد الجديدة وتقنية الفضاء والأقمار الصناعية والالياف البصرية وتقنية الليزر وتقنية النانو وتقنية الالكترونيات الدقيقة وغيرها. تشهدالتقنية الحديثة تطورات سريعة جدا أسهمت بتغير مناحي الحياة في القرن الحادي والعشرين بصورة لم تعرفها البشرية في عهودها السابقة.
      نتناول بهذه الدراسة تقنية النانو إحدى أبرز التقنيات الحديثة الواعدة. يقصد بتقنية النانو معالجة واستعمال المواد والاجهزة الصغيرة التي يمكن صنع ماهو اصغر منها، اي صنعها بحجم الذرات والجزيئات. يكون حجم مواد النانوعاده بين (0.1 و 100 نانومتر. وهذا الحجم هو الحجم الذي تؤدي فيه الكائنات الحية وظائفها الاساسية، وتعطي المواد بهذا الحجم صفات فيزيائية وكيميائية غيراعتيادية ناجمة عن زيادة المساحة السطحية بالمقارنة بالحجم حيث تصغر الجسيمات.
      يعود تاريخ تقنية النانو الى العام 1959 عندما شرح العالم ريجارد فيمان فكرة بناء الاشياء بالحجم الذري والجزيئي وذلك في احدى محاضراته. الا ان هذه الفكرة لم تأخذ طريقها في التطبيق حتى العام 1981، عندما قام الباحثون في شركة IBM بمدينة زيورخ السويسرية، ببناء اول مجهر ماسح عرف اختصارا (STM :( يتيح هذا المجهر رؤية الذرات المنفردة بمسح مسبار صغير فوق سطح بلورة سيلكون.اكتشف علماء IBM في العام 1990 كيفية استعمال هذا المجهر لتحريك ذرات Xenon المنفردة حول سطح نيكل في تجربة اكونية بايعاز عيني للتسويق. صنعت لفة فائقة القوة من ذرات الكربون في العام 1991، عرفت باسم انابيب الكربون النانوية، تمتاز هذه اللفة بانها اخف ست مرات واقوى 100 مرة من الحديد. استعملت الانابيب النانوية في صناعة الالياف والبلاستك الصلد ورقائق الحاسوب ومتحسسات الغازات السامة. نجح العلماء بصناعة اجهزة ومعدات كثيرة بمقياس النانو منها على سبيل المثال: الترانزسترات الصغيرة، وصمامات النانو الثنائية، ومتحسسات النانو، والمكابس الجزيئية والمحركات الكيميائية ومحارير النانو، وحاويات النانو، وغيرها.
      كما نجح الباحثون بايجاد الوسائل المناسبة بوضع البروتينات والحمض النووي DNA والفيروسات والبكتيريا والاحياء المجهرية الاخرى للعمل لبناء مواد نانوية. ومنذ ذلك الحين وتقنية النانو تشهد تطورات متسارعة يصعب اللحاق بها في مجالات أخرى كثيرة،أبرزها حاليا تطبيقاتها في إنتاج الطاقة وخزنها وتحويلها، وفي تشخيص الأمراض، ومنظومات توزيع الأدوية والعقاقير الطبية، وتحري مصادر تلوث الماء والهواء وصيانتها، وفي تصنيع المواد الغذائية وتخزينها. ويعد استخدام تقنية النانو في مجال تنقية المياه من التطبيقات الواعدة باستخدام مجسات النانو وجسيمات النانو المغناطيسية لتنقية المياه وتصفيتها من الشوائب والسموم. ما زالت البحوث في هذا المجال في بداياتها الأولى وذات تكاليف مالية عالية نسبيا ليس بمقدور الدول النامية تحملها في الوقت الحاضر، إلاّ أن قدرة تقنية النانو على المعالجة الفورية للمياه بدون استخدام الطاقة الكهربائية أو استخدام جرعات كيميائية كبيرة أو ضغط عال،يجعل منها مجالا رحبا ومثيرا للاهتمام تمكن العلماء في الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام أنابيب نانوية لتصنيع مادة شبكة نانوية لجذب ملوثات المياه إلى السطح،وتخليصها من البكتيريا والفيروسات وخفض الرصاص واليورانيوم طبقا لمعايير جودة مياه الشرب المعتمدة في الولايات المتحدة الأمريكية.وفي المجال الطبي استخدمت تقنية النانو لتشخيص الأمراض دون الحاجة إلى التحليلات المختبرية أو زرع العينات المكروبية المسببة للمرض، مما يعني السرعة في التشخيص وتخفيض التكلفة لاسيما في حالات إنتشار الأوبئة على نطاق واسع وبخاصة في المناطق النائية أو الأحياء الفقيرة في المدن التي يفتقر الكثير منها إلى الخدمات الصحية المناسبة.
      يرى البعض أن تقنية النانو ستؤدي دورا هاما في مجالات الطب الحديث باستخدام روبوتات النانو الطبية التي يمكن حقنها في الدم أو ابتلاعها لتعالج الجلطات الدموية والأورام والأمراض المستعصية، وكذلك في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية وحتى الحياة اليومية للفرد العادي. وستتيح أنابيب النانو للمهندسين بناء مصاعد فضائية والتحرك بسرعة في الفضاء. ويمكن لنفس المادة خفض تكلفة نقل المعدات عبر المصاعد وتخفيف وزن الأقمار التي تعمل بالطاقة الشمسية ومحطات الفضاء.
      يقدر حجم السلع المصنعة بتقنية النانو أكثر من (1.6) تريليون دولار أمريكي،حصة الولايات المتحدة الأمريكية منها (35%)، تليها الصين، وكوريا الجنوبية، والهند، والبرازيل والمانيا وفرنسا. خصصت الولايات المتحدة أكثر من (1.7) مليار دولار لمبادرة تقنية النانو الوطنية للعام 2014، فيما بلغ إجمالي ما تستثمره الولايات المتحدة في مجال بحوث النانو منذ 2001 وحتى 2014 نحو(20) مليار دولار. وسجلت الولايات المتحدة نحو(440) براءة اختراع على صعيد مجالات توصيف وتصنيع المواد النانوية والهيكل الكمي والأجهزة النانوية والنمذجة الحاسوبية والتحليل النظري للأنظمة الثانوية، فيما سجلت كوريا الجنوبية (100) براءة اختراع، واليابان (96 ) براءة، وتايوان (55) براءة، وألمانيا( 18) براءة، والصين (17) براءة، وفرنسا (12براءة، والمملكة المتحدة 10) براءات، والهند(9) براءات، وإيطاليا (4) براءات. وتصدرت الولايات المتحدة الدول الناشرة للبحوث العلمية في مجالات علوم وتقنية النانو بواقع (8657) بحثاً، وجاءت الصين في المرتبة الثانية بواقع (6124 ) بحثا،* واليابان بواقع (3032) بحثا* وألمانيا بـواقع* (2581) بحثا.
      تبذل الصين حاليا جهودا حثيثة لتحويل تقنية* النانو إلى تجارة، في مجالات أساسية مثل* مواد النانو، والالكترونيات وتطبيقات العلوم الحياتية. تمتلك الصين ثلاثة مراكز وطنية لتقنية النانو في بكين وشنغهاي وتيانجين. ويعد المركز الوطني لعلوم وتقنيات النانو الذي يقع في بكين، المركز الرئيسي لأكاديمية علوم النانومتر ومركز الأبحاث التكنولوجية.
      يتعاون مركز شنجهاي الوطني لتطوير وتسويق تقنية النانو مع سبعة جامعات وبعض المعاهد، وتسعة شركات خاصة ويتم تمويله من قبل الجهات الحكومية،و لجنة تطوير وإصلاح الدولة، والشركات الخاصة. إزداد* عدد الشركات في مجال صناعة النانو في الصين إلى أكثر من (800) شركة على مدى السنوات الثلاث الماضية.
      وتقنية بهذه الأهمية العلمية والمردودات الاقتصادية العالية والإستخدامات الواسعة في مناحي الحياة المختلفة، لجديرة حقا بالرعاية والإهتمام البالغ من قبل الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات العلمية في بلداننا العربية المختلفة، وهذا يتطلب أن تتضافر الجهود الخيرة للنهوض والإرتقاء بها،لاسيما وأنها لا تتطلب مواد أولية أو مصادر طاقة.