لا أحد يجادل اليوم في كوننا نعيش زمن الصورة وبامتياز، بل لا أحد اليوم من الممكن أن يهمش ما يمكن أن تقوم به الصورة من فضح ودفاع عن قضية عادلة كقضية الشعب الفلسطيني.*سياقات فنية متعددة تلك التي تصاحب بين الفينة والأخرى ما يعيشه شعب فلسطين، أفلام سينمائية روائية ووثائقية، ومعارض فوتوغرافية وتشكيلية، وقول شعري وروائي، والتصاق بما تركه الأجداد، سواء تجلى ذلك في الألبسة أو الأطعمة أو الحلي.. إلخ، كل ذلك مفاده شيء واحد، وهو الحق في الوجود.
بكل تأكيد الفعل السياسي فعل لازم من أجل أن يبرهن من بيدهم القرار السياسي الفلسطيني وللعالم على أن هذا الشعب الفلسطيني شعب يريد العيش في سلام، ومستعد للحوار مع عدوه الذي نزع منه كل شيء في هذه الحياة.
ضمن هذا السياق كان "الحدث" الأبرز وهو قمة "أوسلو"، وجلوس كل أطراف النزاع حول مائدة التفاوض.. فكان ما كان.
لحظة أوسلو
*من الأفلام الوثائقية -التي استرجعت لحظة أوسلو السياسية التفاوضية- فيلم "ثمن أوسلو" لصاحبته روان الضامن المخرجة الأردنية المنحدرة من أصول فلسطينية، والمشتغلة حاليا بقناة الجزيرة في قسمها العربي، هي صوت وثائقي ممتع لما تقدمه بين الفينة والأخرى من رؤى تحليلية وثائقية بمهنية وفنية لها وزنها في خريطة القول الوثائقي العربي.*من الممكن القول إن العنوان في جميع مكونات الفعل الثقافي مدخل موحٍ لما سينهض عليه العمل، هو الرأس في علاقته مع الجسد كما قال السينمائي المغربي محمد مفتاح، به نتوسل ونستأذن الدخول لعالم المبدع، سواء تعلق الأمر بالشعر أو الرواية أو المسرح.. إلخ.
ثمن: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، وهو مضاف، وأوسلو مضاف إليه، فهل حذف شيء ما فعلا، وتمت إضافته إلى أوسلو؟*لنمارس لعبة التأويل ولو بشكل ماكر، لأن أجمل ما في قراءات الإبداع حرية توليد معانٍ و/أو دلالات تمنحها لنا بنى الإبداع.
من السهل إرجاع هذه البنية إلى حقلين دلاليين جوهريين: التجارة والسياسة. ثمن كبنية معجمية تجارية، وأوسلو كبنية مكانية/سياسية (للتذكير أوسلو عاصمة النرويج الباردة والمثلجة، مناخ لا يخلو من دلالات سياسية قوية وظفت في الفيلم).
*فهل من الممكن وضمن لعبة التأويل توليد دلالة ما من هذه البنية المعجمية الدالة والقوية؟ هل هو قدر اللغة المنفلتة والموحية بهذه الدلالات؟ أم هي رؤية قصدية تتوخاها المبدعة/المخرجة في متنها الفيلمي الوثائقي هذا، وهو الضمير المعبر عن المبتدأ المحذوف؟
*هل القول الضمني هنا مفاده السؤال البسيط/المركب التالي، وهو ما الثمن المحصل عليه من أوسلو؟ هل هو الفراغ؟ لا وجود لاستعمال لغوي بريء.
بنية القول الفيلمي
للفيلم الوثائقي قوله الخاص به، وهو هنا الصورة والصوت، أدوات يكتب بها من يشتغل في هذا المجال، طبعا إضافة إلى طبيعة الرؤية الفنية والجمالية الباصمة والجذابة والمولدة للأسئلة.
"ثمن أوسلو" فيلم وثائقي من إنتاج قناة الجزيرة، يندرج ضمن سلسلة أعمال بصمت بها المخرجة المعدة المنتجة روان الضامن -وما زالت- مسيرتها الفنية والثقافية. فيلم أنتج ضمن رؤية "فلسطين تحت المجهر" في مدة 120 دقيقة، هو نبش في"قمة، منحدر" أوسلو، سؤال واحد كان يشغل بال هذه المبدعة هو ما مصير هذه القمة؟
من السهل أن ندافع أو نرفض مصير هذا المؤتمر الذي سطر له الغرب بشكل عام وأميركا وروسيا وبقية القوى الكبرى "المتحكمة" في "أنفاس" العرب، لكن كيف يمكن قول وجهة نظر ما بلغة الصورة؟ هنا الخطورة وهنا قوة وبلاغة المحكي بالصورة.
*"ثمن أوسلو" فيلم بني على حكي توسل فنيا بما يلي:
1- تنوع الأصوات:
لخلق مسافة فاصلة بين ما نحكي والمحكي في أي عمل فني نريد له أن يكون وجهة نظر راقية لا بد من الحفاظ على مسافة فاصلة ولو بشكل مؤقت بين الذات المبدعة والمحكي، هنا تمكنت المخرجة من تحقيق هذه المعادلة "الموضوعية" الصعبة في قضية "ذاتية" تخص كينونتها، وهي قضية أرضها المغتصبة.
*ضمن هذا السياق، أحضرت المخرجة أصواتا سياسية وفكرية وإعلامية متعددة الهوى السياسي من داخل وخارج فلسطين، رؤى سياسية فلسطينية وعربية وأجنبية، والرؤية هنا من الناحية الإخراجية لها قيمتها الموضوعية القوية، هنا الرغبة في تقديم مسح سياسي يتعلق بهذه الاتفاقية، مسح دال.
*2- الوثائق:
*وثائق مكتوبة وأخرى صور فوتوغرافية ومتحركة.. إلخ، هي المادة المقدمة والمعتمد عليها في قول ما تريد أن تقوله المخرجة بواسطة الصورة.
من السهل أن نوافق أو نرفض هذه الاتفاقية السياسية بواسطة قرار أو مقال أو لافتة سياسية، في جملة أو مقالات عديدة، لكن ليس سهلا قول هذا الكلام بواسطة فيلم وثائقي، فيلم مادته الصورة.
الاعتماد على هذه التعددية التوثيقية معناه البحث عن رؤية تتغيا أقصى أشكال الموضوعية، نظرا لحساسية الفكرة/الموضوع.
3- المونتاج:
هو وبلغة فنية وجمالية من العناصر القوية في أي عمل سينمائي روائي و/أو وثائقي، لأنه لا يخلو من دلالات.
*هنا تكمن -إن صح التعبير ومن وجهة نظر نقدية- رؤية المخرج، خطابه السياسي الفني الثقافي.
*استطاعت المخرجة الإمساك بلغة الصورة و"خلخلة" الأشياء فنيا. ليس من المصادفة البدء من أميركا وباتفاقية "السلام" بين ياسر عرفات (رحمه الله) وإسحق رابين ومشهد مد اليد الفلسطينية لهذا الأخير، وبتصفيق الحاضرين، ليتم الانتقال مباشرة إلى ما يؤكد نفي هذا المحتوى السياسي، هنا قدرة المخرجة على توظيف ما يمكن تسميته بـ"بلاغة" الصورة.
بكل تأكيد الفعل السياسي فعل لازم من أجل أن يبرهن من بيدهم القرار السياسي الفلسطيني وللعالم على أن هذا الشعب الفلسطيني شعب يريد العيش في سلام، ومستعد للحوار مع عدوه الذي نزع منه كل شيء في هذه الحياة.
ضمن هذا السياق كان "الحدث" الأبرز وهو قمة "أوسلو"، وجلوس كل أطراف النزاع حول مائدة التفاوض.. فكان ما كان.
لحظة أوسلو
*من الأفلام الوثائقية -التي استرجعت لحظة أوسلو السياسية التفاوضية- فيلم "ثمن أوسلو" لصاحبته روان الضامن المخرجة الأردنية المنحدرة من أصول فلسطينية، والمشتغلة حاليا بقناة الجزيرة في قسمها العربي، هي صوت وثائقي ممتع لما تقدمه بين الفينة والأخرى من رؤى تحليلية وثائقية بمهنية وفنية لها وزنها في خريطة القول الوثائقي العربي.*من الممكن القول إن العنوان في جميع مكونات الفعل الثقافي مدخل موحٍ لما سينهض عليه العمل، هو الرأس في علاقته مع الجسد كما قال السينمائي المغربي محمد مفتاح، به نتوسل ونستأذن الدخول لعالم المبدع، سواء تعلق الأمر بالشعر أو الرواية أو المسرح.. إلخ.
ثمن: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، وهو مضاف، وأوسلو مضاف إليه، فهل حذف شيء ما فعلا، وتمت إضافته إلى أوسلو؟*لنمارس لعبة التأويل ولو بشكل ماكر، لأن أجمل ما في قراءات الإبداع حرية توليد معانٍ و/أو دلالات تمنحها لنا بنى الإبداع.
من السهل إرجاع هذه البنية إلى حقلين دلاليين جوهريين: التجارة والسياسة. ثمن كبنية معجمية تجارية، وأوسلو كبنية مكانية/سياسية (للتذكير أوسلو عاصمة النرويج الباردة والمثلجة، مناخ لا يخلو من دلالات سياسية قوية وظفت في الفيلم).

*فهل من الممكن وضمن لعبة التأويل توليد دلالة ما من هذه البنية المعجمية الدالة والقوية؟ هل هو قدر اللغة المنفلتة والموحية بهذه الدلالات؟ أم هي رؤية قصدية تتوخاها المبدعة/المخرجة في متنها الفيلمي الوثائقي هذا، وهو الضمير المعبر عن المبتدأ المحذوف؟
*هل القول الضمني هنا مفاده السؤال البسيط/المركب التالي، وهو ما الثمن المحصل عليه من أوسلو؟ هل هو الفراغ؟ لا وجود لاستعمال لغوي بريء.
| 2652731219001 | e88622b8-bc1b-43b4-b821-f97cde3160cb | d2a16df8-a5ed-48f2-9d4c-c2f3657cc6a8 | |
| video |
بنية القول الفيلمي
للفيلم الوثائقي قوله الخاص به، وهو هنا الصورة والصوت، أدوات يكتب بها من يشتغل في هذا المجال، طبعا إضافة إلى طبيعة الرؤية الفنية والجمالية الباصمة والجذابة والمولدة للأسئلة.
"ثمن أوسلو" فيلم وثائقي من إنتاج قناة الجزيرة، يندرج ضمن سلسلة أعمال بصمت بها المخرجة المعدة المنتجة روان الضامن -وما زالت- مسيرتها الفنية والثقافية. فيلم أنتج ضمن رؤية "فلسطين تحت المجهر" في مدة 120 دقيقة، هو نبش في"قمة، منحدر" أوسلو، سؤال واحد كان يشغل بال هذه المبدعة هو ما مصير هذه القمة؟
من السهل أن ندافع أو نرفض مصير هذا المؤتمر الذي سطر له الغرب بشكل عام وأميركا وروسيا وبقية القوى الكبرى "المتحكمة" في "أنفاس" العرب، لكن كيف يمكن قول وجهة نظر ما بلغة الصورة؟ هنا الخطورة وهنا قوة وبلاغة المحكي بالصورة.
*"ثمن أوسلو" فيلم بني على حكي توسل فنيا بما يلي:
1- تنوع الأصوات:
لخلق مسافة فاصلة بين ما نحكي والمحكي في أي عمل فني نريد له أن يكون وجهة نظر راقية لا بد من الحفاظ على مسافة فاصلة ولو بشكل مؤقت بين الذات المبدعة والمحكي، هنا تمكنت المخرجة من تحقيق هذه المعادلة "الموضوعية" الصعبة في قضية "ذاتية" تخص كينونتها، وهي قضية أرضها المغتصبة.

*ضمن هذا السياق، أحضرت المخرجة أصواتا سياسية وفكرية وإعلامية متعددة الهوى السياسي من داخل وخارج فلسطين، رؤى سياسية فلسطينية وعربية وأجنبية، والرؤية هنا من الناحية الإخراجية لها قيمتها الموضوعية القوية، هنا الرغبة في تقديم مسح سياسي يتعلق بهذه الاتفاقية، مسح دال.
*2- الوثائق:
*وثائق مكتوبة وأخرى صور فوتوغرافية ومتحركة.. إلخ، هي المادة المقدمة والمعتمد عليها في قول ما تريد أن تقوله المخرجة بواسطة الصورة.
من السهل أن نوافق أو نرفض هذه الاتفاقية السياسية بواسطة قرار أو مقال أو لافتة سياسية، في جملة أو مقالات عديدة، لكن ليس سهلا قول هذا الكلام بواسطة فيلم وثائقي، فيلم مادته الصورة.
الاعتماد على هذه التعددية التوثيقية معناه البحث عن رؤية تتغيا أقصى أشكال الموضوعية، نظرا لحساسية الفكرة/الموضوع.
3- المونتاج:
هو وبلغة فنية وجمالية من العناصر القوية في أي عمل سينمائي روائي و/أو وثائقي، لأنه لا يخلو من دلالات.
*هنا تكمن -إن صح التعبير ومن وجهة نظر نقدية- رؤية المخرج، خطابه السياسي الفني الثقافي.
*استطاعت المخرجة الإمساك بلغة الصورة و"خلخلة" الأشياء فنيا. ليس من المصادفة البدء من أميركا وباتفاقية "السلام" بين ياسر عرفات (رحمه الله) وإسحق رابين ومشهد مد اليد الفلسطينية لهذا الأخير، وبتصفيق الحاضرين، ليتم الانتقال مباشرة إلى ما يؤكد نفي هذا المحتوى السياسي، هنا قدرة المخرجة على توظيف ما يمكن تسميته بـ"بلاغة" الصورة.