ماجد كيالي -
كاتب فلسطيني -
لاشكّ أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن مشاركاته لكن ما الذي يعنيه هذا الكلام اليوم؟ أو ما الذي تعمله هذه المنظمة حقاً؟ وماذا تبقى منها؟ وكيف تمثّل الفلسطينيين؟ وكيف تعبّر عن تمثيلها لهم؟
معلوم أن الفلسطينيين دفعوا باهظاً كي تصبح هذه المنظمة عنوانا لهم وبمثابة كيانهم السياسي وإطارهم الجمعي لكنها كفّت عن كونها كل ذلك أقلّه منذ عقدين أي منذ إقامة كيان سياسي فلسطيني في الضفة والقطاع المحتلّين.
المفارقة أن هذا الأمر لم يحصل بسبب تراجع الأنظمة العربية عن الاعتراف بالمنظمة أو لأن إسرائيل استهدفتها أو لأنها استنفذت أغراضها أو لأن الشعب ما عاد راغباً فيها وإنما بسبب تحول القيادة الفلسطينية من قيادة حركة تحرر إلى سلطة ما نجم عنه إحداث تغيرات نوعية في مبنى ومعنى الحركة الفلسطينية ولا سيما في خطاباتها وأنماط عملها وشكل علاقاتها مع شعبها ورؤيتها لذاتها. هكذا تحول المناضلون إلى موظفين والمقاتلون إلى شرطة في الأجهزة الأمنية ولم يتبق شيء اسمه الكفاح المسلح بعد التحول نحو خيار المفاوضات واختزال التحرير بمجرد إقامة دولة لجزء من الشعب على جزء من الأرض.
على ذلك فإن الطبقة السياسية المهيمنة على المنظمة والسلطة وفتح هي بالضبط المسؤولة عن هذه التحولات وضمنها تهميش المنظمة أو تغييبها لصالح السلطة.
منذ البداية كان بإمكان القيادة الحفاظ على مكانة المنظمة التمثيلية والكفاحية ودورها في تعبئة طاقات الفلسطينيين بالنأي بها عن الانخراط في عملية تفاوضية مجحفة وغير متكافئة وجزئية وترك الأمر للوفد المفاوض المتشكّل من فلسطينيي الأرض المحتلة لكنها لم تشأ اعتماد هذا الخيار خشية تبلور مركز قيادي آخر كانت الانتفاضة الأولى تعد به ما يهدد مكانتها مع أن هذه الخشية لم تكن مبررة بالنظر إلى أن الوفد المذكور ظلّ يؤكد دوماّ على تبعيته لها.
المهم أن النتيجة كانت خسارة من كل النواحي فالفلسطينيون لم يحصلوا على اتفاق أفضل مع توقيع قيادتهم على اتفاق اوسلو (1993) المجحف والناقص وفوق ذلك فقد ضاعت المنظمة ولم تقم الدولة فقط ثمة كيان هجين يتمثل بسلطة تحت الاحتلال مع علم ونشيد ومراسم وموازنات وأجهزة أمنية وتمثيل دبلوماسي.
الأنكى أن هذا الخيار أي تغييب المنظمة ما كان اضطرارياً بقدر ما كان خياراً سياسياً تتحمل مسؤوليته القيادة التي فضلت عدم الفصل بين المنظمة والسلطة لذات الاعتبارات الخطأ أي تجميعها مركز القيادة في يدها ولو كان بثمن القضية الوطنية.
بالمحصلة فقد شكّل انحسار مكانة منظمة التحرير تعبيراً عن ازاحة الرواية الفلسطينية الأساسية التي تحتل فيها قضية اللجوء أو النكبة مكانة مركزية وانعكاساً لتخلّي الطبقة السياسية المهيمنة عن “حق العودة” وإخراجها مجتمعات اللاجئين من المعادلات السياسية الفلسطينية؛ الأمر الذي بات يزعزع معنى الهوية الوطنية والكيانية السياسية والأهداف الجمعية للفلسطينيين وحتى تضامنهم المشترك مع بعضهم.
وقد تبدّت مخاطر كل ذلك مؤخّراً في كيفية تعاطي القيادة الفلسطينية مع مأساة فلسطينيي سوريا التي تراوحت من التنكر إلى اللامبالاة إلى إبداء بعض مظاهر العطف ما انعكس أيضاً على ضعف تضامن مجتمعات الفلسطينيين الأخرى معهم.
لكن هذا الوضع الذي بات يؤثر سلباً على رؤية الفلسطينيين لأحوالهم تم تداركه إلى حد ما بفضل حيوية مجتمعات الفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات وبفضل مبادرات قطاعات الشباب التي أثمرت أشكالاً مختلفة من التضامن المعنوي والمادي مع فلسطينيي سوريا في المجالات الإعلامية والإغاثية والتي عوّضت عن غياب منظمة التحرير وعن لا مبالاة معظم الفصائل التي تنضوي في إطارها.
في هذا الإطار ونظرا إلى تكلّس الأطر السياسية السائدة وتقادمها يمكن* الحديث عن مشكلتين تواجهان أي محاولة لإيجاد فضاء عام فلسطيني جديد. المشكلة الأولى تكمن في تمزّق مجتمع الفلسطينيين وغياب الاقليم الموحد والمستقل وخضوعهم إلى أنظمة سياسية وقانونية مختلفة. أما المشكلة الثانية فهي تنبع من الغياب الملحوظ للبرجوازية الفلسطينية التي يبدو انها استقالت من لعب أي دور منذ هيمنة فصائل المقاومة على الحقل السياسي الفلسطيني. هكذا حتى الآن لا يوجد جريدة فلسطينية مستقلة ولا محطة إذاعة ولا قناة تلفزيونية ولا جامعة ولا مركز أبحاث علما أن ثمة رجال أعمال فلسطينيين كثر يملكون الإمكانيات ولا يعوزهم الخيال ولا الوطنية لتقديم بعض من امكانياتهم في سبيل استنهاض أحوال شعبهم.
الآن وبدلاً من الركون إلى هذه الأوضاع على سلبياتها جرى الاستثمار فيها بإيجاد نوع من فضاء فلسطيني أتاحته وسهّلته شبكات التواصل الاجتماعي وفرضته تطلعات الشباب الفلسطينيين وتوقهم لتعزيز التواصل والتفاعل فيما بينهم مدفوعين في ذلك بحيوية قضيتهم وبحماسهم للتعبير عن ذاتهم.
أما بالنسبة للبرجوازية الفلسطينية ومع تفهم صعوبة بروز دور مستقل لها لأسباب ذاتية وموضوعية خاصة أنها لا تشتغل في اقليم خاص أو في إطار تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة فإنها معنية بمراجعة دورها وبلورة حالات معينة تشتغل في العمل العام أو لصالح العمل العام.
واضح أن مجتمعات الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي بلدان اللجوء والشتات وعلى ضوء ضياع منظمة التحرير أو تهميشها باتت في مواجهة تحد يتعلق بتصدّع هويتها الوطنية وتآكل كيانيتها السياسية وهو ما أحاول الحديث عنه في دعوتي لايجاد هيئة عامة لسد الفراغ التمثيلي عند الفلسطينيين. وبديهي* أن هذا الحديث ليس دعوة لإيجاد بديل عن منظمة التحرير بقدر ما هو دعوة لترميم حالة التصدع الحاصلة وسد الثغرة الناجمة عن تغييب وتهميش المنظمة ومن أجل تجديد حيوية العمل الفلسطيني.
ولعل ما ينبغي ان ننتبه إليه في غضون ذلك حقيقة أن الزمن الفصائلي انتهى بما له وما عليه ليس لأن أحدا ما قرّر أن يقول ذلك وإنما لأن معظم الفصائل لم يعد لها وجود لا في ميدان الصراع ضد عدوها ولا عند شعبها ناهيك عن تقادمها واستهلاكها. والمعنى أن الفلسطينيين بحاجة ماسة لكيان سياسي يعبر عنهم ويمثلهم سواء كان اسمه منظمة التحرير أو أي اسم آخر طالما أن المنظمة استقالت أو أقيلت من دورها.
كاتب فلسطيني -
لاشكّ أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن مشاركاته لكن ما الذي يعنيه هذا الكلام اليوم؟ أو ما الذي تعمله هذه المنظمة حقاً؟ وماذا تبقى منها؟ وكيف تمثّل الفلسطينيين؟ وكيف تعبّر عن تمثيلها لهم؟
معلوم أن الفلسطينيين دفعوا باهظاً كي تصبح هذه المنظمة عنوانا لهم وبمثابة كيانهم السياسي وإطارهم الجمعي لكنها كفّت عن كونها كل ذلك أقلّه منذ عقدين أي منذ إقامة كيان سياسي فلسطيني في الضفة والقطاع المحتلّين.
المفارقة أن هذا الأمر لم يحصل بسبب تراجع الأنظمة العربية عن الاعتراف بالمنظمة أو لأن إسرائيل استهدفتها أو لأنها استنفذت أغراضها أو لأن الشعب ما عاد راغباً فيها وإنما بسبب تحول القيادة الفلسطينية من قيادة حركة تحرر إلى سلطة ما نجم عنه إحداث تغيرات نوعية في مبنى ومعنى الحركة الفلسطينية ولا سيما في خطاباتها وأنماط عملها وشكل علاقاتها مع شعبها ورؤيتها لذاتها. هكذا تحول المناضلون إلى موظفين والمقاتلون إلى شرطة في الأجهزة الأمنية ولم يتبق شيء اسمه الكفاح المسلح بعد التحول نحو خيار المفاوضات واختزال التحرير بمجرد إقامة دولة لجزء من الشعب على جزء من الأرض.
على ذلك فإن الطبقة السياسية المهيمنة على المنظمة والسلطة وفتح هي بالضبط المسؤولة عن هذه التحولات وضمنها تهميش المنظمة أو تغييبها لصالح السلطة.
منذ البداية كان بإمكان القيادة الحفاظ على مكانة المنظمة التمثيلية والكفاحية ودورها في تعبئة طاقات الفلسطينيين بالنأي بها عن الانخراط في عملية تفاوضية مجحفة وغير متكافئة وجزئية وترك الأمر للوفد المفاوض المتشكّل من فلسطينيي الأرض المحتلة لكنها لم تشأ اعتماد هذا الخيار خشية تبلور مركز قيادي آخر كانت الانتفاضة الأولى تعد به ما يهدد مكانتها مع أن هذه الخشية لم تكن مبررة بالنظر إلى أن الوفد المذكور ظلّ يؤكد دوماّ على تبعيته لها.
المهم أن النتيجة كانت خسارة من كل النواحي فالفلسطينيون لم يحصلوا على اتفاق أفضل مع توقيع قيادتهم على اتفاق اوسلو (1993) المجحف والناقص وفوق ذلك فقد ضاعت المنظمة ولم تقم الدولة فقط ثمة كيان هجين يتمثل بسلطة تحت الاحتلال مع علم ونشيد ومراسم وموازنات وأجهزة أمنية وتمثيل دبلوماسي.
الأنكى أن هذا الخيار أي تغييب المنظمة ما كان اضطرارياً بقدر ما كان خياراً سياسياً تتحمل مسؤوليته القيادة التي فضلت عدم الفصل بين المنظمة والسلطة لذات الاعتبارات الخطأ أي تجميعها مركز القيادة في يدها ولو كان بثمن القضية الوطنية.
بالمحصلة فقد شكّل انحسار مكانة منظمة التحرير تعبيراً عن ازاحة الرواية الفلسطينية الأساسية التي تحتل فيها قضية اللجوء أو النكبة مكانة مركزية وانعكاساً لتخلّي الطبقة السياسية المهيمنة عن “حق العودة” وإخراجها مجتمعات اللاجئين من المعادلات السياسية الفلسطينية؛ الأمر الذي بات يزعزع معنى الهوية الوطنية والكيانية السياسية والأهداف الجمعية للفلسطينيين وحتى تضامنهم المشترك مع بعضهم.
وقد تبدّت مخاطر كل ذلك مؤخّراً في كيفية تعاطي القيادة الفلسطينية مع مأساة فلسطينيي سوريا التي تراوحت من التنكر إلى اللامبالاة إلى إبداء بعض مظاهر العطف ما انعكس أيضاً على ضعف تضامن مجتمعات الفلسطينيين الأخرى معهم.
لكن هذا الوضع الذي بات يؤثر سلباً على رؤية الفلسطينيين لأحوالهم تم تداركه إلى حد ما بفضل حيوية مجتمعات الفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات وبفضل مبادرات قطاعات الشباب التي أثمرت أشكالاً مختلفة من التضامن المعنوي والمادي مع فلسطينيي سوريا في المجالات الإعلامية والإغاثية والتي عوّضت عن غياب منظمة التحرير وعن لا مبالاة معظم الفصائل التي تنضوي في إطارها.
في هذا الإطار ونظرا إلى تكلّس الأطر السياسية السائدة وتقادمها يمكن* الحديث عن مشكلتين تواجهان أي محاولة لإيجاد فضاء عام فلسطيني جديد. المشكلة الأولى تكمن في تمزّق مجتمع الفلسطينيين وغياب الاقليم الموحد والمستقل وخضوعهم إلى أنظمة سياسية وقانونية مختلفة. أما المشكلة الثانية فهي تنبع من الغياب الملحوظ للبرجوازية الفلسطينية التي يبدو انها استقالت من لعب أي دور منذ هيمنة فصائل المقاومة على الحقل السياسي الفلسطيني. هكذا حتى الآن لا يوجد جريدة فلسطينية مستقلة ولا محطة إذاعة ولا قناة تلفزيونية ولا جامعة ولا مركز أبحاث علما أن ثمة رجال أعمال فلسطينيين كثر يملكون الإمكانيات ولا يعوزهم الخيال ولا الوطنية لتقديم بعض من امكانياتهم في سبيل استنهاض أحوال شعبهم.
الآن وبدلاً من الركون إلى هذه الأوضاع على سلبياتها جرى الاستثمار فيها بإيجاد نوع من فضاء فلسطيني أتاحته وسهّلته شبكات التواصل الاجتماعي وفرضته تطلعات الشباب الفلسطينيين وتوقهم لتعزيز التواصل والتفاعل فيما بينهم مدفوعين في ذلك بحيوية قضيتهم وبحماسهم للتعبير عن ذاتهم.
أما بالنسبة للبرجوازية الفلسطينية ومع تفهم صعوبة بروز دور مستقل لها لأسباب ذاتية وموضوعية خاصة أنها لا تشتغل في اقليم خاص أو في إطار تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة فإنها معنية بمراجعة دورها وبلورة حالات معينة تشتغل في العمل العام أو لصالح العمل العام.
واضح أن مجتمعات الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي بلدان اللجوء والشتات وعلى ضوء ضياع منظمة التحرير أو تهميشها باتت في مواجهة تحد يتعلق بتصدّع هويتها الوطنية وتآكل كيانيتها السياسية وهو ما أحاول الحديث عنه في دعوتي لايجاد هيئة عامة لسد الفراغ التمثيلي عند الفلسطينيين. وبديهي* أن هذا الحديث ليس دعوة لإيجاد بديل عن منظمة التحرير بقدر ما هو دعوة لترميم حالة التصدع الحاصلة وسد الثغرة الناجمة عن تغييب وتهميش المنظمة ومن أجل تجديد حيوية العمل الفلسطيني.
ولعل ما ينبغي ان ننتبه إليه في غضون ذلك حقيقة أن الزمن الفصائلي انتهى بما له وما عليه ليس لأن أحدا ما قرّر أن يقول ذلك وإنما لأن معظم الفصائل لم يعد لها وجود لا في ميدان الصراع ضد عدوها ولا عند شعبها ناهيك عن تقادمها واستهلاكها. والمعنى أن الفلسطينيين بحاجة ماسة لكيان سياسي يعبر عنهم ويمثلهم سواء كان اسمه منظمة التحرير أو أي اسم آخر طالما أن المنظمة استقالت أو أقيلت من دورها.