الأدوات الضابطة لسير العمل - omandaily

    • الأدوات الضابطة لسير العمل - omandaily

      أحمد بن سالم الفلاحي -
      ينطلق العمل المؤسسي، في اية بيئة كانت من أسس وقواعد حاكمة، أو ضابطة لمختلف القيم والاعراف التي تسير عليها آلية العمل في هذه المؤسسة أو تلك، وأية مؤسسة كانت لن تخلو ابدا من هذا التنظيم الذي يأتي في صور مختلفة، قد تكون نصوصا قانونية، أو قيما تعارف عليها الجميع فأصبحت بمثابة القانون، لها نفس الاحترام، ونفس التطبيق.
      فالمؤسسة الأسرية – على سبيل المثال – لها قواعد ونظم تحكم آليات عملها اليومي، وترى جميع افراد الاسرة يحتكمون في تعاطيهم اليومي مع بعضهم البعض امتثالا للنظام المعمول به في هذه الاسرة او تلك، حيث ان هذا التطبيق يأتي من خلال التوارث، ان جاز التعبير، حيث ان كل جيل يتعلم من الجيل الذي سبقه في كيفية تطبيق القانون الاسري الذي يسهل الكثير من علاقاتهم اليومية، وتعاطيهم في* مختلف امور حياتهم، وفي كل ما من شأنه ان يعزز من مكانة الاسرة وتميزها عن سائر الاسر في المجتمع الواحد، ولذلك نرى، ونحن من مجتمع، محافظ الى حد بعيد، نرى اجناسا مختلفة اليوم يأتون الى السلطنة للعمل، او للسياحة، او لأغراض كثيرة مختلفة، لا نرى فيهم ما نراه نحن في مجتمعنا ان بعض الممارسات ضروريات مجتمعية، ولا يجب التفريط فيها، ولا* نراها في المقابل في سلوكيات هؤلاء الناس الذين حلوا ضيوفا بيننا، هناك من لا يلتفت الى اخفاقاتهم في هذا الجانب، على اعتبار انه لا يهتم، ولكن البعض الآخر لديه عين مراقبة، ويرى مستوى الفرق في مختلف السلوكيات التي يبديها هؤلاء الضيوف، وبين السلوكيات التي نتعامل بها معهم نحن كمجتمع ينطلق في تعامله من قيم وأعراف، ونظم اجتماعية عريقة.
      وفي هذا الجانب بالذات، اي الجانب الاجتماعي، نرى حتى على مستوى المجتمع، ومجتمعنا صغير كما هو الواقع، مقارنة بالمجتمعات الأخرى الكبيرة، نرى ان هناك تحولا واضحا في مسألة القيم والاعراف الاجتماعية المتعارف عليها في مسألة التعاطي المختلفة بين افراد المجتمع، وهذا الخروج عن المألوف سوف يشهد تطورا اكثر في هذا الخروج على امتداد الأجيال، وذلك* امتداد لكثرة الاسر في المجتمع، فحتى عهد قريب كانت الاسرة النواة، او الممتدة، هي الحاكمة او الضابطة لآليات التعاطي المختلفة بين افراد الاسرة، فكان الأب، او الجد، هو المنبع لمختلف الممارسات التي تحكم آليات التعاطي في السلوك بين افراد الاسرة الواحدة، او بين هذه الاسرة، والاسر الأخرى في المجتمع، والسبب في ذلك ان الأسرة النواة، وما استجد خلالها من اسر الابناء كانوا كلهم يعيشون في منزل واحد، وكان كل ابناء هذه الأسر التي تكون عادة بعدد الأبناء للاسرة النواة، وكان ابناء هذه الاسر كلها يتغذون بصورة يومية من مختلف الممارسات التي يحتكم اليها قادة الاسرة “الكبار” سواء في تعاطي العلاقة بينهم كأسرة، او بينهم وبين افراد المجتمع من الأسر الأخرى، وكلا الحالتين هناك ضوابط، واعراف تحكم هذه العلاقة، اما اليوم وبعد تكاثر الأسر، فالوضع مختلف، واصبحت كل اسرة هي التي تضع موازين القيم في مختلف انشطتها السلوكية، مع الأخذ في الاعتبار ان معظم هذه الاسر اليوم هي اسر كثيرا ما يكون احد قطبيها تشكلت عنده ثقافة مزدوجة، او ثقافة مغذاة من ثقافات أخرى بحكم الاحتكاك مع المجتمعات الأخرى، هذا الاحتكاك الذي فرضته الظروف الدراسية بشكل اكثر قربا، وقد تكون هناك ظروف العمل ايضا، كالذين يعملون في سفارات السلطنة في الدول الشقيقة والصديقة، بمعنى آخر ان التشكل القيمي يقوم اليوم على كثير من المغذيات، وهذه المغذيات ليست فقط هي الموجودة في البيئة الأم، وانما من مختلف الشعوب، والاقطار، ويضاف إليها اليوم ما تجود به وسائل الاتصال الحديثة التي نعيش نحن الافراد تحديات معرفية كثيرة مقابل تطورها التقني المتسارع الى حد بعيد.
      من هنا، وانعكاسا لما يدور حول الفرد اليوم، يأتي القانون الحديث المنظم لمختلف العمليات، والعلاقات ليلعب دورا محوريا في احكام وضبط كل ذلك، وبدون تفعيل نصوص القانون المنظم لمختلف هذه الآليات لن تسير الامور كما يجب، وبالتالي ستظهر ممارسات غريبة وعجيبة بين اية بيئة كانت، سواء أكانت بيئة اجتماعية، او بيئة وظيفية، او بيئة أمنية، وهذه الممارسات ستكون تداعياتها السلبية اكثر خطورة، ولن يلجم طموح بني آدم شيء، لأنه جبل هكذا على الخروج عن المألوف، وعلى ارتكاب الاخطاء، وعلى العناد، والجري عكس التيار، كما يقال، وهذه اشكالية آدمية ليست جديدة عليه، فهو منذ بدء الخليقة وهو يمارس هذا الفعل غير الرشيد، ولذلك ظلت الأدوات الحاكمة أو الضابطة للسلوك السبيل الوحيد للجم كل الثغرات التي ينفذ منها الانسان لارتكاب سلوك معوج، والذين يراهنون على القيم الاجتماعية، او النصوص الدينية في الحد من هذا السلوك غير الرشيد الذي يمارسه الانسان رهانهم خاسر الى حد بعيد، والا لما أنشئت المحاكم، ومخافر الشرطة، بالاضافة الى الاعراف المتداولة، والقيم الأخرى الحاكمة لمختلف الممارسات، والعمليات المنظمة لحياة الناس بشكل عام.
      ما يبعث على الاطمئنان ان الناس اكثر رشدا في سبيل جعل حياتهم تسير سيرا حسنا لا ينازعهم عليها منازع، ولذلك اعاروا مسألة الضوابط الحاكمة لمختلف السلوكيات اهمية كبيرة منذ البدايات الأولى لعمر البشرية ايضا، سواء في سن هذه الاعراف التي نعرف عنها الشيء الكثير، او في سن القوانين الحديثة مع تطور الحياة ووفق متطلبات كل مرحلة حياتية متقدمة، وهذا امر في غاية الاهمية، ولا يعكس فقط مدى اهتمامهم بما يدفع حياتهم نحو الصلاح، ولكن ايضا يعطيك قراءة كمراقب ان هناك نموا متقدما في مسألة الوعي الجمعي، وانعكاسا لهذا الوعي تأتي متطلبات الناس بضرورة تطبيق ما اقرته البشرية من أعراف وقوانين من شأنها ان تسهل مختلف الآليات والعمليات السلوكية القائمة بينهم، وما يعزز من مستوى الرقي في حياتهم اليومية، فأي حياة يسودها التفاهم والتعاون فذلك معناه انعكاس للهدوء الذي يسودها من جراء تساوي الأدوار وتوافقها بين كل فرد من افراد المجموعة الواحدة، والعكس صحيح، فأي ارباك في مسألة القيم سواء الحديثة الممثلة في القانون الحديث، او تلك المتوارثة، يكون ذلك انعكاسا لتصادمات قائمة بين الناس وبين هذه الأدوات الضابطة لتفاعلاتهم، ويمكن ملاحظة ذلك* في مثال بسيط.
      فلينظر أحدنا كيف ينظر الناس الى الخارج على القانون، وكيف يقيمونه سلوكيا، وكيف يعاملونه اجتماعيا، وكيف تكون مكانته في الوسط الذي يعيش فيه، ولا تقتصر المسألة عليه وحده، بل تتعدى حتى إلى افرا د اسرته سواء في حياته، او من بعده، حيث يظل كل ما قام به من سلوك معوج، وصمة عار على جبين الاسرة، والمجتمع لا يغفر ابدا، الا بعد جيل كامل، يمكن ان يأتي جيل ليس له معرفة بما حدث، بعدها يمكن ان يتناسخ افراد اسرته ويأتون احفاده وقد يعيشون عيشة لن يشار اليهم بشيء من السلوك المشين. ما اشير اليه هنا هو مسألة اهمية التطبيق، سواء كان تطبيقا لقيم المجتمع واعرافه، او تطبيقا لنصوص القانون في مؤسسة بيئة العمل، فأي تجاوز للتطبيق لأحدهما، او كلاهما فان في ذلك* تداعيات كثيرة، وهي تسيء اكثر من انها تخدم، تسيء الى عراقة المجتمع في حالة القيم الاجتماعية، وتسيء الى مجمل آليات العمل في حالة المؤسسات، بل وتربك العمل برمته، وليس ذلك* فقط بل* تعيد الامور الى مربعها الأول، وبالتالي على الناس ان يبحثوا لهم عن مخارج أخرى من شأنها أن تعيد المنشق عن الصف الى ما كان عليه الوضع، وهذا امر فيه خطورة كبيرة* على حياة الناس، وعلى امنهم، وعلى اقتصادهم، وعلى تفاصيل حياتهم المختلفة، وما يلحظه الواحد منا أن مسألة الايمان بالتطبيق مسألة نسبية الى حد كبير، ولا لها علاقة بصورة دقيقة بوعي الفرد، او بانتمائه الى مؤسسة صانعة للقانون، على سبيل المثال، فهناك عدد غير قليل يعملون في سلك الشرطة، مثلا، وهم يتجاوزون القانون الذي وضعته الشرطة فيما يخص انظمة وقواعد المرور، وقس على ذلك امثلة* كثيرة، والخطورة الاكبر* في تقديري، ان يتعمد الانسان الواعي* عدم تطبيق القانون او العرف السائد بين الناس، لأنه يمثل القدوة من ناحية، ولأنه يمارس عملا مخالفا* قد لا توافقه عليه قناعاته التي تكونت بفعل الوعي الذي وصل اليه.
      واختم هنا بالاشارة* الى مستوى التحقق الذي كسبته التنمية في السلطنة من اكتمال الصفات للشخصيات الاعتبارية للسلطات الثلاث: وهي السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، ومعنى هذا ان الأدوات الحاكمة والضابطة لمختلف العمليات التنموية داخل السلطة التنفيذية أدوات على قدر كبير من الأهمية، وهي اذ تنطلق فإنها تنطلق من أسس علمية دقيقة، بعيدة عن الاجتهاد، والارتجال، وحرق المراحل، ولأنها وصلت الى هذه المرحلة من التأصيل، فانها في المقابل لا يجب ان تقبل اي خروج عن المسارات التي تسير عليها لتحقيق اهداف التنمية، ومشاريعها وبرامجها، واذا كانت هناك تأثيرات مباشرة وغير مباشرة للقيم الاجتماعية في الحد من تطبيق كثير من نصوص القانون، فقد آن الأوان للتخلص من هذه الترسبات، فالمجتمع أمامه مساحة من العطاء تحتاج الى كثير من التحييد، والتجرد، والى كثير من العدالة وانصاف القانون، فالقانون بقدر ما هو منصف، او هكذا يفترض، فانه في المقابل يحتاج الى من ينصفه، والمرحلة الحالية والقادمة لا تحتمل المناصفة في التطبيق بين القيم الاجتماعية والقانون الحديث، ويكفي ما مر من حالات المراوحة بينهما، وهي قد اضرت اكثر مما اصلحت.