يستند أمبرتو إيكو في كتابه (حكايات عن إساءة الفهم) إلى ما قدمه العالم (ابن حزم) في القرنين العاشر والحادي عشر من تفسير حول تعليم الله – سبحانه وتعالى- اللغة لآدم عليه السلام ، وكيف استطاع آدم إدراك ماهية الأشياء وأسمائها ، وهو فصل سماه إيكو (أسطورة اللغة المثالية) الذي يحاول فيه مناقشة قدرة اللغات واللهجات على التعبير ، وإيجاد فلسفة جديدة لمدى قدرة اللغات على استيعاب الألفاظ الحديثة والمتجددة ، وهو يذهب إلى ما ذهب إليه ابن حزم بأن اللغة الأم ليست وحيدة وإنما مجموعة من اللغات في قالب مركب ؛ ولذلك فإنه يعتقد أن (الأسطورة) اللغوية التي وُعِد بها أبناء آدم وبناته هي (مهمة أن يقتنصوا بأنفسهم براعة السيادة والسيطرة على برج بابل) . هي إذن مهمة السلطة اللغوية التي تقوم بتوصيل المعنى خلال إنشاء علاقات بين عناصر ووحدات مخطط التعبير وبين عناصر ووحدات مخطط اللغة الشفاهية .
عائشة الدرمكية -
هذه السلطة التي يؤكد لنا فرديناند دو سوسير في (محاضرات في علم اللغة) أنها (سلوك أو عادة شبيهة بعادة اللباس أو السلاح)؛ فهي تعكس الخصائص المتعلقة بالجماعة وبالأمة من حيث إنها تخبرنا عن المجتمع وعاداته وموطنه وخصائصه ، ولذلك سنجد أن** النص الأدبي عامة له دور كبير في حفظ اللغات واللهجات المميزة لكل مجتمع على حدة ، فالشاعر مثلاً يستخدم ألفاظ مجتمعه أو ألفاظ عصره التي يتوسل بها ليقدم ما يفهمه قارؤوه أو سامعوه ، ولذلك فإن تلك اللغة أو اللهجة المتوسل بها ستكون شاهداً ليس على قدرة النص وتمكنه من لغة خطابه وحسب ، بل هي دليل على ذلك العصر الذي قيلت فيه ، ولعل ذلك ما تنبه إليه الكاتب جميز مونرو عندما أراد أن يبحث عن (الانتحال) في الشعر الجاهلي في كتابه ( النظم الشفوي في الشعر الجاهلي) ، فبالإضافة إلى اعتماده على بنية النص الشعري فإنه اعتمد أيضاً على ما أسماه (الدليل الخارجي لطبيعة الشعر الجاهلي الشفوي) ؛ إذ اشتغل على اللغة المستخدمة في النصوص الشعرية (الألفاظ) لذلك المجتمع الذي عاش تلك الحقبة الزمنية ، وبناء على مدى توفرها في النص لفظياً ودلالياً وضع نتائجه ، مما يدلنا على أهمية اللفظ في النص ومدى قدرته على الاحتفاظ بالطابع المميز لكل مجتمع على حدة ، وعلى أن الشعر الجاهلي هو أقدم ما وصل إلينا من الشعر الشعبي فإن الأمر سيكون كذلك لكل الشعر الشعبي حتى يومنا هذا .
نحاول هنا إذن مقاربة اللسان الذي يؤدى به النص الشفاهي على اعتبار أنه عنصر من أهم عناصر النص ؛ ويجب أن نؤكد قبل كل شيء أن اسم اللسان لا يطلق إلاَّ (على اللهجة التي أنتجت أدباً) – كما قال سوسير – ولذلك فإن اللسان ليس هو تماماً (الكلام) الذي تحدث عنه ابن جني في خصائصه ؛ ذلك لأن اللسان في الخطاب الأدبي الشفاهي أو حتى المكتوب ليس هو ذلك الخطاب الذي نتحدث به في الحياة العامة بشكل يومي (سواء أكان لغة أو لهجة) ، وإنما ذلك الخطاب الأدبي الذي يقدم به الراوي أو الشاعر نصه بأسلوبه وسلطته التي تحدثنا عنها سابقاً، ولذلك يطالب (هوكت) دائماً (المجتمع الأمي والمتعلم عامة أن يتسم حديثه الأدبي بدرجة عالية من الجودة ، ويشترط في الراوي للقصة الطلاقة والتأثير) . الأدب إذن بوصفه (شعبي) يمثل درجة من درجات الوعي الفكري اللساني بواقع أهمية خطاب النص ؛ فحتى إن كان مبدعه أمياً إلاَّ أنه يمثل خطاباً أدبياً مميزاً من الناحية اللسانية والأسلوبية فليس كل أفراد المجتمع قادرين على إبداع مثل ذلك الخطاب وإن كانوا متمكنين من اللهجة أو اللغة نفسها .
وهذا ما يركز عليه بول ريكور في كتابه (من النص إلى الفعل) ؛ عندما تحدث عن عالم النص ومرجعيته اللغوية وعرضه لرأي (هايدغر) الذي اقترح نظرية (الفهم) التي تشكل بنية من بنيات الكينونة في العالم ، وهي البنية التي يأتي اختبارها بعد اختبار صيغة الوجود الفعلي في وضع معين ، ولذلك فإن ريكور يقرر أن (العالم الذي نتكلم عنه ليس هو الكلام اليومي) ؛ وهي مباعدة بين الواقع وبين نفسه بوساطة الخيال والأسلوب الذي يتبعه المبدع في الكتابة أو الحكي أو الأداء .
ويخصَّص ريكور هنا فصلاً للحديث عن الكلام بوصفه خطاباً ؛ فالكلام يعتبر نفسه حدثاً من الناحية اللسانية ؛ (أي أن شيئاً ما يحدث عندما يتكلم أحدنا) – على حد تعبيره- ، وبهذا فإن نظرية الخطاب كحدث تفرض نفسها بمجرد ما نأخذ بعين الاعتبار العبور من لسانيات الكلام أو الرموز (على حد تمييز سوسير بين اللغة واللسان) إلى لسانيات الخطاب أو الإرسالية (على حد تمييز إميل بنفنيست بين التصور والاستعمال) ، وهي ثنائيات تستخلص منها نطرية الخطاب خلاصاتها وأطروحاتها كلها .
وعليه فإن القول بأن الخطاب حدث ما ، يعني أنه تحقق زمنياً وفي الحاضر ، في حين أن نسق اللغة مضمر وخارج الزمن ، ولهذا يتحدث بنفنيست عما أسماه بـ (إلحاح الخطاب) لتحديد ظهور الخطاب نفسه بوصفه حدثاً ، وهذا الحدث يكمن في كون أحد ما يتكلم ، وفي الوقت نفسه لا تحيل فيه علامات الكلام سوى على علامات أخرى داخل النسق الأدبي نفسه ، والذي يخلص إلى أنه لم يعد للغة عالَم أكثر مما لها من زمن وذاتية ، ويكون الخطاب دائماً على علم بشيء ما ؛ يرجع إلى عالَم ينوي وصفه ، والتعبير عنه أو تصويره ، ويكون الحدث بالتالي هو كلام عالَم ما ، يظهر عن طريق الخطاب ، وهذا ما يشكل خطاب النص بشكله النهائي .
ولأهمية الخطاب اللغوي للنص الأدبي عامة والشعبي (الشفاهي ، أو المكتوب) خاصة ؛ فإن علماء اللغة والإنثروبولوجين يصرَّون على تسجيل أو تدوين النص كما هو أي بلسان راويه أو منشده أو مؤديه ، لأن في ذلك رصد لتاريخ اللغة وتاريخ النص وتاريخ المجتمع ؛ ذلك لأن وضع اللغة في النص يرتبط مباشرة بتمثيل العلاقات بين الطبيعة والثقافة كما أكد كلود ليفي شتراوس في كتابه (الأنثربولوجيا البنيوية) ؛ فاللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية فإنها لذلك تظهر وتتطور ضمن تطور البشرية ، وهي لذلك قابلة لدراسة علمية حقيقية في إطار من الموضوعية التي تشتغل على دراسة ما وراء اللغة الواعية والتاريخية على المستوى السطحي ، وهو ما يسمية تشومسكي (الكفاءة اللغوية) التي أقرها – كما يصرح في إحدى مقابلاته – عام 1964م بـ (الكفاءة / الشكلية) بوصفها المعرفة التي تختفي وراء متكلم اللغة ، التي يتعلمها المرء مرة واحدة ، والتي تلازمه بلا وعي ، وتسمح له بالتالي بأن يفهم وينتج عدداً غير محدد من الجمل الجديدة .
وهذا المستوى لا يظهر فقط في النص الشعبي وإنما يظهر كذلك في نصوص النثر الحديثة من مثل (القصة القصيرة أو الرواية) في انتظام البُنى التركيبية لخطابها ؛ وهذا ما يتحدث عنه ميخائيل باختين عندما يخصص فصلاً كاملاً* في كتابه (الخطاب الروائي) عن الفرق بين الخطاب الشعري والخطاب الروائي ؛ إذ يؤكد أن الخطاب الروائي متعدد من حيث لسانيته ، فهو متعدد كونه اجتماعياً ، مشبعاً بامتلاء الأصداء الحوارية المحسوبة فنياً بالنسبة للأصوات والنبرات الجوهرية جميعاً؛ فالسائق يتحدث بلسانه ، والمثقف يتحدث بلسانه ، وهكذا الريفي والبدوي والمدني وغيرهم من الشخوص ، فمن هذا المنطلق هو (متعدد) من حيث لسانيته وبالتالي خطابه الذي يميز بين الشخوص وإيديولوجياتهم وتاريخهم الثقافي والنفسي والاجتماعي .
إن الخطاب الذي يقدمه النص الشفاهي من الناحية اللسانية يكشف وظائف النص ومكوناته وسياقاته وتمظهراته ، وبنيويته وأسلوبياته الخطابية ضمن نسقه البنيوي الذي اختاره ثم الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية المرتبطة بتلك الأنساق، والوحدات المشكلة للتركيبات اللسانية في النص وعلاقاتها والتطور الأسلوبي والإيقاعي للنص ، على اعتبار أن النص هنا واحد من أنساق الأدب الذي يعرفه عبد الحميد يونس بأنه ؛ (القول الذي يعبر به الشعب عن مشاعره وأحاسيسه أفراداً وجماعات ، فهو من الشعب وإلى الشعب ، يتطور بتطوره ، وهو غذاؤه الوجداني الذي يلائمه كل الملاءمة وليس ينفعه غيره) ،ولعل ذلك دفع (وليم هيندريف) إلى الاعتقاد أن الباحث لا يمكنه أن يحقق كثيراً من التقدم في تحليل الأدب الروائي المعقد وفهمه إلاَّ بعد تحليل الأبنية الأساسية الموجودة في الصيغ الشفاهية للخبرة الشخصية ؛ فهو يقول في كتابه (علم اللغة السيميائي) أن هذه الخبرة (ليست في نتاج رواة القصة الخبراء ، الذي أُعيد مرات متعددة ، بل في النتاج الأصيل الذي يكمن عند عامة الناس) .
(هيندريف) هنا يعتمد على فكرة قدمها جاكبسون هي (الابتكار الجماعي) أو ما أسماه فكرة (الرقابة الوقائية للمجتمع) ، وهي فكرة تقوم على أن الأدب الشعبي هو العمل الذي يحصل على موافقة مجموعة معينة بأسرها ، بحيث يجتاز الرقابة الجماعية ، وهو – كما يقول جاكبسون – ( وحده الذي يصبح كياناً من الأدب الشعبي) ، وهو بالتالي أدب يحافظ على خطابه الذي يميزه من الناحية اللسانية والأسلوبية ، وهو ما يكشف لنا الأبعاد التاريخية للنص الأدبي هنا ؛ إذ يحافظ النص على خطابه العام وعلى ألفاظه وتركيباته كما ورثها المجتمع وهو ما حاول دو سوسير كشفه من خلال دراساته اللغوية حين تحدث عن الأخطاء والتناقضات التي تحتويها بعض النصوص في استعمال بعض الألفاظ التي لا تخضع لتطورها التاريخي المعروف والمتأصل في نصوص أخرى .
لا يمكن إذن تجاوز أهمية الخطاب اللساني في النص الشفاهي لأنه يمثل عقداً تاريخياً من الناحية الاجتماعية وخطاباً مميزاً من الناحية اللسانية ، وعليه فإنه لا يمكن القول بعد ذلك إن عدداً من الحكايات مثلاً هي صيغ متنوعة من حكاية قديمة تاريخياً ، فهذا لا يمكن إثباته إلاَّ ببحوث كثيرة وموسَّعة ، أو كما أسماه هيندريف (ابتكار من الباحث التحليلي وليست حقيقة ثقافية) ، أو كما يشبهه سوسير بالقول بأن كلمة (الوالد) هي مرادف لكلمة (الأب) وهذا غير صحيح .
ولقد أكدَّ هيندريف إن (أحد الإنجازات الرئيسة للإنسان هو اللغة) ، إذ أظهرت الدراسات والبحوث أن لغة أي قبيلة بدائية لا تقل أهمية عن لغة أي مجتمع متقدم تكنولوجياً ، ولذلك فإننا نتحدث عن حاجاتنا إلى مثل تلك الدراسات الموسعة للسانيات النص الشفاهي وخطابه ، وسياقات ذلك الخطاب وتمظهراته . فما أحوجنا إلى تأسيس وحدات بحثية لدراسة هذا النوع من النصوص الأدبية والثقافية ، وما أحوجنا إلى دراسات تعمِّق لسانيات النص وتاريخ تطورها لتكون مرجعاً لكُتَّاب النصوص الأدبية من مثل القصة أو الرواية أو المسرح أو السينما أو الدراما ؛ فهي جميعها نصوص تقوم على الخطاب اللساني الشفاهي في علاقاته المتبادلة مع الخطاب اللغوي للنص المكتوب .
عائشة الدرمكية -
هذه السلطة التي يؤكد لنا فرديناند دو سوسير في (محاضرات في علم اللغة) أنها (سلوك أو عادة شبيهة بعادة اللباس أو السلاح)؛ فهي تعكس الخصائص المتعلقة بالجماعة وبالأمة من حيث إنها تخبرنا عن المجتمع وعاداته وموطنه وخصائصه ، ولذلك سنجد أن** النص الأدبي عامة له دور كبير في حفظ اللغات واللهجات المميزة لكل مجتمع على حدة ، فالشاعر مثلاً يستخدم ألفاظ مجتمعه أو ألفاظ عصره التي يتوسل بها ليقدم ما يفهمه قارؤوه أو سامعوه ، ولذلك فإن تلك اللغة أو اللهجة المتوسل بها ستكون شاهداً ليس على قدرة النص وتمكنه من لغة خطابه وحسب ، بل هي دليل على ذلك العصر الذي قيلت فيه ، ولعل ذلك ما تنبه إليه الكاتب جميز مونرو عندما أراد أن يبحث عن (الانتحال) في الشعر الجاهلي في كتابه ( النظم الشفوي في الشعر الجاهلي) ، فبالإضافة إلى اعتماده على بنية النص الشعري فإنه اعتمد أيضاً على ما أسماه (الدليل الخارجي لطبيعة الشعر الجاهلي الشفوي) ؛ إذ اشتغل على اللغة المستخدمة في النصوص الشعرية (الألفاظ) لذلك المجتمع الذي عاش تلك الحقبة الزمنية ، وبناء على مدى توفرها في النص لفظياً ودلالياً وضع نتائجه ، مما يدلنا على أهمية اللفظ في النص ومدى قدرته على الاحتفاظ بالطابع المميز لكل مجتمع على حدة ، وعلى أن الشعر الجاهلي هو أقدم ما وصل إلينا من الشعر الشعبي فإن الأمر سيكون كذلك لكل الشعر الشعبي حتى يومنا هذا .
نحاول هنا إذن مقاربة اللسان الذي يؤدى به النص الشفاهي على اعتبار أنه عنصر من أهم عناصر النص ؛ ويجب أن نؤكد قبل كل شيء أن اسم اللسان لا يطلق إلاَّ (على اللهجة التي أنتجت أدباً) – كما قال سوسير – ولذلك فإن اللسان ليس هو تماماً (الكلام) الذي تحدث عنه ابن جني في خصائصه ؛ ذلك لأن اللسان في الخطاب الأدبي الشفاهي أو حتى المكتوب ليس هو ذلك الخطاب الذي نتحدث به في الحياة العامة بشكل يومي (سواء أكان لغة أو لهجة) ، وإنما ذلك الخطاب الأدبي الذي يقدم به الراوي أو الشاعر نصه بأسلوبه وسلطته التي تحدثنا عنها سابقاً، ولذلك يطالب (هوكت) دائماً (المجتمع الأمي والمتعلم عامة أن يتسم حديثه الأدبي بدرجة عالية من الجودة ، ويشترط في الراوي للقصة الطلاقة والتأثير) . الأدب إذن بوصفه (شعبي) يمثل درجة من درجات الوعي الفكري اللساني بواقع أهمية خطاب النص ؛ فحتى إن كان مبدعه أمياً إلاَّ أنه يمثل خطاباً أدبياً مميزاً من الناحية اللسانية والأسلوبية فليس كل أفراد المجتمع قادرين على إبداع مثل ذلك الخطاب وإن كانوا متمكنين من اللهجة أو اللغة نفسها .
وهذا ما يركز عليه بول ريكور في كتابه (من النص إلى الفعل) ؛ عندما تحدث عن عالم النص ومرجعيته اللغوية وعرضه لرأي (هايدغر) الذي اقترح نظرية (الفهم) التي تشكل بنية من بنيات الكينونة في العالم ، وهي البنية التي يأتي اختبارها بعد اختبار صيغة الوجود الفعلي في وضع معين ، ولذلك فإن ريكور يقرر أن (العالم الذي نتكلم عنه ليس هو الكلام اليومي) ؛ وهي مباعدة بين الواقع وبين نفسه بوساطة الخيال والأسلوب الذي يتبعه المبدع في الكتابة أو الحكي أو الأداء .
ويخصَّص ريكور هنا فصلاً للحديث عن الكلام بوصفه خطاباً ؛ فالكلام يعتبر نفسه حدثاً من الناحية اللسانية ؛ (أي أن شيئاً ما يحدث عندما يتكلم أحدنا) – على حد تعبيره- ، وبهذا فإن نظرية الخطاب كحدث تفرض نفسها بمجرد ما نأخذ بعين الاعتبار العبور من لسانيات الكلام أو الرموز (على حد تمييز سوسير بين اللغة واللسان) إلى لسانيات الخطاب أو الإرسالية (على حد تمييز إميل بنفنيست بين التصور والاستعمال) ، وهي ثنائيات تستخلص منها نطرية الخطاب خلاصاتها وأطروحاتها كلها .
وعليه فإن القول بأن الخطاب حدث ما ، يعني أنه تحقق زمنياً وفي الحاضر ، في حين أن نسق اللغة مضمر وخارج الزمن ، ولهذا يتحدث بنفنيست عما أسماه بـ (إلحاح الخطاب) لتحديد ظهور الخطاب نفسه بوصفه حدثاً ، وهذا الحدث يكمن في كون أحد ما يتكلم ، وفي الوقت نفسه لا تحيل فيه علامات الكلام سوى على علامات أخرى داخل النسق الأدبي نفسه ، والذي يخلص إلى أنه لم يعد للغة عالَم أكثر مما لها من زمن وذاتية ، ويكون الخطاب دائماً على علم بشيء ما ؛ يرجع إلى عالَم ينوي وصفه ، والتعبير عنه أو تصويره ، ويكون الحدث بالتالي هو كلام عالَم ما ، يظهر عن طريق الخطاب ، وهذا ما يشكل خطاب النص بشكله النهائي .
ولأهمية الخطاب اللغوي للنص الأدبي عامة والشعبي (الشفاهي ، أو المكتوب) خاصة ؛ فإن علماء اللغة والإنثروبولوجين يصرَّون على تسجيل أو تدوين النص كما هو أي بلسان راويه أو منشده أو مؤديه ، لأن في ذلك رصد لتاريخ اللغة وتاريخ النص وتاريخ المجتمع ؛ ذلك لأن وضع اللغة في النص يرتبط مباشرة بتمثيل العلاقات بين الطبيعة والثقافة كما أكد كلود ليفي شتراوس في كتابه (الأنثربولوجيا البنيوية) ؛ فاللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية فإنها لذلك تظهر وتتطور ضمن تطور البشرية ، وهي لذلك قابلة لدراسة علمية حقيقية في إطار من الموضوعية التي تشتغل على دراسة ما وراء اللغة الواعية والتاريخية على المستوى السطحي ، وهو ما يسمية تشومسكي (الكفاءة اللغوية) التي أقرها – كما يصرح في إحدى مقابلاته – عام 1964م بـ (الكفاءة / الشكلية) بوصفها المعرفة التي تختفي وراء متكلم اللغة ، التي يتعلمها المرء مرة واحدة ، والتي تلازمه بلا وعي ، وتسمح له بالتالي بأن يفهم وينتج عدداً غير محدد من الجمل الجديدة .
وهذا المستوى لا يظهر فقط في النص الشعبي وإنما يظهر كذلك في نصوص النثر الحديثة من مثل (القصة القصيرة أو الرواية) في انتظام البُنى التركيبية لخطابها ؛ وهذا ما يتحدث عنه ميخائيل باختين عندما يخصص فصلاً كاملاً* في كتابه (الخطاب الروائي) عن الفرق بين الخطاب الشعري والخطاب الروائي ؛ إذ يؤكد أن الخطاب الروائي متعدد من حيث لسانيته ، فهو متعدد كونه اجتماعياً ، مشبعاً بامتلاء الأصداء الحوارية المحسوبة فنياً بالنسبة للأصوات والنبرات الجوهرية جميعاً؛ فالسائق يتحدث بلسانه ، والمثقف يتحدث بلسانه ، وهكذا الريفي والبدوي والمدني وغيرهم من الشخوص ، فمن هذا المنطلق هو (متعدد) من حيث لسانيته وبالتالي خطابه الذي يميز بين الشخوص وإيديولوجياتهم وتاريخهم الثقافي والنفسي والاجتماعي .
إن الخطاب الذي يقدمه النص الشفاهي من الناحية اللسانية يكشف وظائف النص ومكوناته وسياقاته وتمظهراته ، وبنيويته وأسلوبياته الخطابية ضمن نسقه البنيوي الذي اختاره ثم الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية المرتبطة بتلك الأنساق، والوحدات المشكلة للتركيبات اللسانية في النص وعلاقاتها والتطور الأسلوبي والإيقاعي للنص ، على اعتبار أن النص هنا واحد من أنساق الأدب الذي يعرفه عبد الحميد يونس بأنه ؛ (القول الذي يعبر به الشعب عن مشاعره وأحاسيسه أفراداً وجماعات ، فهو من الشعب وإلى الشعب ، يتطور بتطوره ، وهو غذاؤه الوجداني الذي يلائمه كل الملاءمة وليس ينفعه غيره) ،ولعل ذلك دفع (وليم هيندريف) إلى الاعتقاد أن الباحث لا يمكنه أن يحقق كثيراً من التقدم في تحليل الأدب الروائي المعقد وفهمه إلاَّ بعد تحليل الأبنية الأساسية الموجودة في الصيغ الشفاهية للخبرة الشخصية ؛ فهو يقول في كتابه (علم اللغة السيميائي) أن هذه الخبرة (ليست في نتاج رواة القصة الخبراء ، الذي أُعيد مرات متعددة ، بل في النتاج الأصيل الذي يكمن عند عامة الناس) .
(هيندريف) هنا يعتمد على فكرة قدمها جاكبسون هي (الابتكار الجماعي) أو ما أسماه فكرة (الرقابة الوقائية للمجتمع) ، وهي فكرة تقوم على أن الأدب الشعبي هو العمل الذي يحصل على موافقة مجموعة معينة بأسرها ، بحيث يجتاز الرقابة الجماعية ، وهو – كما يقول جاكبسون – ( وحده الذي يصبح كياناً من الأدب الشعبي) ، وهو بالتالي أدب يحافظ على خطابه الذي يميزه من الناحية اللسانية والأسلوبية ، وهو ما يكشف لنا الأبعاد التاريخية للنص الأدبي هنا ؛ إذ يحافظ النص على خطابه العام وعلى ألفاظه وتركيباته كما ورثها المجتمع وهو ما حاول دو سوسير كشفه من خلال دراساته اللغوية حين تحدث عن الأخطاء والتناقضات التي تحتويها بعض النصوص في استعمال بعض الألفاظ التي لا تخضع لتطورها التاريخي المعروف والمتأصل في نصوص أخرى .
لا يمكن إذن تجاوز أهمية الخطاب اللساني في النص الشفاهي لأنه يمثل عقداً تاريخياً من الناحية الاجتماعية وخطاباً مميزاً من الناحية اللسانية ، وعليه فإنه لا يمكن القول بعد ذلك إن عدداً من الحكايات مثلاً هي صيغ متنوعة من حكاية قديمة تاريخياً ، فهذا لا يمكن إثباته إلاَّ ببحوث كثيرة وموسَّعة ، أو كما أسماه هيندريف (ابتكار من الباحث التحليلي وليست حقيقة ثقافية) ، أو كما يشبهه سوسير بالقول بأن كلمة (الوالد) هي مرادف لكلمة (الأب) وهذا غير صحيح .
ولقد أكدَّ هيندريف إن (أحد الإنجازات الرئيسة للإنسان هو اللغة) ، إذ أظهرت الدراسات والبحوث أن لغة أي قبيلة بدائية لا تقل أهمية عن لغة أي مجتمع متقدم تكنولوجياً ، ولذلك فإننا نتحدث عن حاجاتنا إلى مثل تلك الدراسات الموسعة للسانيات النص الشفاهي وخطابه ، وسياقات ذلك الخطاب وتمظهراته . فما أحوجنا إلى تأسيس وحدات بحثية لدراسة هذا النوع من النصوص الأدبية والثقافية ، وما أحوجنا إلى دراسات تعمِّق لسانيات النص وتاريخ تطورها لتكون مرجعاً لكُتَّاب النصوص الأدبية من مثل القصة أو الرواية أو المسرح أو السينما أو الدراما ؛ فهي جميعها نصوص تقوم على الخطاب اللساني الشفاهي في علاقاته المتبادلة مع الخطاب اللغوي للنص المكتوب .