د. أحمد بن سعيد الشعيلي -
dr.ilaw@hotmail.com
بموجب طبيعة المرحلة – على الأقل – وما يحكمها من تفاعلات على المستوى الإقليمي والعالمي، وقبل أن أشرع في مسألة المقال فإنني أودّ أن أدعو الجميع إلى الدخول في منظمة العقل المدني بما تعنيه من مواصفات في طريقة التفكير، ومن سياسات في التعامل مع المشغولات الوطنية… وأطروحات المجتمع؛ ويمكنني أن أعرّفه، بأنه الآلة التي تشتغل بالمفردات الإنسانية، مع ملاحظة المتلازمات التي تفترضها قيم الموضوعية والتشارك، ومشروطات العلوم والتنمية والتجديد…وعلى أن يتم العمل والتعامل بنظم التعايش السلمي…
إن العمل على وحدة المشروعات الوطنية أيّا كانت طبيعتها « ثقافية- اجتماعية- اقتصادية- تجارية- سياحية- تراثية- فنية….» كلها تشترط التواؤم بين الإدارة الحاكمة والشعب، أي أنها تتطلب فعل السلطة السياسية والإسناد الشعبي الذي يتمثل في مؤسسات المجتمع المدني، هذا ما تفترضه نجاحات الدول في مشاريعها الوطنية.
وعند هذه النقطة بالتحديد، فإنني أدعو الإدارات الحاكمة – في عالمنا العربي – إلى أن تعمل على ملف المشاريع الوطنية المدروسة، والرجاء أن تأخذ في الاعتبار كل مكونات المجتمع، وأن تستفيد من كل المخرجات العلمية بمسافة واحدة، وعلى أن ترشّح لهذه المهمة الحيوية الشخصية الوطنية القادرة، وأن تختار لها من ذوي الاختصاص، وصاحب العقل المدني…بغية أن نختصر المراحل بالصفة الموجبة.
ما يعنيه هذا الطرح، هو أن العقل الإقصائي أو العقل الإلغائي لا يصلح أن يكون رسولا للمهام الوطنية، وليس في مقدوره أن يتحمل المسؤولية التاريخية في هذه المسألة، بمعنى أن الفرد المنتمي لهذه الدائرة يتساوى – في نظري – مع العقل الأمي في خطورته على الدولة والمجتمع، وذلك بالنظر إلى المضاعفات السلبية التي تنتج عن سياسة الإقصاء والإلغاء، إذن فأين الحلّ؟؟
ما يبدو واضحا أن الطريق إلى الحل يتمثل في مبدأ الشراكة، لأن المورد البشري يجب أن يعمل جميعه في دائرة المشغولات، وذلك بمشاركات متقنة، فما يلزمني – أنا صاحب القرار – أن أرحب بالجميع ما داموا يمدّون بالأفكار الخيّرة، ويدفعون بالتي هي أحسن…نعم، هذا ما ينتظره الشعب من المشرع ومن صانع القرار.
تعال معي واقرأ قصة المقال ثم لاحظها هل تتوافق أطروحتها مع تساؤلنا عن العقل المدني؟؟ وماذا يعني؟؟
نشأ الأربعة « حسّان- عمّار- فيصل- أسعد» نشؤوا في إحدى الحارات العربية ببساطتها المعهودة عاشوا أيام الطفولة معا يلعبون ويتسابقون، يأكلون ويشربون، مستمتعين بما تجود به البيئة العربية من الحب والعفوية، من شجرة إلى شجرة، ومن مدرة إلى مدرة. وأفكارهم في ابتكار لعبة جديدة يواصلون بها اللهو والمرح.
نعم، ما كان يهمهم إلا الاستمتاع بالطفولة بما تعنيه من براءة مطلقة بعيدا عن حسابات ومسؤوليات الكبار، وعاشوا كذلك سنين – ليتها دامت – لا يفرّق بينهم إلا الليل، هذا الظرف الزمني الذي سيكون له فيما بعد دلالة واقعية وبعد دراماتيكي سيغيّر مجرى قصة طفولتهم؛ وهذا أمر مؤسف بالطبع!!.
ثم تقدّمت بهم الأيام حتى بلغوا سن السادسة فاستبشروا بمقاعد الدراسة، حيث الفصل الواحد، والقرية الواحدة، يجتمعون بكرة وأصيلا، وقد ظلّ حالهم كذلك حتى أكملوا تعليمهم الثانوي، فجاءت نتائجهم متفاوتة، فكانت علامة حسان ضعيفة لا تؤهله لدخول الجامعة رغم اهتمامهم به ووقوفهم بجانبه، فأدخله أبوه ليدرس في كلية خاصة…ولكن ليس على نفقته!!.
وبانتقالهم جميعا إلى المرحلة الجامعية، فقد بدأ لقاؤهم يتراجع، نظرا إلى اشتغالهم بالدراسات العليا، وما تعنيه من اختلاف في التخصصات – وإلى انشغالهم بتكاليف الحياة فيما بعد – وقد بدأت أفكارهم المستقلة تتشكّل، وذلك بالنظر إلى متلازمات المرحلة الجديدة على طول الطريق، وبناء على قناعات ذاتية – أيضا – وذلك في ضوء ملاحظاتهم وقراءاتهم؛ وهذه الظاهرة العلمية صحية بالطبع في حدّ ذاتها، كونها تخدم المكوّن المعرفي…لو أنها انتهت عند هذا الحد بالطبع!!.
قال عمّار، وكان منا الفتى حسّان أعرفه منذ زمن بعيد أنه ابن الأكرمين، وقد علمت بأنه قد ارتقى حتى أصبح في منصب مرموق، قال عمّار: فتساءلت في نفسي يا ترى ما الذي جعله في هذه المرتبة المجيدة؟ رغم…ورغم!!! قال: فما وجدت لتساؤلي غير إجابة واحدة:كونه ابن الأكرمين!! نعم، وقد قرأت المادة21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول:» لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً، ولكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد..» قال عمار: تهانينا يا حسان – بين قوسين – فربما قد تحقق لك بعض طموحك ولو كان عن طريق الأجداد…!! قال عمّار:ومن الطبيعي أن يكون لدى البعض شيء من الحساسية ولو بنسبة بسيطة، لأن هذا الإخراج – والكلام له – في اعتقادي ليس من مكونات العقل المدني، ولا من طبيعته.
قال عمّار: وكان من حسن الطالع ان سمحت لنا الأيام بأن نكمل دراساتنا العليا ما بعد الجامعة إلى درجة الدكتوراه، قال: ولكن قصتي مع فيصل وأسعد لم تنته بعد، فما جمعته الأيام فرقته الأفهام – وربما الأوهام- لأن توجهاتهم الجديدة قد باعدت بينهم إلى حدّ القطيعة – أحيانا – مع أنه من غير المدنية أن يتجاوز الاختلاف بينهم في الفهم والنظر، أو في الرؤى والتصورات، أن يتجاوز دائرة الإثراء المعرفي وتعدّد الخطط إلى دائرة التماس بالوصف السالب لاسيما في المجال العلمي والوظيفي، وعلى المستوى الاجتماعي كذلك، ليمارس كل منهم على الآخر ما أسمّيه بـ»سياسة الإلغاء أو الإقصاء» وهذا منعطف حاد في دعوتنا إلى العقل المدني بجميع وظائفه.
قال عمّار: أنا لا أدين التوجه المختلف أو المغاير غير أنني أدين بشدة إذا سجّل الفرد موقفا يعتمد سياسة الإلغاء أو الإقصاء الممنهج، لأن هذا التوجه لا يعكس نضوجا فكريا، ولا يخدم التنمية، ولا يساعد على التطور والتمدن، فمن الخطأ أن تتم معايرة الناس بحسب توجهاتهم، ومن الخطأ – في سياسة التخطيط الوطني – أن يتمّ استبعاد أحد عن دائرة البناء والتنمية، أو استبعاده عن دائرة الإبداع والابتكار، لأنني أعتبر المشروعات الوطنية – وهي كذلك – مسؤولية وطنية ودينية واجتماعية.
تتلخص وظيفة ساعي البريد في أن يسلّم الطّرود إلى أصحابها، لأن هذا من مهام عمله الأمينة، بمعنى أن طبيعة التخصص مع بطاقة الوصف الوظيفي هما اللتان تحددان الشخصية الفاعلة باحتراف، فليس من المهنية أن يتكلّم الفقيه في مشغولات العلوم التطبيقية كاختصاصي، وليس من المهنية أن يعالج المهندس قضايا الشرع كاختصاصي، كما ليس من المهنية أن يشرح رجل القانون في علوم الطبيعة كاختصاصي، ولا أن يطرح الطبيب مسائل الفلك كاختصاصي…وإنما أن يتمّ العمل كلٌ في مجال اختصاصه… هكذا يبدو العمل المدني.
إن ما يبتغيه العقل المدني …ما يؤمن به…هو أن يعمل الفرد بحسب رؤاه الإيجابية، على أن يشترك مع المجتمع في مستحضرات التنمية والتطوير…ولكن شريطة ألا يلغي أو يغيّب اشتراطات المخرج الحضاري، والمقاسات التي تصفه بكونه منتجا صالحا للعرض والطلب، ويصلح للاستخدام البشري!! لأن ما يريده هذا العقل، هو أن يراهن على المنظومة الثقافية – بنسبة أكبر – من حيث كونها أقرب إلى مفهوم الوعي الذي يعمل على صياغة الأفكار التي تعتقد في التمازج المدني منهجا متمدنا في حقل التفاعل الإنساني.
يريد المقال، أن يلاحظ طبيعة العمل المدني…أن يسجل المستوى الحرفي لدى الشعوب والحكومات في فن التعامل مع ملفاته…في التفاعل معها من حيث الإعداد والنتائج…فما يعنيني بالأساس، هو جودة البناء الوطني، فإذا حصلت لي فكرة تخدم هذا الملف، فإنني سأرحب بها وأحاول تطويرها، وأن لا أسمح للتعصّب – أيّا كانت صفته- أن تحدّ من قبولها – على الأقل – بأن أضعها قيد البحث والدراسة…فما أبتغيه، أن أعمل على تحفيز العقل، وأن أنشّط خلاياه، ليجد طريقه إلى الإبداع…إلى الابتكار…إلى الإضافة…
إن من أساسيات العمل المدني، أن يستند إلى تعدّد الأفكار…إلى دراسة التصورات المختلفة…ما الهدف من هذا؟؟ هدفه بأن أجعل الفرد أمام مسؤوليته الوطنية، وأن أوسّع نسبة المشاركة لدى المجتمع، ليعمل بكامل طاقته، وهذا يدعوه بالطبع إلى التخصص النوعي في حقول المعرفة…وفي مشروعات الدول…فمن الضرورة أن يعكس الأفراد قيم الدين…قيم الحضارة…قيم التمدّن، فإننا مدعوّون جميعا إلى الدخول في الهيئة المدنية بصفتها المتقدّمة، لأنها الضامنة لمفاهيم التعايش الإنساني والشعبوي…
إن ما يشغلني، هو أن أرى الفرد…المجتمع…في قالبه الإنساني…في إطاره العالمي، وأن أجده يشتغل على تطوير صفته المدنية التي يحددها ثالوث من المكونات الحيوية المتمثلة في المعرفة…في التعارف…في الاعتراف…فهذه المساقات تَعِدُنَا ببلوغ المستحيل، لأنها تختصر نظما وجيوشا…لأنها توفّر وقتا ومالا…لأنها تمدّ الفرد بالشحنات والطاقات الضرورية للعبور والتجاوز… لأنها أدوات لازمة للسلام الدولي.
dr.ilaw@hotmail.com
بموجب طبيعة المرحلة – على الأقل – وما يحكمها من تفاعلات على المستوى الإقليمي والعالمي، وقبل أن أشرع في مسألة المقال فإنني أودّ أن أدعو الجميع إلى الدخول في منظمة العقل المدني بما تعنيه من مواصفات في طريقة التفكير، ومن سياسات في التعامل مع المشغولات الوطنية… وأطروحات المجتمع؛ ويمكنني أن أعرّفه، بأنه الآلة التي تشتغل بالمفردات الإنسانية، مع ملاحظة المتلازمات التي تفترضها قيم الموضوعية والتشارك، ومشروطات العلوم والتنمية والتجديد…وعلى أن يتم العمل والتعامل بنظم التعايش السلمي…
إن العمل على وحدة المشروعات الوطنية أيّا كانت طبيعتها « ثقافية- اجتماعية- اقتصادية- تجارية- سياحية- تراثية- فنية….» كلها تشترط التواؤم بين الإدارة الحاكمة والشعب، أي أنها تتطلب فعل السلطة السياسية والإسناد الشعبي الذي يتمثل في مؤسسات المجتمع المدني، هذا ما تفترضه نجاحات الدول في مشاريعها الوطنية.
وعند هذه النقطة بالتحديد، فإنني أدعو الإدارات الحاكمة – في عالمنا العربي – إلى أن تعمل على ملف المشاريع الوطنية المدروسة، والرجاء أن تأخذ في الاعتبار كل مكونات المجتمع، وأن تستفيد من كل المخرجات العلمية بمسافة واحدة، وعلى أن ترشّح لهذه المهمة الحيوية الشخصية الوطنية القادرة، وأن تختار لها من ذوي الاختصاص، وصاحب العقل المدني…بغية أن نختصر المراحل بالصفة الموجبة.
ما يعنيه هذا الطرح، هو أن العقل الإقصائي أو العقل الإلغائي لا يصلح أن يكون رسولا للمهام الوطنية، وليس في مقدوره أن يتحمل المسؤولية التاريخية في هذه المسألة، بمعنى أن الفرد المنتمي لهذه الدائرة يتساوى – في نظري – مع العقل الأمي في خطورته على الدولة والمجتمع، وذلك بالنظر إلى المضاعفات السلبية التي تنتج عن سياسة الإقصاء والإلغاء، إذن فأين الحلّ؟؟
ما يبدو واضحا أن الطريق إلى الحل يتمثل في مبدأ الشراكة، لأن المورد البشري يجب أن يعمل جميعه في دائرة المشغولات، وذلك بمشاركات متقنة، فما يلزمني – أنا صاحب القرار – أن أرحب بالجميع ما داموا يمدّون بالأفكار الخيّرة، ويدفعون بالتي هي أحسن…نعم، هذا ما ينتظره الشعب من المشرع ومن صانع القرار.
تعال معي واقرأ قصة المقال ثم لاحظها هل تتوافق أطروحتها مع تساؤلنا عن العقل المدني؟؟ وماذا يعني؟؟
نشأ الأربعة « حسّان- عمّار- فيصل- أسعد» نشؤوا في إحدى الحارات العربية ببساطتها المعهودة عاشوا أيام الطفولة معا يلعبون ويتسابقون، يأكلون ويشربون، مستمتعين بما تجود به البيئة العربية من الحب والعفوية، من شجرة إلى شجرة، ومن مدرة إلى مدرة. وأفكارهم في ابتكار لعبة جديدة يواصلون بها اللهو والمرح.
نعم، ما كان يهمهم إلا الاستمتاع بالطفولة بما تعنيه من براءة مطلقة بعيدا عن حسابات ومسؤوليات الكبار، وعاشوا كذلك سنين – ليتها دامت – لا يفرّق بينهم إلا الليل، هذا الظرف الزمني الذي سيكون له فيما بعد دلالة واقعية وبعد دراماتيكي سيغيّر مجرى قصة طفولتهم؛ وهذا أمر مؤسف بالطبع!!.
ثم تقدّمت بهم الأيام حتى بلغوا سن السادسة فاستبشروا بمقاعد الدراسة، حيث الفصل الواحد، والقرية الواحدة، يجتمعون بكرة وأصيلا، وقد ظلّ حالهم كذلك حتى أكملوا تعليمهم الثانوي، فجاءت نتائجهم متفاوتة، فكانت علامة حسان ضعيفة لا تؤهله لدخول الجامعة رغم اهتمامهم به ووقوفهم بجانبه، فأدخله أبوه ليدرس في كلية خاصة…ولكن ليس على نفقته!!.
وبانتقالهم جميعا إلى المرحلة الجامعية، فقد بدأ لقاؤهم يتراجع، نظرا إلى اشتغالهم بالدراسات العليا، وما تعنيه من اختلاف في التخصصات – وإلى انشغالهم بتكاليف الحياة فيما بعد – وقد بدأت أفكارهم المستقلة تتشكّل، وذلك بالنظر إلى متلازمات المرحلة الجديدة على طول الطريق، وبناء على قناعات ذاتية – أيضا – وذلك في ضوء ملاحظاتهم وقراءاتهم؛ وهذه الظاهرة العلمية صحية بالطبع في حدّ ذاتها، كونها تخدم المكوّن المعرفي…لو أنها انتهت عند هذا الحد بالطبع!!.
قال عمّار، وكان منا الفتى حسّان أعرفه منذ زمن بعيد أنه ابن الأكرمين، وقد علمت بأنه قد ارتقى حتى أصبح في منصب مرموق، قال عمّار: فتساءلت في نفسي يا ترى ما الذي جعله في هذه المرتبة المجيدة؟ رغم…ورغم!!! قال: فما وجدت لتساؤلي غير إجابة واحدة:كونه ابن الأكرمين!! نعم، وقد قرأت المادة21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول:» لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً، ولكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد..» قال عمار: تهانينا يا حسان – بين قوسين – فربما قد تحقق لك بعض طموحك ولو كان عن طريق الأجداد…!! قال عمّار:ومن الطبيعي أن يكون لدى البعض شيء من الحساسية ولو بنسبة بسيطة، لأن هذا الإخراج – والكلام له – في اعتقادي ليس من مكونات العقل المدني، ولا من طبيعته.
قال عمّار: وكان من حسن الطالع ان سمحت لنا الأيام بأن نكمل دراساتنا العليا ما بعد الجامعة إلى درجة الدكتوراه، قال: ولكن قصتي مع فيصل وأسعد لم تنته بعد، فما جمعته الأيام فرقته الأفهام – وربما الأوهام- لأن توجهاتهم الجديدة قد باعدت بينهم إلى حدّ القطيعة – أحيانا – مع أنه من غير المدنية أن يتجاوز الاختلاف بينهم في الفهم والنظر، أو في الرؤى والتصورات، أن يتجاوز دائرة الإثراء المعرفي وتعدّد الخطط إلى دائرة التماس بالوصف السالب لاسيما في المجال العلمي والوظيفي، وعلى المستوى الاجتماعي كذلك، ليمارس كل منهم على الآخر ما أسمّيه بـ»سياسة الإلغاء أو الإقصاء» وهذا منعطف حاد في دعوتنا إلى العقل المدني بجميع وظائفه.
قال عمّار: أنا لا أدين التوجه المختلف أو المغاير غير أنني أدين بشدة إذا سجّل الفرد موقفا يعتمد سياسة الإلغاء أو الإقصاء الممنهج، لأن هذا التوجه لا يعكس نضوجا فكريا، ولا يخدم التنمية، ولا يساعد على التطور والتمدن، فمن الخطأ أن تتم معايرة الناس بحسب توجهاتهم، ومن الخطأ – في سياسة التخطيط الوطني – أن يتمّ استبعاد أحد عن دائرة البناء والتنمية، أو استبعاده عن دائرة الإبداع والابتكار، لأنني أعتبر المشروعات الوطنية – وهي كذلك – مسؤولية وطنية ودينية واجتماعية.
تتلخص وظيفة ساعي البريد في أن يسلّم الطّرود إلى أصحابها، لأن هذا من مهام عمله الأمينة، بمعنى أن طبيعة التخصص مع بطاقة الوصف الوظيفي هما اللتان تحددان الشخصية الفاعلة باحتراف، فليس من المهنية أن يتكلّم الفقيه في مشغولات العلوم التطبيقية كاختصاصي، وليس من المهنية أن يعالج المهندس قضايا الشرع كاختصاصي، كما ليس من المهنية أن يشرح رجل القانون في علوم الطبيعة كاختصاصي، ولا أن يطرح الطبيب مسائل الفلك كاختصاصي…وإنما أن يتمّ العمل كلٌ في مجال اختصاصه… هكذا يبدو العمل المدني.
إن ما يبتغيه العقل المدني …ما يؤمن به…هو أن يعمل الفرد بحسب رؤاه الإيجابية، على أن يشترك مع المجتمع في مستحضرات التنمية والتطوير…ولكن شريطة ألا يلغي أو يغيّب اشتراطات المخرج الحضاري، والمقاسات التي تصفه بكونه منتجا صالحا للعرض والطلب، ويصلح للاستخدام البشري!! لأن ما يريده هذا العقل، هو أن يراهن على المنظومة الثقافية – بنسبة أكبر – من حيث كونها أقرب إلى مفهوم الوعي الذي يعمل على صياغة الأفكار التي تعتقد في التمازج المدني منهجا متمدنا في حقل التفاعل الإنساني.
يريد المقال، أن يلاحظ طبيعة العمل المدني…أن يسجل المستوى الحرفي لدى الشعوب والحكومات في فن التعامل مع ملفاته…في التفاعل معها من حيث الإعداد والنتائج…فما يعنيني بالأساس، هو جودة البناء الوطني، فإذا حصلت لي فكرة تخدم هذا الملف، فإنني سأرحب بها وأحاول تطويرها، وأن لا أسمح للتعصّب – أيّا كانت صفته- أن تحدّ من قبولها – على الأقل – بأن أضعها قيد البحث والدراسة…فما أبتغيه، أن أعمل على تحفيز العقل، وأن أنشّط خلاياه، ليجد طريقه إلى الإبداع…إلى الابتكار…إلى الإضافة…
إن من أساسيات العمل المدني، أن يستند إلى تعدّد الأفكار…إلى دراسة التصورات المختلفة…ما الهدف من هذا؟؟ هدفه بأن أجعل الفرد أمام مسؤوليته الوطنية، وأن أوسّع نسبة المشاركة لدى المجتمع، ليعمل بكامل طاقته، وهذا يدعوه بالطبع إلى التخصص النوعي في حقول المعرفة…وفي مشروعات الدول…فمن الضرورة أن يعكس الأفراد قيم الدين…قيم الحضارة…قيم التمدّن، فإننا مدعوّون جميعا إلى الدخول في الهيئة المدنية بصفتها المتقدّمة، لأنها الضامنة لمفاهيم التعايش الإنساني والشعبوي…
إن ما يشغلني، هو أن أرى الفرد…المجتمع…في قالبه الإنساني…في إطاره العالمي، وأن أجده يشتغل على تطوير صفته المدنية التي يحددها ثالوث من المكونات الحيوية المتمثلة في المعرفة…في التعارف…في الاعتراف…فهذه المساقات تَعِدُنَا ببلوغ المستحيل، لأنها تختصر نظما وجيوشا…لأنها توفّر وقتا ومالا…لأنها تمدّ الفرد بالشحنات والطاقات الضرورية للعبور والتجاوز… لأنها أدوات لازمة للسلام الدولي.