عاطف الغمري -
نائب رئيس تحرير الاهرام* -
من المهم في الظروف التي تمر بها مصر، محاولة استكشاف ما يعتمل في العقل السياسي المصري، وما يمكن أن يحتمل مؤشرات ولو غير مباشرة عن التوجهات السياسية في الفترة القادمة، بعد ثلاث سنوات من التشويش كان معظمه مقصودا ومتعمدا، لكي تفقد مصر هويتها التاريخية والحضارية والقومية.
وربما يكون قد أتاح لنا هذه الفرصة، ما دار في المؤتمر السنوي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، حتى وان كانت المناقشات التي جرت فيه، لا تحمل خطة عمل، بقدر ما كانت تطرح نوعا من الرؤية للمستقبل.
المؤتمر بدأ بعرض من وزير الخارجية المصري نبيل فهمي لرؤية مستقبلية، امتدت إلى حوارات وتبادل للرأي ومناقشات مع الحضور، ثم تبع ذلك عقد ثلاث جلسات احداها من مصر والتوازنات الاقليمية، والثانية بعنوان مصر والتوازنات الدولية، والثالثة عن قضايا السياسة الخارجية، وتحدث في الجلسات 16 من كبار الخبراء والمتخصصين في الشؤون العربية والدولية.
ولعل ما جرى من عرض رؤية وزير الخارجية، وتبادل الحوار بينه وبين القاعة، ما يحمل ملامح لهذه الرؤية المستقبلية، حتى ولو لم تكن تعبر بالدقة عن فكر الحكومة الحالية، الا أنها تطرح صورة لتفكير النخبة المتخصصة، ذات الخبرة الطويلة، فضلا عن أن وزير الخارجية هو ضمن النخبة، بحكم كونه قبل الوزارة مباشرة عميدا لكلية الدراسات الدولية بالجامعة الأمريكية.
في البداية طرح هذا السؤال: ما هي بالتحديد مصلحة مصر؟ وكيف نضعها في إطار استراتيجية شاملة تحدد أهدافنا، بما يدعم دورنا على المستويين الاقليمي والدولي؟
إن العالم من حولنا يشهد تغييرات، بعضها سلبي بما يحمله من تحديات، وبعضها إيجابي بما يوفره من فرص.
في هذا الإطار – وهو شيء له أولوياته لما يمثله من تحدٍ لنا جميعا – هو الصراع الدائر بين مفهوم الوطن، ومفهوم الطائفة. وبينما تسعى المنطقة للانضمام إلى ركب التقدم العالمي، ولديها امكانات لهذا فان الطائفية في المقابل تحاول جر حركة الدولة اإلى الوراء، ضمن شبكة جماعات متسللة عبر الحدود.
وبالإضافة إلى التنازع بين فكرة الوطن، وبين فكرة الطائفة، التي تنكر معنى الوطن، فإن هناك متغيراً آخر، وهو ظهور الشارع العربي لاعبا فاعلا حاملا للصفتين – وهما التحديات والفرص معا.
وهذا يدعو الحكومات بألا تتجاهله، بل أن تستوعبه وتوجهه، ولا تنعزل عنه، وفي اتجاه تعزيز التحديات، فان التدخل الدولي وصل إلى حد التدخل في الأفكار، بتغذية التيارات الطائفية في العالم العربي، خدمة لمصالح أجنبية، وهو خطر علينا جميعا كعرب، يفرض علينا مواجهة مخططاته لتقسيم المجتمعات على أساس طائفي.
.. كان هذا عرض عام مستخلص من جملة المناقشات التي تناولت قضايا متنوعة، لابراز التحديات التي تواجه عالمنا العربي، بتدبير من جماعات منشقة عن روح الوطن وفكره، مدعومة بقوى خارجية، تحالفت مع بعضها، وتلاعبت بعقول البعض الآخر.
وبعدها تطرقت المناقشات إلى السياسة الخارجية، بتوضيح ضرورة الاهتمام ببناء علاقات متعددة مع مختلف الدول، وليس استبدال طرف بآخر.
بما يعني عدم الانعزال عن الولايات المتحدة، وانما صياغة استراتيجية، تقوم على تبادلية العلاقة، بالحفاظ على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وأن يركز هذا التوجه في المرحلة القادمة على مزيد من الانتشار في أفريقيا وآسيا وأوروبا. مع بناء مصلحة حقيقية للسياسة الخارجية، وأن تصل أهداف هذه السياسة الى المواطن العادي، حتى يشعر بمردود هذه السياسة عليه، ويساندها كظهير داعم للدولة في سياستها الخارجية.
وشمل ذلك الحديث عن دور مصر وانعكاساته خارج حدودها، وأن الطريق إلى ذلك يبدأ من نجاحها في تقديم نموذج الحكم الرشيد. وأول العناصر التي تحققه، هي المكونات الحضارية والثقافية لمصر، مع الوعي بأن المزاج السياسي للجماهير يتغير، ومقاييس العلاقات بين الدول تتغير، ولهذا فان قيام ديمقراطية حقيقية تعبر عن شعبها، وترتقي به تتصدر أهم مواصفات الدولة النموذج.
ولا ينفصل عن أولويات مصر الآن حتى يتحقق لها ذلك توفير الاستقرار الأمني، الذي يعد الأرضية الراسخة لحياة سياسية سليمة.
ربما يكون من سلبيات السنوات الثلاث التي مرت على مصر منذ عام 2011 غياب أية رؤية لاستراتيجية واضحة وناضجة للسياسة الخارجية، اما نتيجة الفوضى والتشويش، واما بسبب تولي نظام حكم يفتقد للفكر السياسي، ولا يملك قدرات إدراك واستيعاب معنى العمل المؤسسي، والفكر الاستراتيجي، أو معنى الدولة بشكل محدد، وكان لهذا اسهامه الخطير في فوضى الحياة السياسية في مصر في الفترة الأخيرة، بالرغم مما كانت تطرحه النخبة ورجالها من الخبراء والمتخصصين، من أفكار متكاملة لاستراتيجية شاملة للسياسة الخارجية. لكن لم تكن هناك آذان مصغية تتلقى هذه الأفكار، لأن التواصل العقلي كان مفقودا بين مجتمع فيه من يفكر ويبدع، وبين نظام ضاق عقله في حدود التفكير في تطلعات أخرى، ليس للوطن ومصيره ومستقبله أية علاقة بها.
لهذا أحسست خلال الطرح الذي عرض في هذا المؤتمر أن هناك رؤية للفهم والتفكير والادراك ببعض ما يمكن أن يمثل علامات لتوجهات مستقبلية للسياسة الخارجية لمصر.
نائب رئيس تحرير الاهرام* -
من المهم في الظروف التي تمر بها مصر، محاولة استكشاف ما يعتمل في العقل السياسي المصري، وما يمكن أن يحتمل مؤشرات ولو غير مباشرة عن التوجهات السياسية في الفترة القادمة، بعد ثلاث سنوات من التشويش كان معظمه مقصودا ومتعمدا، لكي تفقد مصر هويتها التاريخية والحضارية والقومية.
وربما يكون قد أتاح لنا هذه الفرصة، ما دار في المؤتمر السنوي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، حتى وان كانت المناقشات التي جرت فيه، لا تحمل خطة عمل، بقدر ما كانت تطرح نوعا من الرؤية للمستقبل.
المؤتمر بدأ بعرض من وزير الخارجية المصري نبيل فهمي لرؤية مستقبلية، امتدت إلى حوارات وتبادل للرأي ومناقشات مع الحضور، ثم تبع ذلك عقد ثلاث جلسات احداها من مصر والتوازنات الاقليمية، والثانية بعنوان مصر والتوازنات الدولية، والثالثة عن قضايا السياسة الخارجية، وتحدث في الجلسات 16 من كبار الخبراء والمتخصصين في الشؤون العربية والدولية.
ولعل ما جرى من عرض رؤية وزير الخارجية، وتبادل الحوار بينه وبين القاعة، ما يحمل ملامح لهذه الرؤية المستقبلية، حتى ولو لم تكن تعبر بالدقة عن فكر الحكومة الحالية، الا أنها تطرح صورة لتفكير النخبة المتخصصة، ذات الخبرة الطويلة، فضلا عن أن وزير الخارجية هو ضمن النخبة، بحكم كونه قبل الوزارة مباشرة عميدا لكلية الدراسات الدولية بالجامعة الأمريكية.
في البداية طرح هذا السؤال: ما هي بالتحديد مصلحة مصر؟ وكيف نضعها في إطار استراتيجية شاملة تحدد أهدافنا، بما يدعم دورنا على المستويين الاقليمي والدولي؟
إن العالم من حولنا يشهد تغييرات، بعضها سلبي بما يحمله من تحديات، وبعضها إيجابي بما يوفره من فرص.
في هذا الإطار – وهو شيء له أولوياته لما يمثله من تحدٍ لنا جميعا – هو الصراع الدائر بين مفهوم الوطن، ومفهوم الطائفة. وبينما تسعى المنطقة للانضمام إلى ركب التقدم العالمي، ولديها امكانات لهذا فان الطائفية في المقابل تحاول جر حركة الدولة اإلى الوراء، ضمن شبكة جماعات متسللة عبر الحدود.
وبالإضافة إلى التنازع بين فكرة الوطن، وبين فكرة الطائفة، التي تنكر معنى الوطن، فإن هناك متغيراً آخر، وهو ظهور الشارع العربي لاعبا فاعلا حاملا للصفتين – وهما التحديات والفرص معا.
وهذا يدعو الحكومات بألا تتجاهله، بل أن تستوعبه وتوجهه، ولا تنعزل عنه، وفي اتجاه تعزيز التحديات، فان التدخل الدولي وصل إلى حد التدخل في الأفكار، بتغذية التيارات الطائفية في العالم العربي، خدمة لمصالح أجنبية، وهو خطر علينا جميعا كعرب، يفرض علينا مواجهة مخططاته لتقسيم المجتمعات على أساس طائفي.
.. كان هذا عرض عام مستخلص من جملة المناقشات التي تناولت قضايا متنوعة، لابراز التحديات التي تواجه عالمنا العربي، بتدبير من جماعات منشقة عن روح الوطن وفكره، مدعومة بقوى خارجية، تحالفت مع بعضها، وتلاعبت بعقول البعض الآخر.
وبعدها تطرقت المناقشات إلى السياسة الخارجية، بتوضيح ضرورة الاهتمام ببناء علاقات متعددة مع مختلف الدول، وليس استبدال طرف بآخر.
بما يعني عدم الانعزال عن الولايات المتحدة، وانما صياغة استراتيجية، تقوم على تبادلية العلاقة، بالحفاظ على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وأن يركز هذا التوجه في المرحلة القادمة على مزيد من الانتشار في أفريقيا وآسيا وأوروبا. مع بناء مصلحة حقيقية للسياسة الخارجية، وأن تصل أهداف هذه السياسة الى المواطن العادي، حتى يشعر بمردود هذه السياسة عليه، ويساندها كظهير داعم للدولة في سياستها الخارجية.
وشمل ذلك الحديث عن دور مصر وانعكاساته خارج حدودها، وأن الطريق إلى ذلك يبدأ من نجاحها في تقديم نموذج الحكم الرشيد. وأول العناصر التي تحققه، هي المكونات الحضارية والثقافية لمصر، مع الوعي بأن المزاج السياسي للجماهير يتغير، ومقاييس العلاقات بين الدول تتغير، ولهذا فان قيام ديمقراطية حقيقية تعبر عن شعبها، وترتقي به تتصدر أهم مواصفات الدولة النموذج.
ولا ينفصل عن أولويات مصر الآن حتى يتحقق لها ذلك توفير الاستقرار الأمني، الذي يعد الأرضية الراسخة لحياة سياسية سليمة.
ربما يكون من سلبيات السنوات الثلاث التي مرت على مصر منذ عام 2011 غياب أية رؤية لاستراتيجية واضحة وناضجة للسياسة الخارجية، اما نتيجة الفوضى والتشويش، واما بسبب تولي نظام حكم يفتقد للفكر السياسي، ولا يملك قدرات إدراك واستيعاب معنى العمل المؤسسي، والفكر الاستراتيجي، أو معنى الدولة بشكل محدد، وكان لهذا اسهامه الخطير في فوضى الحياة السياسية في مصر في الفترة الأخيرة، بالرغم مما كانت تطرحه النخبة ورجالها من الخبراء والمتخصصين، من أفكار متكاملة لاستراتيجية شاملة للسياسة الخارجية. لكن لم تكن هناك آذان مصغية تتلقى هذه الأفكار، لأن التواصل العقلي كان مفقودا بين مجتمع فيه من يفكر ويبدع، وبين نظام ضاق عقله في حدود التفكير في تطلعات أخرى، ليس للوطن ومصيره ومستقبله أية علاقة بها.
لهذا أحسست خلال الطرح الذي عرض في هذا المؤتمر أن هناك رؤية للفهم والتفكير والادراك ببعض ما يمكن أن يمثل علامات لتوجهات مستقبلية للسياسة الخارجية لمصر.