تيري فوكس : ماراثون الأمل - shabayek

    • تيري فوكس : ماراثون الأمل - shabayek

      جاء ميلاد تيري فوكس في 1958 في كندا، واشتهر في صباه بلعب كرة القدم والرجبي وبيسبول، رغم أنه لم يتقن أيا من هذه الرياضات ولم يحقق نتائج ملموسة فيها. في عام 1976 وأثناء قيادته عائدا لبيته، تشتت تركيز حتى اصطدم بمؤخرة شاحنة أمامه، ولم يصب سوى ببعض الخدوش في قدمه اليمنى. بعدها بدأ يلاحظ بعض الألم في ركبته اليمنى لكنه قرر تجاهله لبعض الوقت حتى استشرى الألم ولم يعد بمقدوره تحمله.
      في المستشفى أخبروه أنه مصاب بنوع محدد من سرطان العظام في ركبته اليمنى وكان الحل الوحيد بتر الساق اليمنى كلها واستبدالها بأخرى صناعية، وتلقي العلاج الكيمياوي لمعالجة السرطان. أخبر الأطباء تيري أنه بفضل أبحاث السرطان فإن فرصه في الحياة بعد إصابته هذه ارتفعت من 15% إلى 50% من الحالات المصابة به. هذه المعلومة تركت أثرها في نفس تيري الذي أيقن أهمية إجراء مثل هذه الأبحاث الطبية على علاج السرطان.

      استمر تيري في تلقي العلاج الكيمياوي لمدة 16 شهرا بعد بتر ساقه اليمنى، في المركز الطبي حيث راقب عن كثب غيره من مصابي السرطان وهم يسقطون الواحد تلو الآخر. على الجهة الأخرى، لاحظ الأطباء الروح الايجابية لدى تيري والتي ساهمت بشكل كبير في نجاح علاجه وزيادة فرصه في البقاء حيا.
      كان السرطان مرضا غير مشهور في هذا الوقت، رغم انتشاره بين المرضى، ولذا قرر تيري عمل شيء ما بخصوص مرضه هذا، شيء يجلب الشهرة والاهتمام العالمي بهذا المرض العضال، وفي ذات الوقت يساهم في جمع التبرعات المالية لتمويل أبحاث معالجة السرطان.
      قبل خضوعه لجراحة الاستئصال والبتر، قرأ سيرة ديك تروم، أول عداء ماراثون مبتور يكمل سباق نيويورك حتى نهايته، الأمر الذي جعله يبدأ برنامجا تدريبيا لمدة 14 شهرا للاستعداد لجري مسافة الماراثون، لكن الأمر لم يكن سهلا البتة، ذلك أن أول 20 دقيقة من بدء التدريب كانت الأشق والأصعب، تجلب له الألم والالتهابات والأوجاع، فهو كان يثب على قدمه ويتحمل ألم القفز والهبوط على الساق الصناعية. بعد فترة من التدريب، اعتاد تيري على الألم واكتسب مناعة ضده.

      [h=4]الماراثون الأول[/h]في أغسطس 1979 أكمل تيري أول سباق ماراثون له، حيث حل الأخير، متأخرا بعشر دقائق عن آخر عداء في السباق، لكنه قطع خط النهاية وسط تصفيق ودموع المشاهدين والمشاركين في السباق. بعدها كشف تيري عن خطته لعائلته. نظر تيري في أمره، فلم يجد أفضل من أن يجري كل يوم مسافة الماراثون، على أمل جمع مليون دولار كندي على سبيل تبرعات لدعم أبحاث مرض السرطان. كان هدفه في البداية جمع مليون دولار، ثم بعدها رفع سقف آماله إلى 10 ملايين دولار، ثم 24 مليون دولار، كناية عن جمع دولار واحد من كل مواطن كندي، حيث كان تعداد سكان كندا في هذا الوقت.
      [h=4]غير مشهور.. غير مدعوم.. غير يائس[/h]راسل تيري الجمعية الكندية لمرض السرطان طلبا لدعمهم له، فنظروا إليه بعين الشك، ووضعوا بعض الشروط التي عليه توفيرها قبل أن يدعموه، ومن ضمنها شهادة طبية من طبيب تؤكد قدرته على الجري كل يوم، لكن تيري كان يعاني – ضمن أشياء كثيرة – من تضخم قلبه وهو أمر شائع لدى الرياضيين. كذلك راسل تيري العديد من الهيئات المانحة لتمنح ساقا صناعية تناسب الجري والأحذية الرياضية وسيارة تسير بجانبه لتوفر له العناية الطبية وبعض المال ليسعده على تحقيق حلمه، الجري من شرق كندا إلى غربها. رغم خيبة أمله من ضعف وقلة الردود التي حصلت عليها رسائله، لكنه قرر تنفيذ خطته بما توفر له من مقومات.
      [h=4]البداية …[/h]في 12 أبريل 1980، غمس تيري قدمه في مياه المحيط الأطلنطي، وملء زجاجتي مياه من ماء المحيط، على أمل إفراغهما في المحيط الأطلسي بعدما ينجح في بلوغ هدفه. كانت البداية صعبة، مليئة بالطقس القاسي والأمطار والثلوج، وسائقي السيارات الذين اعترضوا طريقه وصعبوا عليه العدو. كان تيري يجري 10 أميال صباحا، ثم يكمل 14 في المساء. رافق تيري في رحلته صديق ثم حل أخوه محله بعد فترة من الوقت. رغم الصعوبات، لكن تيري واجه كذلك بعض التشجيع الجميل، مثل قرية على الطريق خرج أهلها لتشجيعه على الطريق وتبرعوا له، ثم بلدة أخرى وهكذا، وشيئا فشيئا بدأ الخبر ينتشر عن الشاب الصغير الذي يجري على قدم واحدة كل يوم.
      [h=4]لقد جرى آخر كيلومتر له[/h]بعد 143 يوما من العدو المستمر، وبعدما قطع مسافة 3339 ميل (أو 5373 كيلومتر) لم يستطع تيري الاستمرار في الجري في هذا اليوم بالتحديد، وطلب نقله للمستشفى إذ هاجمته كحة مستمرة وبدأ يشعر بآلام شديدة في صدره، وهناك حيث جاءه الخبر اليقين، لقد امتد السرطان إلى كلا رئتيه، وكان لديه ورم كبير في كل رئة. خرج تيري من المستشفى محمولا على نقالة، ليخبر الصحفيين بنتيجة الكشف عليه، وهي انتقال السرطان لرئتيه، وأن عليه الجلوس في بيته والراحة، فلقد جرى آخر كيلومتر له في أول سبتمبر 1980…
      [h=4]عندما تفعل كل ما بإمكانك، بعدها يأتي النجاح[/h]عند هذه النقطة الزمنية، بلغ إجمالي ما جمعه تيري من تبرعات 1.7 مليون دولار، لكن خبر عودة السرطان لجسده جعل الأمة الكندية تتعاطف معه، وبعدها بأسبوع تعاونت محطة تليفزيون مع كوكبة من مشاهير المجتمع الكندي لجمع تبرعات لصالح حملة تيري، والتي جمعت خلال ساعات قرابة 10.5 مليون دولار كندي، وتعهدت الولاية التي هو منها ببناء مركز لأبحاث سرطان وإطلاق اسم تيري عليه. استمرت التبرعات حتى أنه بحلول شهر أبريل التالي، كان إجمالي التبرعات قد بلغ 23 مليون دولار!
      ذاعت شهرة تيري عالميا وبدأت رسائل التعاطف والتشجيع تنهال عليه، حتى أنه بدأ يتلقى رسائل بريدية أكثر مما يتلقاها بقية سكان بلدته، وبمرور الوقت، بدأ الموت يفوز في معركته مع تيري، إذ أدى العلاج الكيمياوي لذبوله أكثر وأكثر، وبدأ مواطنو كندا يصلون من أجل معجزة تشفي هذا الشاب الصغير، حتى أن بابا يوحنا بول الثاني أرسل له رسالة يخبره فيها أن يصلي من أجل شفائه.
      [h=4]نهاية وبداية[/h]في 28 يونيو 1981 مات تيري فوكس محاطا بأفراد أسرته، لتنكس كندا كلها أعلامها حزنا على رحيل هذا الحالم، ولتذيع جنازته ودفنه على الهواء في محطات التلفزة في كندا، ولتتذكره كندا بعدها وتكرمه وتضمه لقائمة أبطالها.
      في 13 سبتمبر 1981، قررت أسرة تيري إجراء ماراثون سنوي تخليدا لذكرى ماراثون الأمل، وشارك فيه أكثر من 300 ألف عداء، وجمع 3.5 مليون دولار، وفي العام التالي نادوا على مدارس كندا بأن تشارك في هذا الماراثون وهو ما تم، ليجمع الماراثون ما قيمته 20 مليون دولار في أول ست سنوات من إقامته، ليصبح حدثا عالميا يشارك فيه الناس من كل بقاع العالم، ليجمع في عام 1999 أكثر من 15 مليون دولار في هذه السنة وحدها. احتفالا بمرور 25 سنة على بدء تيري فوكس سباقه الخاص، كان أكثر من 3 مليون عداء يشاركون في هذا الماراثون.
      التبرعات المليونية التي جمعها هذا السباق على مر السنين ساعدت العلماء والأطباء على دراسة هذا المرض ومعرفة المزيد عنه وتوفير المزيد من العلاج له.
      [h=4]الشاهد من قصة تيري فوكس[/h]تيري فوكس يجري ماراثون الأمل

      ماذا يمكن لشاب مجهول أن يفعل أمام مرض عضال أطاح بهامات عظام ؟ الكثير.
      إصرار تيري على أن يجري كل يوم جعله يخوض خلال آلام كثيرة مستمرة، لكن تصميمه على ألا يتوقف كان أكبر.
      مع بدء شهرته، لم تتركه الصحافة الكندية بدون هجوم وقدح، فهذه جريدة حكمت عليه بأنه إنما يجري غضبا من الطبيب الذي لم يشخص مرضه على الوجه الصحيح من أول يوم، وأخرى اتهمته بأن طاغية ويسيء معاملة أخاه، وغيرها من الاتهامات التي يسيل لها لعاب الباحثين عن فضيحة والشاكين في كل من حولهم.
      أول داعم لتيري ومساند له كان رجلا خسر ابنه لمرض السرطان. هذا الرجل ساعد تيري بشكل كبير، وساهم كذلك على تخليد اسمه بإجراء الماراثون كل عام بعد رحيله.
      لم يكن تيري أول من أراد الجري من شرق كندا إلى غربها، لكن هذا لم يمنعه من فعلها.
      هل كان تيري فوكس يتوقع أن جريه صباحا ومساء سيجمع كل هذه الملايين؟ لا، لكن هذا لم يمنعه من أن يبدأ ويحاول ويجرب.
      إذا كان الجميل في هذه القصة الروح المثابرة لتيري، فالأجمل منها مساندة المجتمع له. كونك تعيش في مجتمع لا يشجع، ليس مبررا لأن تفعل مثله ولا تشجع أي مبادرة إيجابية صغيرة تمر أمام عينيك. حين تشجع المبادرات الايجابية، فأنت فعليا تساعدها على أن تنمو وتزدهر وتتكاثر حتى تغير المجتمع من كئيب إلى مشجع واعد.
      وهنا حيث يأتي دور السؤال، ما الذي خرجت به من هذه القصة؟