تنظيم سوق العمل .. واقع وتحديات - omandaily

    • تنظيم سوق العمل .. واقع وتحديات - omandaily

      القاضي الدكتور مصطفى السيد علي بلاسي -
      رئيس محكمة – خبير قانوني -
      في مواطن ومواضع عدة خلت سبق التنويه على وجه العموم إلى أن المسؤولية كممارسة منتجة على أرض الواقع شيء، والحديث عنها- نظريا – شيء آخر، وشتان بينهما إذ الايجابية في الأولى واضحة جلية لا سيما وهي تتسربل في إطار التخصص بعكس ادعاء العلم ببواطن الأمور تجوفا وفراغا، ورحم الله القائل «ما زال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل»، كما سبقت الإشارة على وجه الخصوص إلى أن بيئة العمل في القطاع الخاص من البيئات ذات الخصوصية الواجب مراعاتها لتعلقها بطرفي الإنتاج الرئيسين العمال وأصحاب العمل، وكلما كانت العلاقة البينية بينهما متزنة كلما كان استقرار تلك البيئة وفاعليتها، ولما كان العامل هو حجر الأساس وزاويته في تلك المنظومة فقد أولاه المشرع أولوية في الرعاية والعناية مع مراعاة المصلحة العامة للبلاد وذلك في إطار ضمان كفالة حقوقه من ناحية واضطراد نسق العلاقات التعاقدية نحو الإنتاج والرقي والتقدم من ناحية أخرى . وفي هذا المجال وفي إطار اضطلاع وزارة القوى العاملة بالسهر على تنفيذ التشريعات العمالية فقد أولت جل اهتمامها لجعل بيئة العمل مناسبة لما يتطلع إليه المجتمع من طموحات تستوجب مسارعة الزمن لتحقيقها، وانطلاقا من الشفافية وتبيانا للحقائق كان المؤتمر الصحفي الذي عقده معالي وزير القوى العاملة يوم الاثنين 17 فبراير 2014 بشأن جهود الوزارة في مجال تنظيم سوق العمل سواء من حيث تعزيز وجود القوى العاملة العمانية* في القطاع الخاص أو ترشيد استقدام القوى العاملة غير العمانية* والخطوات التي اتبعت حتى الآن في هذا الإطار،* ومراقبة تطبيق أحكام قانون العمل والقرارات الوزارية المنفذة له ، عارضا لتركيبة سوق العمل الحالية وسلبيات وآثار هذه التركيبة، ومشيرا إلى التحديات التي تواجه الوزارة في معالجة الوضع القائم* وصولا إلى التطرق إلى خطط المعالجة التي اتخذتها خلال الفترة الماضية أو تلك التي تعتزم اتخاذها خلال المرحلة القادمة وإذا كان الراسخ وفي ظل القناعة بأن القوى العاملة العمانية هي الأولى بالعمل على طول الخط وذلك تطبيقا للمنطق السوي إذ كل بلد أولى بأن يعمل رعاياها فيها ؛ جامعين بين حق وواجب العمل على كل* قادر،* وللعديد من مواد قانون العمل35 لسنة 2003م* الملزمة وعلى رأسها م 11منه «على صاحب العمل أن يستخدم العمال العمانيين على أوسع نطاق ممكن …» هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإذا كان -* من المستقر عليه أيضا – الإقرار الكامل بأن الاستعانة بالقوى العاملة غير العمانية يمثل ضرورة أيا كان مسببها (عدم توافر الخبرة – عدم الرغبة في نوعية العمل – عدم وجود العدد الكافي …)، والضرورة تقدر بقدرها ولا يجوز التوسع فيها … وإذا كان كل ما سبق قد أضحى من البديهيات والمسلمات فإنه ليس بجديد أو مستغرب* أن يكون* هناك توجه من قبل حكومة السلطنة للحد من نسبة الوافدين العاملين في القطاع الخاص والتي بلغت ما يقارب 39% كي لا تتجاوز ما نسبته 33% من إجمالي عدد الأيدي العاملة والتي بلغت مليوناً و776 ألفًا و583 عاملا وعاملة، وفق الإحصائيات المنشورة في هذا الصدد .وذلك وفق البيانات الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، والمؤكدة أيضا أن عدد سكان السلطنة بلغ (3) ملايين و(876) ألف نسمة في عام 2013م وأن نسبة الوافدين بلغت ( 44 ) بالمائة من مجمل عدد السكان علماً بأن هذه النسبة بلغت (27.7) بالمائة عام 2003م و (34.9) بالمائة عام 2010م .
      ومن هنا وفي ظل ما تشهده السلطنة من تغيرات ديموغرافية قد تكون أقل حدة من مثيلاتها من الدول الخليجية كانت الجهود المشتركة بين أطراف الإنتاج الثلاثة الحكومة والعمال،ممثلين في الاتحاد العام لعمال السلطنة، وأصحاب العمل، ممثلين في غرفة تجارة وصناعة عُمان، في ضبط وتنظيم وتيرة سوق العمل وذلك من خلال التركيز على معطيات غاية في الأهمية على رأسها تحديث التشريعات المتعلقة ببيئة العمل وسوقه والسعي نحو جعلها متماشية مع عصرها وزمانها ، ومعالجة منظمة لكافة جوانب بيئة العمل وأدق تفاصيلها وربطها بأحدث المستجدات في هذا المجال حتى يكون دورانها في فلك التقدم العالمي متناسقا مع نهضة البلاد وملبيا لتطلعات الأفراد وخاصة في مجال توفير فرص التشغيل للعمانيين بهدف تعزيز مشاركتهم في التنمية وتلبية احتياجات القطاع الخاص من القوى العاملة، ولعل خير برهان على ذلك ما ثبت من تحقيق زيادة صافية في أعداد* فرص التشغيل للقوى العاملة العمانية بالقطاع الخاص خلال عام 2013م حيث بلغ عدد المعينين (57) ألفا و(980) عمانيا – ذكورا وإناثا – والمستقيلين والمنتهية خدماتهم (43) ألفا، (921) عمانيا وبلغت الزيادة الصافية (14) ألفاً و(59) عمانيا.* وهو ما يثري وينظم علاقات العمل بين أطراف الإنتاج، وذلك بجانب الاهتمام* المتزايد والعمل على إحداث نقلة نوعية في مجالات التعليم التقني والتدريب المهني لإعداد الشباب علميًا وتقنيًا ومهنيًا وفقًا للاحتياجات الفعلية للقطاع الخاص للقوى العاملة بمختلف تخصصاتها ومستوياتها حتى تكون المخرجات التعليمية ملبية لاحتياجات سوق العمل، وذلك بغرض رئيسي يتمثل في السعي نحو تنمية وتعزيز الدور الهام للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في مجالات التشغيل والتنمية وتوفير فرص العمل للقوى العاملة الوطنية، وبالجملة فالجهود حثيثة في مجال تعزيز تواجد القوى العاملة العمانية في القطاع الخاص، وكذا في مجال ترشيد استقدام القوى العاملة غير العمانية، وفي مراقبة تطبيق أحكام قانون العمل والقرارات الوزارية المنفذة له. وهو ما أثمر عن نتائج ملموسة من أهمها رفع الحد الأدنى للأجور (325) ريالا عمانيا في الشهر، وتعديل نظام التقاعد بهيئة التأمينات الاجتماعية، وتوحيد الإجازات الرسمية وأيام الراحة الأسبوعية، وإقرار علاوة دورية سنوية لا تقل عن (3) بالمائة، والاستمرار في عرض فرص العمل على الباحثين عن العمل من خلال مراكز التشغيل لعرض الوظائف الشاغرة في المنشآت، والتوسع في عرض فرص التدريب المقترن بالتشغيل بما يضمنه من تحقق مزايا عديدة لأصحاب الأعمال والعمال على حد سواء،* وبرنامج التدريب على رأس العمل، وإقرار العمل الجزئي بالقطاع الخاص، واحتساب صاحب العمل ضمن نسب التعمين بالقطاع الخاص، وتوفير نظام التقاعد لأصحاب المهن والحرف، ومراجعة وتحديث بيانات بنك فرص العمل. والسعي نحو استكمال الربط الالكتروني مع الجهات الحكومية المختصة ذات العلاقة بتنظيم سوق العمل، والتحول إلى نظام ترخيص باستقدام القوى العاملة الوافدة الكترونياً. وعلى الرغم من تضافر الجهود في هذا المجال فإن هناك من التحديات الكثير والكثير والتي تتطلب بذل المزيد من الجهد للتغلب عليها، لما لها من تأثير ملحوظ* في بيئة العمل بشكل غير إيجابي على التشغيل والتعمين وبالأخص في مجال توزيع وتنظيم القوى العاملة في سوق العمل بالقطاع الخاص، ومن أمثلة تلك التحديات انتشار* التجارة المستترة، وتعدد السجلات التجارية وأثر الأخيرة على الأولى، وإدارة القوى العاملة غير العمانية* لتلك المنشآت من الباطن وذلك بخلاف المخالفات العمالية. وهو ما حدا بمعالي وزير القوى العاملة إلى اتخاذ إجراءات بالإيقاف المؤقت لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد لاستقدام القوى العاملة غير العمانية في بعض الأنشطة* كالإنشاءات وعمال النظافة، ومهنة مربي الإبل ومصانع الطابوق اليدوية ومندوب المبيعات ومندوب المشتريات وورش النجارة والحدادة والألمنيوم حيث يعتبر هذا الإيقاف للدرجات من الرابعة إلى الأولى وتستثنى المشاريع الحكومية وبدل المغادر. وفي هذا الصدد فقد بين معاليه أن إجراءات الوزارة في هذه المرحلة لا تستهدف أصحاب السجلات الصغيرة والمتوسطة ذات الأعداد المحددة من القوى العاملة غير العمانية،وإنما تنظيم سوق العمل والحد من ممارسات أصحاب السجلات المتعددة الذين لا يعملون في منشآتهم و لا يقومون بتعيين عُمانيين لإدارتها أو للعمل فيها مما أضحت معه تلك السجلات والمنشآت وفقاً لوضعها الحالي أرضاً خصبة للتجارة المستترة مما يتطلب بذل المزيد من الجهد من قبل كافة المعنيين لمواجهة ذلك التحدي السافر والذي يطال كافة من له علاقة بسوق العمل بل يمتد ليؤثر على مقدرات أمور الغير بتأثيره على التشغيل وتوفير فرص العمل الحر وكذلك فرص العمل بأجر للقوى العاملة، وفي هذا الصدد أكد معاليه أنه تم تشكيل فريق عمل من وزارة القوى العاملة ووزارة التجارة والصناعة وسيقوم بوضع الإجراءات اللازمة لمعالجة تعدد السجلات وبيعها ونقل القوى العاملة بهدف تحقيق أعلى مستوى من إفادة الباحثين عن عمل والعمال الحاليين . حيث تسعى الوزارة إلى الحد من أعداد القوى العاملة غير العمانية في البلاد وفي الوقت ذاته فإنها تبذل جهودا أكبر فيما يتعلق بتوظيف القوى العاملة العمانية في مختلف مؤسسات ومنشآت القطاع الخاص.* ولم تكتف الوزارة بذلك بل وضعت حلولا أخرى عديدة لمواجهة تلك التحديات وذلك بجانب الاشتراطات التي يتعين توفيرها عند استقدام أو تجديد بطاقات القوى العاملة غير العمانية الموجودة على رأس عملهم، وكذا الحظر لمدة عام كامل للشركات المشغلة لقوى عاملة مخالفة والحظر على المنشآت التي لديها بطاقات عمل منتهية وغير مستكملة الإجراءات وذلك على سند من القانون ركين وهو المادة 10 مكرر من قانون العمل والتي تنص على «يصدر الوزير قرارا بتحديد الإجراءات والضوابط التي يتم التعامل بموجبها مع منشآت القطاع الخاص المخالفة لأحكام قانون العمل والقرارات المنظمة له.