عطر : حين تُجسد الرواية | جريدة عمانالاربعاء, 3 جمادى الأول 1435هـ. 05 مارس 2014م
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
رندة صادق -
الرواية عمل إبداعي ينقل لنا ما جادت به مخيلة الآخرين من إبداع فكري، وخلاصة التجارب الإنسانية والحياتية، هي تحملنا إلى عوالمها وجغرافيتها وتُسكننا مبانيها وشوارعها بل حتى أننا نشمُّ عطر أبطالها ونتفاعل معهم كأنهم أشخاص يعيشون بيننا* فالقارئ المتذوق للعمل الإبداعي لا يقف خارج النص بل هو يدخل في أعماقه ويرصد كل انفعالات أبطاله. كلما قرأت رواية تجذبني تماهيت مع أبطالها وراحت مخيلتي تشيد ديكوراتها وتتبع وصف الكاتب لتشكل المشهد فأنا لم أعد القارئ بل صرت ابنة الرواية أقف بين الأبطال أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم أنتفض غاضبة مع انفعالاتهم، وهذه الدموع لا تتردد في أن تنسكب لو مسهم ألم أو إحباط أو سكنهم* الشجن.
كثيرا ما تعلمت من الروايات مفاهيمي وأخذت مني مساحات في قلبي ووجداني وثقافتي بل لا أنكر أنها غيرتني بل منها من أستطاع أن يحقق انقلابات مصيرية في عقلي جعلتني أعدل من اختياراتي. هذه التجربة الإنسانية تمنحني فرصة* ولوجها بكل سهولة مشبعة بعطر الورق ونكهة الحبر، غريبة هذه الحالة فأنا والمشاهد الصورية التي تتشكل من قراءتي وترجمتي لما تحدثه الرواية من انفعالات بداخلي نصنع عالماً غريباً أدير ألوانه وانطباعاته.
طبعا أدرك بما لا شك فيه أن كل قارئ يحب القراءة يملك نفس قدرتي على تجسيد الحروف بصور تدور في دماغه، وتتكون في عالمه، وهنا يكمن سرالروعة التي تمنحها القراءة التي تحولك من قارئ لجمل الى مخرج للمشهد، وبطل يلعب كل الأدوار الواردة في النص انها متعة لا تضاهيها متعة. من ناحية أخرى كثيراً ما قرأت رواية ثم عدت ورأيتها مجسدة على الشاشة فالعمل الإبداعي يصبح مغرياً للمبدعين في مجال السينما أو التلفزيون أو حتى المسرح.
كتابة رواية تحتاج الى عناصر ثلاثة: فكر ورقة وقلم أما تحويلها إلى عمل سينمائي مثلا فيحتاج عناصر وحلقة عمل وتكاليف لا تحصى ولكن رغم البذخ في الإنتاج فان رؤيتك لرواية سبق لك أن قرأتها مجسدة على الشاشة يفقد النص من روحانيتك، ومن مخيلتك، فالنص أجمل بكثير مما تراه، وأعمق مما حاول المخرج أن يظهره أو يركزه..
اذا درجة الإبداع اضمحلت، ولم يحقق المخرج غايته لم أعرف أي قارئ لرواية تم تحويلها إلى فيلم وسألته أيهما أجمل؟ إلا قال الرواية كما كتبها الكاتب وليس كما أخرجها المخرج. اذا ما الذي تفقده الرواية المجسدة؟ ولماذا نشعر أن الفيلم لم يبلغ درجات أحاسيسنا ولم يتمكن من خرق عوالمنا الغامضة، ولم يحرك مخزوننا العاطفي.
حين قرأت رواية عمارة يعقوبيان الرواية الشهيرة لدكتور علاء الأسواني على سبيل المثال عشت تجارب أبطالها بل سمعتهم يتكلمون ورأيتهم يتحركون رقصت معهم وعشت تقلباتهم، حين شاهدت الفيلم الذي قام ببطولته القدير عادل إمام شعرت أن الفيلم دمر النصّ، وسرق منه جاذبيته وقتل دهشته وأني فقدت نفسي، ولم أعرفها وأنا اتجول في مشاهده حتى الحوار كان تمتمة، ولم يكن زلزالا. النص البكر تعرض لانتهاكه تسمى رؤية المخرج لم يعد كتاباً مولوداً بحرية التوهج الفكري والفضاءات الواسعة بل بات* مختزلاً، ومضغوطاً ليحافظ على الوقت المخصص للعرض وللتكلفة ولكل الأمور الإنتاجية المادية التي تقييد الإبداع وتضعه في قالب مادي. أدرك كما يدرك الملايين ما الذي يخسره النص على الشاشة يخسر القارئ ومخيلته وقدرته على الخلق والإبداع في ترجمة الكلمة الى صورة لها أبعادها الحسية والجمالية التي لا تتكرر فهي فريدة حد الإبهار.
مارس 5, 2014
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
رندة صادق -
الرواية عمل إبداعي ينقل لنا ما جادت به مخيلة الآخرين من إبداع فكري، وخلاصة التجارب الإنسانية والحياتية، هي تحملنا إلى عوالمها وجغرافيتها وتُسكننا مبانيها وشوارعها بل حتى أننا نشمُّ عطر أبطالها ونتفاعل معهم كأنهم أشخاص يعيشون بيننا* فالقارئ المتذوق للعمل الإبداعي لا يقف خارج النص بل هو يدخل في أعماقه ويرصد كل انفعالات أبطاله. كلما قرأت رواية تجذبني تماهيت مع أبطالها وراحت مخيلتي تشيد ديكوراتها وتتبع وصف الكاتب لتشكل المشهد فأنا لم أعد القارئ بل صرت ابنة الرواية أقف بين الأبطال أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم أنتفض غاضبة مع انفعالاتهم، وهذه الدموع لا تتردد في أن تنسكب لو مسهم ألم أو إحباط أو سكنهم* الشجن.
كثيرا ما تعلمت من الروايات مفاهيمي وأخذت مني مساحات في قلبي ووجداني وثقافتي بل لا أنكر أنها غيرتني بل منها من أستطاع أن يحقق انقلابات مصيرية في عقلي جعلتني أعدل من اختياراتي. هذه التجربة الإنسانية تمنحني فرصة* ولوجها بكل سهولة مشبعة بعطر الورق ونكهة الحبر، غريبة هذه الحالة فأنا والمشاهد الصورية التي تتشكل من قراءتي وترجمتي لما تحدثه الرواية من انفعالات بداخلي نصنع عالماً غريباً أدير ألوانه وانطباعاته.
طبعا أدرك بما لا شك فيه أن كل قارئ يحب القراءة يملك نفس قدرتي على تجسيد الحروف بصور تدور في دماغه، وتتكون في عالمه، وهنا يكمن سرالروعة التي تمنحها القراءة التي تحولك من قارئ لجمل الى مخرج للمشهد، وبطل يلعب كل الأدوار الواردة في النص انها متعة لا تضاهيها متعة. من ناحية أخرى كثيراً ما قرأت رواية ثم عدت ورأيتها مجسدة على الشاشة فالعمل الإبداعي يصبح مغرياً للمبدعين في مجال السينما أو التلفزيون أو حتى المسرح.
كتابة رواية تحتاج الى عناصر ثلاثة: فكر ورقة وقلم أما تحويلها إلى عمل سينمائي مثلا فيحتاج عناصر وحلقة عمل وتكاليف لا تحصى ولكن رغم البذخ في الإنتاج فان رؤيتك لرواية سبق لك أن قرأتها مجسدة على الشاشة يفقد النص من روحانيتك، ومن مخيلتك، فالنص أجمل بكثير مما تراه، وأعمق مما حاول المخرج أن يظهره أو يركزه..
اذا درجة الإبداع اضمحلت، ولم يحقق المخرج غايته لم أعرف أي قارئ لرواية تم تحويلها إلى فيلم وسألته أيهما أجمل؟ إلا قال الرواية كما كتبها الكاتب وليس كما أخرجها المخرج. اذا ما الذي تفقده الرواية المجسدة؟ ولماذا نشعر أن الفيلم لم يبلغ درجات أحاسيسنا ولم يتمكن من خرق عوالمنا الغامضة، ولم يحرك مخزوننا العاطفي.
حين قرأت رواية عمارة يعقوبيان الرواية الشهيرة لدكتور علاء الأسواني على سبيل المثال عشت تجارب أبطالها بل سمعتهم يتكلمون ورأيتهم يتحركون رقصت معهم وعشت تقلباتهم، حين شاهدت الفيلم الذي قام ببطولته القدير عادل إمام شعرت أن الفيلم دمر النصّ، وسرق منه جاذبيته وقتل دهشته وأني فقدت نفسي، ولم أعرفها وأنا اتجول في مشاهده حتى الحوار كان تمتمة، ولم يكن زلزالا. النص البكر تعرض لانتهاكه تسمى رؤية المخرج لم يعد كتاباً مولوداً بحرية التوهج الفكري والفضاءات الواسعة بل بات* مختزلاً، ومضغوطاً ليحافظ على الوقت المخصص للعرض وللتكلفة ولكل الأمور الإنتاجية المادية التي تقييد الإبداع وتضعه في قالب مادي. أدرك كما يدرك الملايين ما الذي يخسره النص على الشاشة يخسر القارئ ومخيلته وقدرته على الخلق والإبداع في ترجمة الكلمة الى صورة لها أبعادها الحسية والجمالية التي لا تتكرر فهي فريدة حد الإبهار.
مارس 5, 2014