لم نخرج بعد .. عن تحقيق فرديتنا | جريدة عمانالاحد, 7 جمادى الأول 1435هـ. 09 مارس 2014م
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
أحمد بن سالم الفلاحي -
تعول الشعوب والمجتمعات اليوم اكثر من أي وقت مضى، على النخب السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وقادة الرأي، ومؤسسات المجتمع المدني، تعول عليها كثيرا من الخروج من كثير من المآزق الإنسانية التي تئن من وطأتها.
جبلت الفطرة الإنسانية على السعي دوما نحو الارتقاء، والبحث عن صيغة جديدة للحياة، والذهاب بعيدا نحو تحقيق الأحلام، ولولا هذا اللهاث المستمر نحو كل هذه المساعي لما ارتقت حياة الإنسان المادية من الحالة البدائية الأولى إلى ما وصلت إليه الإنسانية اليوم من تحقيق، ربما، ما كانت تحلم به من قبل، ولا تزال القافلة تسير إلى مستوى لا يخطر على بال احد اليوم، وهذا قمة النمو الإنساني الذي تشجعه حاجته نحو السعي المستمر لتحقيق لما هو افضل، فـ«الحاجة أم الاختراع» كما يقال دائما، إلا أن هذا المسعى، وهو المحمود فعله، كما يفترض، كثيرا ما يكون وبالا على الإنسانية، أو تجاوزا لاستحقاقاتها المختلفة، ذلك أن حالة النقص التي ترافق الإنسان، في فكره، وتقديره، وتفكيره، ورؤيته، وفي نظرته، وفي قصور وعيه، هي التي تحجم من الفعل المحمود في حقيقة هذا المسعى، ومن هنا تأتي صرخات الظلم، ونداءات الاستغاثة، وتجيش القوى الضعيفة للمطالبة بحقوقها، خاصة عندما تصل الحالة إلى مستوى من الظلم، أو تتسيد فئة صغيرة على المشهد العام لامتداد كبير من الإنسانية، سواء ذلك على مستوى الدول، أو على مستوى العالم كله، هنا ينتصر الضعيف للضعيف، وتتكاتف مختلف القوى الضعيفة لتصنع واقعا مغايرا لعل له أن يعيد الأشياء إلى توازناتها المفترضة، وتعيش الإنسانية في سلام، وإن كان ذلك يكلفها الكثير من التضحيات، والكثير من العناء، والكثير من الخسائر، ولكن كما يقال دائما: «الخير في بطن الشر».
إن من يقرأ الواقع الإنساني منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، وحتى اليوم مع بداية القرن الحادي والعشرين – كمرحلة إنسانية تنويرية، كما يفترض – لا يخرج من قراءته إلا أن الإنسانية تتجه نحو الاطمئنان، والاستقرار، والسلام المحقق للرغبات، والطموحات، وإن تحقق ذلك فعلى مستوى أقليات صغيرة، أو دول بعينها، فإن ذلك لا يعطي الصورة المبشرة بأن الإنسانية استفادت كثيرا من تجربة الحياة الممتدة منذ آلاف السنين، وكأن هذه البشرية تحمل عوامل حتفها في كف، ودواعي بقائها في الكف الأخرى، وعندما تلم الكفين على بعضهما تتداخل قيم الشر، وقيم الخير، فلا تدري أي كف راجحة انعكاسا لحالة التماهي التي تحدث، وهذه إشكالية كبيرة لم تستطع الإنسانية أن تتخذ فيها موقفا معينا حتى هذه اللحظة، وحتى إن أجمعت على موقف يخرج الصورة الهلامية من مخبئها إلا أن هناك صورا فردية تظل نقطا سوداء تشوه الصورة العامة التي قد تتفق عليها الإنسانية للخروج من محنتها.
منذ فترة كنت اقرأ عن تاريخ الشعب الأفغاني، وهو شعب عريق، عايش، ولا يزال، منذ فترة ما قبل الميلاد، حالات من الحرب لا تتوقف، وإن توقفت فترة، لا تلبث أن تعود بحكم الموقع الجغرافي لأفغانستان الذي يربط بين القارات الثلاث، والذي بدوره يشكل ممرات استراتيجية مهمة للقوى المتنافسة على حكم العالم بأكمله، ومما قرأته عن هذا الشعب المحارب العنيد، انه ليس هناك من جيش عالمي احتشد ضده وانتصر عليه نصرا نهائيا، وإنما هناك مراوحة بين النصر والهزيمة، والمحصلة النهائية أن هذا الشعب ظل محتفظا بجغرافيته، وبديمغرافيته، وبقيمه، وبجيناته المحددة لشكله، وفسيولوجيته، وسيكولوجيته، وغيرها من الارتباطات العضوية التي تحافظ على ما هو عليه منذ ذلك العهد البعيد الذي ولى، وإلى ذلك العهد البعيد الذي سوف يأتي، ومما قرأته عنه أيضا أن هذا الشعب يوجد له عدو مفترض من بني جلدته إذا تأخر عليه العدو الآخر الآتي إليه من خارج محيطه الجغرافي، المهم أن لا يبقى بدون شد وجذب، وبدون حرب وسلام وحرب، في صورة من المراوحة ربما قد لا تشهدها في شعوب أخرى تعيش على هذه الأرض، والذي أثار الفضول عندي اكثر أن هذا الشعب هو ذاته الذي تكاتف، وتكاتفت معه قوى شعوبية أخرى من العرب وغير العرب ممن حمس فيهم الإسلام التناصر والتآزر، على حرب التي صنفت على أنها حرب ضد الشيوعية، وانتصر فيها الطرف الأفغاني بعوامل عديدة، ليس هنا مجالها، يأتي هذا الشعب نفسه بعد الانسحاب السوفييتي العدو «المفترض» إلى التقاتل بين قواه الداخلية المختلفة، وبقيت القوى الشعوبية الأخرى غير المنتمية إلى الشعب الأفغاني انتماء وطنيا ضحية هذه المفارقة، وتشتت قناعاتها بين جبال أفغانستان، وحدود الدول الأخرى.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فحتى الشعوب التي تئن اليوم من احتلالات مختلفة في الشرق، أو في الغرب فغداة أول انسحاب للقوى المستعمرة لها، لن نعيش تفاؤلا كبيرا حتى نراها تتصادم مع بعضها البعض، وتقاتل بعضها البعض، في صورة من الهزيمة الإنسانية، وفي صورة من التراجع عن كل المكتسبات التي حققتها الإنسانية طوال عمرها الإنساني، حيث ستغلف كل الإنجازات البشرية المعنوية، وتوضع على الرفوف للتنظير، وليس للقياس عليها ومقارنة المتحقق بالواقع للمراجعة وسد الفجوات، وهذا الإقصاء الذي يمارسه الإنسان على ذاته، هو الذي جرده من إنسانيته في كثير من المواقف، وأعاده إلى حياة القرون الأولى عندما كان يبحث له عن موطئ قدم ليوجد لنفسه وسطا آمنا يعيش فيه، ولكن للأسف الشديد ظل كما هو، وقد استفاد فقط، من الأدوات المادية لتكريس هذا السلوك العدواني على نفسه، وحتى الحيوانات المفترسة التي كان يعيش معها صراع الضد للضد، آنسها وسخرها لخدمته، فها هي الأسود الضارية، والنمور القاسية، والسباع الضارية، تنام على محجريه، وتقبل رأسه، وتمسح حذاءه، مقرة بحالة من الاستسلام، والخضوع، أو مقرة بحالة من السلام التي آن للبشرية أن تعيشها، ولكن هيهات هيهات لهذا الإنسان أن يرضى بحالة الضعف هذه.
من يقرأ في المقابل المكتسب المعرفي الذي حققه الإنسان وأوجد له مؤسسات تنظمه كالمنظمات الدولية المتمثلة في مؤسسات، وهيئات الأمم المتحدة، والتي توظف آليات عملها وفق برامج مختلفة مخصصة لمكافحة الجهل، ومكافحة الفقر، ومكافحة الحروب، ومكافحة الظلم، وعلى كثرة المنتمين إليها، وكثرة القرارات والتوصيات التي تتوصل إليها، وكثرة المناصرين لبرامجها، والمضحين لتوجهاتها، وعلى كثرة ما يصرف عليها من مبالغ مادية، وما يسخر لها من طاقات بشرية، وما يهدر فيها من أوقات ثمينة، إلا أن كل ذلك يذهب في كثير من الأحيان أدراج الرياح، وكأن البشرية تبدأ للتو في تقصي حقائقها بعد، وليس لها أي رصيد إنساني تعتز به، ويوفر لها شيئا من الجهد ليعفيها من مشقة الانطلاقة من الخطوة الأولى، ويظل هذا الرصيد المعرفي الذي تحتضنه رفوف الأمم المتحدة، وحواسيبها الآلية، ومجموع الاجتماعات، والندوات، وما تتوصل إليه من توصيات، أو قرارات، يظل كل ذلك منجزا سالبا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وستظل قناعات الإنسان نفسه، وتقديره لما يراه هو فقط هو المنجز الحقيقي، لأن ذلك هو ما سوف يتحقق على الواقع، أما كل التنظيرات التي تحدث مجرد ملء فراغ زمني، وتسجيل مواقف فقط، ولم تستفد الإنسانية طوال عمرها الممتد من كل ذلك أي شيء يستحق أن يخلد كذاكرة تستحق الإشادة، وإذا كان التاريخ يسجل أول صراع بدأه قابيل وهابيل، فإن التاريخ نفسه يسجل اليوم آخر صراع بين الطرفين يمثل أحدهما قابيل، ويمثل ثانيهما قابيل، ولنا في قول الحق سبحانه وتعالى مبلغ الأثر، كما جاء في قوله تعالى في قصة النبي موسى عليه السلام: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ).
تعول الشعوب والمجتمعات اليوم اكثر من أي وقت مضى، على النخب السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وقادة الرأي، ومؤسسات المجتمع المدني، تعول عليها كثيرا من الخروج من كثير من المآزق الإنسانية التي تئن من وطأتها، وترى في كل هؤلاء بصيص أمل يرتجى منه الكثير، ويفترض وفق هذه الرؤية أن يقل الكثير من الصدامات التي تحدث بين مختلف الأطراف، ويقل كثيرا نزول الشعوب إلى الميادين للمطالبة بحقوقها، أو الدفاع عن امنها واستقرارها، ويفترض أيضا أن تقل مجموع المطالبات التي كان ينادى بها قبل فترة من الزمن، وأن تكون المطالبات اليوم بالجودة والتنوع بما يخدما الواقع الجديد، ولكن الملاحظ أن عناوين المطالبات قبل نيف من الزمان هي ذاتها، وأن الصدامات البشرية مستمرة، وأن النزول إلى الميادين لا يزال الخيار الأسرع، وأن مجموع هذه النخب التي من المفترض أن يعوّل عليها الكثير مجرد خرافة لا أثر لها على الواقع، إلا بما يحقق لها مصالحها الذاتية، وأن مجموع التنظيرات التي تسمع هنا وهناك، عبر مكبرات الصوت ما هي إلا فقاعات من الصابون لن تعلو اكثر من المسافة التي تحقق لصاحبها مكسبا وجاهيا معينا فقط، ولذا على الفقراء، والمغلوبين، والمظلومين، والمقهورين، أن يعيشوا في الظل كما كان حالهم دائما، لأن الذات الإنسانية لم ترتق فكرا، ورؤية، بقدر ما ارتقت ممارسة حافظت على مكتسبات ضيقة تقاس بقدر ما يحقق للفرد فرديته.
مارس 9, 2014
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
أحمد بن سالم الفلاحي -
تعول الشعوب والمجتمعات اليوم اكثر من أي وقت مضى، على النخب السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وقادة الرأي، ومؤسسات المجتمع المدني، تعول عليها كثيرا من الخروج من كثير من المآزق الإنسانية التي تئن من وطأتها.
جبلت الفطرة الإنسانية على السعي دوما نحو الارتقاء، والبحث عن صيغة جديدة للحياة، والذهاب بعيدا نحو تحقيق الأحلام، ولولا هذا اللهاث المستمر نحو كل هذه المساعي لما ارتقت حياة الإنسان المادية من الحالة البدائية الأولى إلى ما وصلت إليه الإنسانية اليوم من تحقيق، ربما، ما كانت تحلم به من قبل، ولا تزال القافلة تسير إلى مستوى لا يخطر على بال احد اليوم، وهذا قمة النمو الإنساني الذي تشجعه حاجته نحو السعي المستمر لتحقيق لما هو افضل، فـ«الحاجة أم الاختراع» كما يقال دائما، إلا أن هذا المسعى، وهو المحمود فعله، كما يفترض، كثيرا ما يكون وبالا على الإنسانية، أو تجاوزا لاستحقاقاتها المختلفة، ذلك أن حالة النقص التي ترافق الإنسان، في فكره، وتقديره، وتفكيره، ورؤيته، وفي نظرته، وفي قصور وعيه، هي التي تحجم من الفعل المحمود في حقيقة هذا المسعى، ومن هنا تأتي صرخات الظلم، ونداءات الاستغاثة، وتجيش القوى الضعيفة للمطالبة بحقوقها، خاصة عندما تصل الحالة إلى مستوى من الظلم، أو تتسيد فئة صغيرة على المشهد العام لامتداد كبير من الإنسانية، سواء ذلك على مستوى الدول، أو على مستوى العالم كله، هنا ينتصر الضعيف للضعيف، وتتكاتف مختلف القوى الضعيفة لتصنع واقعا مغايرا لعل له أن يعيد الأشياء إلى توازناتها المفترضة، وتعيش الإنسانية في سلام، وإن كان ذلك يكلفها الكثير من التضحيات، والكثير من العناء، والكثير من الخسائر، ولكن كما يقال دائما: «الخير في بطن الشر».
إن من يقرأ الواقع الإنساني منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، وحتى اليوم مع بداية القرن الحادي والعشرين – كمرحلة إنسانية تنويرية، كما يفترض – لا يخرج من قراءته إلا أن الإنسانية تتجه نحو الاطمئنان، والاستقرار، والسلام المحقق للرغبات، والطموحات، وإن تحقق ذلك فعلى مستوى أقليات صغيرة، أو دول بعينها، فإن ذلك لا يعطي الصورة المبشرة بأن الإنسانية استفادت كثيرا من تجربة الحياة الممتدة منذ آلاف السنين، وكأن هذه البشرية تحمل عوامل حتفها في كف، ودواعي بقائها في الكف الأخرى، وعندما تلم الكفين على بعضهما تتداخل قيم الشر، وقيم الخير، فلا تدري أي كف راجحة انعكاسا لحالة التماهي التي تحدث، وهذه إشكالية كبيرة لم تستطع الإنسانية أن تتخذ فيها موقفا معينا حتى هذه اللحظة، وحتى إن أجمعت على موقف يخرج الصورة الهلامية من مخبئها إلا أن هناك صورا فردية تظل نقطا سوداء تشوه الصورة العامة التي قد تتفق عليها الإنسانية للخروج من محنتها.
منذ فترة كنت اقرأ عن تاريخ الشعب الأفغاني، وهو شعب عريق، عايش، ولا يزال، منذ فترة ما قبل الميلاد، حالات من الحرب لا تتوقف، وإن توقفت فترة، لا تلبث أن تعود بحكم الموقع الجغرافي لأفغانستان الذي يربط بين القارات الثلاث، والذي بدوره يشكل ممرات استراتيجية مهمة للقوى المتنافسة على حكم العالم بأكمله، ومما قرأته عن هذا الشعب المحارب العنيد، انه ليس هناك من جيش عالمي احتشد ضده وانتصر عليه نصرا نهائيا، وإنما هناك مراوحة بين النصر والهزيمة، والمحصلة النهائية أن هذا الشعب ظل محتفظا بجغرافيته، وبديمغرافيته، وبقيمه، وبجيناته المحددة لشكله، وفسيولوجيته، وسيكولوجيته، وغيرها من الارتباطات العضوية التي تحافظ على ما هو عليه منذ ذلك العهد البعيد الذي ولى، وإلى ذلك العهد البعيد الذي سوف يأتي، ومما قرأته عنه أيضا أن هذا الشعب يوجد له عدو مفترض من بني جلدته إذا تأخر عليه العدو الآخر الآتي إليه من خارج محيطه الجغرافي، المهم أن لا يبقى بدون شد وجذب، وبدون حرب وسلام وحرب، في صورة من المراوحة ربما قد لا تشهدها في شعوب أخرى تعيش على هذه الأرض، والذي أثار الفضول عندي اكثر أن هذا الشعب هو ذاته الذي تكاتف، وتكاتفت معه قوى شعوبية أخرى من العرب وغير العرب ممن حمس فيهم الإسلام التناصر والتآزر، على حرب التي صنفت على أنها حرب ضد الشيوعية، وانتصر فيها الطرف الأفغاني بعوامل عديدة، ليس هنا مجالها، يأتي هذا الشعب نفسه بعد الانسحاب السوفييتي العدو «المفترض» إلى التقاتل بين قواه الداخلية المختلفة، وبقيت القوى الشعوبية الأخرى غير المنتمية إلى الشعب الأفغاني انتماء وطنيا ضحية هذه المفارقة، وتشتت قناعاتها بين جبال أفغانستان، وحدود الدول الأخرى.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فحتى الشعوب التي تئن اليوم من احتلالات مختلفة في الشرق، أو في الغرب فغداة أول انسحاب للقوى المستعمرة لها، لن نعيش تفاؤلا كبيرا حتى نراها تتصادم مع بعضها البعض، وتقاتل بعضها البعض، في صورة من الهزيمة الإنسانية، وفي صورة من التراجع عن كل المكتسبات التي حققتها الإنسانية طوال عمرها الإنساني، حيث ستغلف كل الإنجازات البشرية المعنوية، وتوضع على الرفوف للتنظير، وليس للقياس عليها ومقارنة المتحقق بالواقع للمراجعة وسد الفجوات، وهذا الإقصاء الذي يمارسه الإنسان على ذاته، هو الذي جرده من إنسانيته في كثير من المواقف، وأعاده إلى حياة القرون الأولى عندما كان يبحث له عن موطئ قدم ليوجد لنفسه وسطا آمنا يعيش فيه، ولكن للأسف الشديد ظل كما هو، وقد استفاد فقط، من الأدوات المادية لتكريس هذا السلوك العدواني على نفسه، وحتى الحيوانات المفترسة التي كان يعيش معها صراع الضد للضد، آنسها وسخرها لخدمته، فها هي الأسود الضارية، والنمور القاسية، والسباع الضارية، تنام على محجريه، وتقبل رأسه، وتمسح حذاءه، مقرة بحالة من الاستسلام، والخضوع، أو مقرة بحالة من السلام التي آن للبشرية أن تعيشها، ولكن هيهات هيهات لهذا الإنسان أن يرضى بحالة الضعف هذه.
من يقرأ في المقابل المكتسب المعرفي الذي حققه الإنسان وأوجد له مؤسسات تنظمه كالمنظمات الدولية المتمثلة في مؤسسات، وهيئات الأمم المتحدة، والتي توظف آليات عملها وفق برامج مختلفة مخصصة لمكافحة الجهل، ومكافحة الفقر، ومكافحة الحروب، ومكافحة الظلم، وعلى كثرة المنتمين إليها، وكثرة القرارات والتوصيات التي تتوصل إليها، وكثرة المناصرين لبرامجها، والمضحين لتوجهاتها، وعلى كثرة ما يصرف عليها من مبالغ مادية، وما يسخر لها من طاقات بشرية، وما يهدر فيها من أوقات ثمينة، إلا أن كل ذلك يذهب في كثير من الأحيان أدراج الرياح، وكأن البشرية تبدأ للتو في تقصي حقائقها بعد، وليس لها أي رصيد إنساني تعتز به، ويوفر لها شيئا من الجهد ليعفيها من مشقة الانطلاقة من الخطوة الأولى، ويظل هذا الرصيد المعرفي الذي تحتضنه رفوف الأمم المتحدة، وحواسيبها الآلية، ومجموع الاجتماعات، والندوات، وما تتوصل إليه من توصيات، أو قرارات، يظل كل ذلك منجزا سالبا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وستظل قناعات الإنسان نفسه، وتقديره لما يراه هو فقط هو المنجز الحقيقي، لأن ذلك هو ما سوف يتحقق على الواقع، أما كل التنظيرات التي تحدث مجرد ملء فراغ زمني، وتسجيل مواقف فقط، ولم تستفد الإنسانية طوال عمرها الممتد من كل ذلك أي شيء يستحق أن يخلد كذاكرة تستحق الإشادة، وإذا كان التاريخ يسجل أول صراع بدأه قابيل وهابيل، فإن التاريخ نفسه يسجل اليوم آخر صراع بين الطرفين يمثل أحدهما قابيل، ويمثل ثانيهما قابيل، ولنا في قول الحق سبحانه وتعالى مبلغ الأثر، كما جاء في قوله تعالى في قصة النبي موسى عليه السلام: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ).
تعول الشعوب والمجتمعات اليوم اكثر من أي وقت مضى، على النخب السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وقادة الرأي، ومؤسسات المجتمع المدني، تعول عليها كثيرا من الخروج من كثير من المآزق الإنسانية التي تئن من وطأتها، وترى في كل هؤلاء بصيص أمل يرتجى منه الكثير، ويفترض وفق هذه الرؤية أن يقل الكثير من الصدامات التي تحدث بين مختلف الأطراف، ويقل كثيرا نزول الشعوب إلى الميادين للمطالبة بحقوقها، أو الدفاع عن امنها واستقرارها، ويفترض أيضا أن تقل مجموع المطالبات التي كان ينادى بها قبل فترة من الزمن، وأن تكون المطالبات اليوم بالجودة والتنوع بما يخدما الواقع الجديد، ولكن الملاحظ أن عناوين المطالبات قبل نيف من الزمان هي ذاتها، وأن الصدامات البشرية مستمرة، وأن النزول إلى الميادين لا يزال الخيار الأسرع، وأن مجموع هذه النخب التي من المفترض أن يعوّل عليها الكثير مجرد خرافة لا أثر لها على الواقع، إلا بما يحقق لها مصالحها الذاتية، وأن مجموع التنظيرات التي تسمع هنا وهناك، عبر مكبرات الصوت ما هي إلا فقاعات من الصابون لن تعلو اكثر من المسافة التي تحقق لصاحبها مكسبا وجاهيا معينا فقط، ولذا على الفقراء، والمغلوبين، والمظلومين، والمقهورين، أن يعيشوا في الظل كما كان حالهم دائما، لأن الذات الإنسانية لم ترتق فكرا، ورؤية، بقدر ما ارتقت ممارسة حافظت على مكتسبات ضيقة تقاس بقدر ما يحقق للفرد فرديته.
مارس 9, 2014