نجيب محفوظ رائد للرواية العربية - omandaily

    • نجيب محفوظ رائد للرواية العربية - omandaily

      نجيب محفوظ رائد للرواية العربية | جريدة عمانالاثنين, 8 جمادى الأول 1435هـ. 10 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      عبد الله بن علي العليان -
      يعتبر الروائي الشهير نجيب محفوظ من الروائيين الكبار على المستوى العالمي، من حيث الطرح الروائي لقضايا المجتمع وتحولاته الفكرية والسياسية، وقد كان جريئا في الكثير من القضايا السياسية والفكرية، لاسيما نقده للقمع وغياب الحريات، وتعتبر العديد من قصصه ناقدة للأوضاع السياسية، ومنها رواية( ثرثرة فوق النيل) التي تنقد النظام السياسي الناصري، وما جرى من سلبيات من بعض أركان النظام المصري،وما أدى إلى هزيمة 1967.
      في سلسلة سير وأعلام الصادرة حديثا عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كتاب ( نجيب محفوظ.. رائد الرواية العربية) للناقد العربي د.فيصل دراج باعتباره ناقدا كبيرا في الساحة العربية النقدية.. يقول دراج في مقدمة الكتاب: عرف الأدب العربي، منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى ثلاثينيات القرن العشرين، أعمالاً روائية، أو شبه روائية، متعددة. فاللبناني أحمد فارس الشدياق كتب (الساق على الساق)، ونشره في باريس عام 1855، وقدّم المصري محمد المويلحي عمله الرائد (حديث عيسى بن هشام) في مطلع القرن العشرين، وجاء بعد عقد من الزمن تقريباً، محمد حسين هيكل بروايته (زينب)، التي اعتبرها النقاد البداية الحقيقية للرواية العربية، إضافة إلى جهود متفرقة أخرى، أسهم فيها أدباء مشهورون مثل: جبران خليل جبران وطه حسين وعبد القادر المازني وغيرهم. غير أن هؤلاء جميعاً لم يتفرّغوا للكتابة الروائية بل مارسوها، بشكل متقطع، إلى جانب كتابات أخرى. على خلاف هؤلاء جميعاً اتخذ محفوظ من الكتابة الروائية مهنة، وأخلص لها إخلاصاً كاملاً، منذ أن كتب روايته التاريخية: (عبث الأقدار)، في عام 1939، إلى نهاية حياته.
      يتكشّف السبب الثاني، واضحاً، في قدرة محفوظ على الانتقال من شكل روائي إلى آخر. فبعد الرواية التاريخية، التي استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم، كتب الرواية الواقعية، التي سجّل فيها تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي، الممتد من ثورة 1919 إلى رحيل النظام الملكي عام 1952، وصولاً إلى ما دعي بـ(المرحلة الفلسفية)، أو الرواية الرمزية، التي رصدت تحوّلات مصر في الفترة الناصرية. غير أن إبداعه الأكبر تجلّى في تنويع مصادر الشكل الروائي، ذاهباً من الموروث الديني الذي أدرجه في روايته (أولاد حارتنا) -1959- إلى الملاحم الشعبية في عمله (الحرافيش) -1977، وهو الأكثر أهمية في أعماله جميعاً، وتوقفه أمام (ألف ليلة وليلة) والمأثور الصوفي وعلم النفس الحديث،…
      برهن محفوظ، في مساره الروائي الطويل، عن شغف بالتحديد، وعن مرونة الشكل الروائي، الذي يذيب داخله عناصر تنتمي إلى أجناس المعرفة المختلفة. ولهذا استطاع إظهار وظيفة الكتابة الروائية، كما آمن بها، وكشف من خلالها عن منظوره للعالم والتاريخ. فالرواية نقد للواقع المعيش ودعوة إلى استبداله بواقع آخر أكثر عدلاً وديمقراطية، وهي حوار مع التاريخ، القريب منه والبعيد، تصفه وتؤلهه وترفضه، فقد كان تاريخ المجتمعات الإنسانية، ولا يزال، بعيداً عن العدل المنشود. ولعل التفات محفوظ إلى العدل، وهو الوطني الليبرالي من البداية حتى النهاية، هو الذي جعل من السلطات السياسية المتواترة في مصر موضوعاً أساسياً لروايته، وجعل منه مؤرخاً من نوع خاص، يقرأ التاريخ في أحوال البشر وأقدارهم.
      إن السؤال الذي لا يمكن تجاهله، ولا المرور السريع عليه، هو معنى الكتابة الروائية في وعي محفوظ، التي تمثّل أدباً حديثاً لم تعرفه الآداب العربية التقليدية، وتدعو إلى حداثة اجتماعية شاملة مفرداتها: الديمقراطية، والاعتراف المتبادل بين البشر وإدراك معنى التقدّم العلمي، وقراءة الماضي بمفاهيم جديدة. ولهذا أعلنت رواية محفوظ عن فلسفته، القائلة بضرورة معرفة التاريخ ورفضه، بحثاً عن زمن إنساني قوامه الحرية، تراءى في أزمنة قصيرة العمر، وذهب.
      اتفق النقاد على تسمية المرحلة الأولى من مسار محفوظ الروائي بـ : الرواية التاريخية، التي ضمن ثلاثة أعمال: ” عبث الأقدار” – 1939- و ” رادوبيس” -1943 – و”كفاح طيبة”-1844- والرواية الأخيرة أهلته لجائزة مجمع اللغة العربية، إضافة إلى رواية تاريخية متأخرة عنوانها: “العائش في الحقيقة” كتبها عام 1985. أخذت هذه الروايات مادتها من التاريخ الفرعوني، الذي أولاه الروائي اهتماماً خاصاً في مطلع شبابه، ودفعه إلى ترجمة كتاب جيمس بيكي: ” مصر القديمة”.
      حرص محفوظ، منذ بداياته الروائية، على تقديم رأي في معنى الحكم الراشد، الذي يجب أن يقوم على توازن دقيق، حده الأول ولاء الشعب للحاكم، وحده الثاني حفاظ الحاكم على مصلحة الشعب واحترام حقوقه. ربط الروائي بين العدل والديمقراطية، فالحاكم العادل لا يستبد بشعبه، خلافاً لحاكم فاسد يأكل حقوق شعبه ويقيد إرادته. تأمل محفوظ في المرحلة المفردة والإرادة الشعبية الجماعية، وتأمل أكثر الآثار المدمرة الناتجة من هذا التناقض. مايز محفوظ بين ” القاهرة الجديدة” وقاهرة أخرى مختلفة عنها، في روايته اللاحقة: “خان الخليلي”، التي تحمل اسم الحي الشعبي الذي تدور فيه، وتقدم زمنياً إلى الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، حيث طائرات الحلفاء تغير على العاصمة المصرية، زاوج في هذه الرواية بين “التحقيب” الذي أراده، إذ لكل حقبة رواية، وإذ لكل إنسان صدفة تصرعه، ألف صدفة قاتلة توزع شظاياها على أكثر من اتجاه، والحقبة التي سورها بمكان معين ترسم أحوال الطبقة الوسطة القاهرية خلالا الحرب العالمية الثانية، والصدفة مرض شاب مقبل على الحياة يترك موته آثاراً في أخيه ” العاكف” عن الحياة، وفي الفتاة البريئة، التي أرادت ما يرضي عواطفها الشابة، وأراد لها القدر شيئاً آخر. ومع أن هذه الرواية لا تمثل تقدماً نوعياً في مسار محفوظ، رغم دقته المدهشة في رسم المكان والشخصيات التي تدور فيه، فهي الأكثر إفصاحاً عن تصوره المأساوي للوجود، الذي يحول الموت إلى وجه آخر للحياة.
      تابع محفوظ تحقيبه التاريخي في رواية ” زقاق المدن “، التي يشير عنوانها إلى مكان شعبي فقير،* وعطف المكان* على نهايات الحرب العالمية الثانية، تقريباً، حيث للجنود الإنجليز وحلفائهم حضور واضح في ” القاهرة الجديدة “. ولأنه ” تحقيب تاريخي”، بعيد البعد كله عن الاستمرارية الزمنية الفارغة، استأنف الروائي ثنائية: السيطرة والإخضاع التي عليها أن تنفتح، بداهة، على التمرد والتحرر. حاول محفوظ في ” ثلاثيته” أن يكون مؤرخاً شاملاً، يحدد محطات سعد زغلول الأساسية بعد قيام الثورة، ويمر على الصحف والمجلات والأغاني، وصولاً إلى انهدام بعض الأمكنة وقيام أبنية جديدة. ولا ينسى وهو ينشئ “رواية أجيال” خاصة به، أن يستفيد من أعمال أدبية موازية، مثل ” ملحمة أسرة فورسايت ” لجولز ورثي و ” الحرب والسلام ” لتولتسوي و ” آل بودنبروك” لتوماس مان. ويتكشف جهده، في مستوى آخر، بالمواد الفلسفية والفكرية التي أدرجها في عمله الكبير، مستنداً إلى فلسفة العلوم والفلسفة والتصوف.
      تضم هذه المرحلة خمس روايات: “اللص والكلاب “،1962- و “السمان والخريف”-1962- “الطريق” 1964،” الشحاذ” 1964، و “ثرثرة فوق النيل” 1966. اختلف النقاد في تسمية هذه المرحلة، بدءاً من ” الواقعية الجديدة ” وصولاً إلى ” الواقعية الفلسفية، مرورا بتعبير ” المرحلة الذهنية “، لكنها في الحالات جميعاً رواية عن الإنسان المغترب. غير أن هذا الاغتراب، مهما كانت أشكاله، سياسي بامتياز، يدور حول ” الإنسان الواعي” لاغترابه في المرحلة الناصرية، أكان حالماً ثورياً قبل 1952، أم كان وفدياً، انتظر بلا نجاح نظاماً جديداً يحقق ما يصبو إليه. تتوحد هذه الروايات في سياقها السياسي، منددة بالبيروقراطية والممارسات الشكلانية والتفكك الاجتماعي. فلا مكان هنا للعائلة التي لازمت ” المرحلة الواقعية “، ولا مكان للأجيال، فالمكان كله لفرد وحيد، أقرب إلى اليتم، خدعة الطريق التي سار فيه.
      لم يكن محفوظ معادياً لجمال عبد الناصر، فقد قاسمه حلم الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، لكن ما رفضه الروائي الكبير هو “الجهاز الأمني المتسلّط”، الذي استأنف تسلطاً سابقاً، تطلع المصريون إلى التحرر منه. ولعل الرجوع إلى موقف الروائي من هزيمة حزيران/يونيو 1967، التي زلزلت وجوده، يكشف، ببساطة، عن أحلام هذا الروائي النجيب والعادل، الذي انتظر من ثورة عبد الناصر الاستقلال والحرية، والعدالة والديمقراطية، ذلك أن ثورة تقمع الحرية تؤسس لسقوطها القادم، وهو موقف يتفق مع منظور التنويري الكبير: طه حسين.

      مارس 10, 2014