د. حسن مدن -
مثلما للإنسان ذاكرة وسيرة وحياة فإن للشوارع ذلك أيضاً، بل إن سيرة بعض الشوارع تتفوق على سير البشر، لأنها تمتد طويلاً وعميقاً في الماضي وفي المستقبل، وتخترق بذلك حياة أجيال عديدة، ثم إنها تنطوي على مقدار هائل من التفاصيل أوسع بكثير وأكثر بكثير من تلك التفاصيل التي تنطوي عليها حياة فرد واحد.* الشارع في هذا المعنى هو مجموعة حيوات لا حياة واحدة.
ولا تخلو مدينة من شارع رئيس واحد على الأقل يشكل العصب الأساسي لذاكرة هذه المدينة، حيث قلب المدينة إنما ينبض من هناك وحين الأحداث الأهم في تاريخها إنما جرت هناك.* لكن ليس ضرورياً أن يكون الشارع هو الأهم في المدينة ليشكل فيها ذاك المكان المكتنز بالذكريات والأجواء الحميمة التي تجعل هذا الشارع يمثل وجهاً من وجوه كينونة المدينة وتحولاتها.
يحدث أحياناً ألا يتجاوز طول الشارع بضع مئات من الأمتار، ولكنه يختزل في هذا الحيز الجغرافي المتواضع فضاء بكامله.* وفي الذاكرة أمثلة لهذه الشوارع المضيئة: مثلاً شارع باب البحرين في المنامة، حيث السوق القديم.* كنا في زمن ما نذرع هذا الشارع جيئة وذهاباً وسط الزحام وحيوية الحياة ودبيب البشر من الجنسين.* شيء يذكر مثلاً بشارع الوحدة في الشارقة يوم كان هذا الشارع مركزاً تجارياً حيوياً.
مثل هذه الشوارع تشكل حالاَ نموجية* لكتابة السيرة، فهي ينطوي على كمٍ واسع متعدد من الأشياء والرموز والمحال والأنشطة.* إنه المدينة في أكثر أشكال تحولاتها تجلياً، وحين يقع الشارع في قلب منطقة سكنية عامرة يبدو أشبه برئة التنفس، وهنا تتجاوز معطيات هذا التحول والتفاعل: محال الشاورما والفطائر والبوظة، محال بيع “السي دي والتسجيلات والتلفونات وما اليها من أليكترونيات، مطاعم البيتزا والوجبات السريعة، محال بيع النظارات، ثم “السوبر ماركتات” كمظهر من مظاهر وفرة البضاعة في مجتمع استهلاكي بديل للبقالة القديمة التي تبيع بالمفرق ويسجل صاحبها ما اشترينا على الحساب.هنا ستتولى البنوك وشركات الائتمان عبر “الفيزا كارد”* وشقيقاتها المهمة في الموعد المستحق دونما تأخير بتوجيه من حاسوب شديد الذكاء يحصي كل صغيرة وكبيرة.
وإضافة إلى محال الملابس حيث آخر الموضات، ثمة صيدليات وعيادات لأطباء العيون والأسنان والأمراض الجلدية والباطنية وسواها.* إنها المدينة المصغرة “ميني مدينة” في شارع.* ولكن الحياة ليست في المحال وحدها.* الحياة في الشارع نفسه برصيفه الفسيح، بحركة المشاة والسيارات، حيث نتفرج على الأماكن والناس، فيما يتفرجون بدورهم علينا وعلى الأشياء.
ويمكن للمدينة، أي مدينة، أن تنقل حياتها، رئتها، من شارع إلى آخر.* بل إننا لا نستطيع دراسة تاريخ المدينة وتحولاتها إلا عبر هذه النقلة.* الشارع العامر قد يخلي مكانه لشارع جديد، ولكن ذلك يمر عبر فترة تحول، أبطأ أو أسرع، حيث تتغير وظائف الشوارع، بالمعنى الذي تصبح فيه لكل شارع وظيفة خاصة به، لكننا نذهب إليه لقضاء الحاجة التي يؤمنها، لكن الشارع – المفصل يظل الفسحة، التي نذهب إليها في أحيان كثيرة دونما سبب واضح أو محدد، دونما سبب على الإطلاق سوى الرغبة في الخروج، أي نذهب للشارع كي نذهب للشارع، هكذا في منتهى البساطة.
تترك العواصم والمدن الكبيرة المزدحمة، كالقاهرة مثلاً أو الدار البيضاء بالمغرب، أول انطباع انطباعاً عما* يمكن أن ندعوه “كثافة الشارع”، الشارع هنا بالمعنى الشائع والمتداول الذي نعني به الناس.* هذا العدد الهائل من الناس في الشوارع يخلق لديك شعوراً قويا بأنه وسط الزحام، وسط وجوه تبدو أليفة رغم إنك تصادفها للمرة الأولى.* ثمة حياة وثمة حركة وثمة قدر هائل من التفاصيل في سلوك الناس، تجعلك للوهلة الأولى غير مكترث أو ممتعض من الازدحام وبطء حركة السير، كأنك تكتشف حالة أخرى من البطء والتأمل وألفة الأشياء والناس، ولوهلة تظن أن هذه هي الصورة النموذجية للحياة في اكتنازها بالتفاصيل وفي سعي أهلها لن يأخذوها غلابا.
مصدر هذا الانطباع، لدى شخص مثلي، هو المقارنة التي لا بد أن يقع فيها أي إنسان قادم من مدن الخليج إلى مدينة كبيرة وعريقة تضج بالحياة والحركة مثل مدينة القاهرة.* الأمر في جوهره مقارنة بين حالين: حال مدن صغيرة حديثة تتميز بأنها في الإجمال نشأت، إذا ما تحدثنا عن عمرانها وعن شوارعها ومبانيها، متأخرة وبالتالي فإنها تداهم رائيها للمرة الأولى بشعور الحداثة والجدة، كأن مباني هذه المدن قد أزيل عنها للتو ورق السيلوفان الشفاف الذي تغلف به الأشياء الجديدة عامة، أما الشعور الذي يداهمك وأنت تمشي في شوارع مثل شوارع القاهرة فهو شعور بالعراقة، كأن الأشياء والمباني والشوارع والتماثيل تحكي كل ذكرياتها، كأنها تقول كل ما عرفته وخبرته من أحداث وما مر عليها من بشر.* ويضاعف من عمق هذا الشعور لديك إذا كنت أصلا تعرف المدينة من قبل، وأن أسماء شوارعها وتماثيلها ومبانيها التاريخية، بل مقاهيها ومكتباتها قد استقرت في ذاكرتك من خلال المشاهدة المباشرة بأم العين ومن خلال الروايات والقصص وبالتأكيد من خلال الأفلام.
يسمح لنا هذا بالاستنتاج أن المدينة الخليجية الحديثة تفتقد مفهوم الشارع بالمعنى الذي أشرت إليه أعلاه.* حقا إن شوارعنا فسيحة مريحة ومنظمة وسريعة وتؤمن انسيابية الحركة من خلال خطوطها المتعددة، ولكنها شوارع للسيارات.* إن الرصيف الموازي لهذه الشوارع لا يقارن في نبضه وحيويته وامتلائه بالتفاصيل بنظيره في المدن الكبرى.* وأكثر ما يغيظ في مدننا الخليجية في صورتها الحالية أنها تحرمنا من المتعة التي نُحسها عندما نكون في مدينة أرووبية أو عربية أخرى، بحيث يمكنك مثلاً من خلف زجاج مقهى تتناول فيه فنجان قهوتك أن تتأمل الحركة والحياة في هذا الشارع، وينطبق هذا، بمقدارٍ لا يقل على المواصلات، فاعتمادنا على سياراتنا الخاصة في التنقل يجعلنا لا ندرك أن وسيلة نقل “كالأتوبيس” أو “التريلبوس” وهي سمة من سمات المدن الكبرى تضج بعوالم إنسانية غنية ما أكثر ما أستقى منها الأدب مادة ثرية وعميقة.
ذات مرة، وقعت عيني على قصة لكاتب من الهند اسمه (كرشن تشند) تتناول موضوع الشارع تحديداً، من الزاوية الأثيرة في نفسي، أي رصد مظاهر الحياة فيه.* عنوان القصة هو: “شارع بطول فرسخين” وهي منشورة ضمن مختارات من الأدب الهندي المعاصر بترجمة الأستاذ سمير عبدالحميد إبراهيم.* تدور القصة الجميلة حول شارع يمتد من مجمع المحاكم حتى مبنى كلية الحقوق، طوله فرسخان.
يقول الكاتب: “علي أن أمر به كل يوم، أحياناً مشياً على الأقدام، وأحياناً راكباً الدراجة.* على جانبي الشارع صفان من أشجار السيسم التي جفت أغصانها فبدت كأناس أذبلهم الحزن.. لا جمال فيها ولا ظل.. أسراب من النسور فوق جذوعها وأغصانها”.
يحاول الكاتب أن يشدنا إلى علاقته الحميمة بشارعه، مذكراً إيانا بأنه رأى شوارع كثيرة، طويلة، واسعة، وشوارع مغطاة بالجرانيت، وشوارع مفروشة بالرمل والحصى الأحمر، شوارع تحفها أشجار السرو، وأشجار البقس، ثم يسأل: “ما فائدة أن نعدد الأسماء؟! فربما شاهدت عدداً لا يحصى من الشوارع المشابهة، لكني أعرف هذا الشارع معرفة جيدة، أكثر من معرفتي لأقرب الأصدقاء لدي.* لم يتغير لونه أبداً، لم تتغير هيئته أبداً، وفي صورته نفس الخشونة والبرودة، كما هي لم تتغير، وكأنه يقول: لا أبالي بأحد على الإطلاق”.* وهذا صحيح.* لماذا يبالي هذا الشارع بأحد؟! يمر عليه كل يوم مئات بل آلاف الناس والخيل والمركبات والسيارات، وتمضي لا تترك أثراً يُذكر، فملامح سطحه النيلية السمراء كما هي جافة وصلبة كما كانت في أول يوم حين قام أحد المقاولين برصفه و(سفلتته).
فيم يفكر هذا الشارع؟* أو لعله لا يفكر! ماذا رأى عبر السنوات التسع من وقائع وأحداث؟ وما الذي لم يره من مناظر كل يوم وكل لمحة؟ لكن أحداً لم يره يبتسم أو يبكي، كما لم تظهر في سطحه الحجري أبداً أية فجوة أو حتى شرخ، والكاتب لا يجيب على هذه الأسئلة.* إنه يكتفي بطرحها قبل أن يطوف بنا في جولة سريعة حول “حياة” هذا الشارع.* حياة الشخوص التي تدفعها مصائرها نحوه، ليقدم لنا نماذج مأخوذة منه: ثياب ممزقة، أقدام حافية، أرجل أعياها التعب، شرطة، أطفال، نساء حائرات، رجال مكدودون.
فوق الأغصان على الأشجار جلست النسور وقد غلبها النعاس.* أما الشارع فإنه غير مكترث بأحد أو بشيء.* إنه سادر في صمته.
مثلما للإنسان ذاكرة وسيرة وحياة فإن للشوارع ذلك أيضاً، بل إن سيرة بعض الشوارع تتفوق على سير البشر، لأنها تمتد طويلاً وعميقاً في الماضي وفي المستقبل، وتخترق بذلك حياة أجيال عديدة، ثم إنها تنطوي على مقدار هائل من التفاصيل أوسع بكثير وأكثر بكثير من تلك التفاصيل التي تنطوي عليها حياة فرد واحد.* الشارع في هذا المعنى هو مجموعة حيوات لا حياة واحدة.
ولا تخلو مدينة من شارع رئيس واحد على الأقل يشكل العصب الأساسي لذاكرة هذه المدينة، حيث قلب المدينة إنما ينبض من هناك وحين الأحداث الأهم في تاريخها إنما جرت هناك.* لكن ليس ضرورياً أن يكون الشارع هو الأهم في المدينة ليشكل فيها ذاك المكان المكتنز بالذكريات والأجواء الحميمة التي تجعل هذا الشارع يمثل وجهاً من وجوه كينونة المدينة وتحولاتها.
يحدث أحياناً ألا يتجاوز طول الشارع بضع مئات من الأمتار، ولكنه يختزل في هذا الحيز الجغرافي المتواضع فضاء بكامله.* وفي الذاكرة أمثلة لهذه الشوارع المضيئة: مثلاً شارع باب البحرين في المنامة، حيث السوق القديم.* كنا في زمن ما نذرع هذا الشارع جيئة وذهاباً وسط الزحام وحيوية الحياة ودبيب البشر من الجنسين.* شيء يذكر مثلاً بشارع الوحدة في الشارقة يوم كان هذا الشارع مركزاً تجارياً حيوياً.
مثل هذه الشوارع تشكل حالاَ نموجية* لكتابة السيرة، فهي ينطوي على كمٍ واسع متعدد من الأشياء والرموز والمحال والأنشطة.* إنه المدينة في أكثر أشكال تحولاتها تجلياً، وحين يقع الشارع في قلب منطقة سكنية عامرة يبدو أشبه برئة التنفس، وهنا تتجاوز معطيات هذا التحول والتفاعل: محال الشاورما والفطائر والبوظة، محال بيع “السي دي والتسجيلات والتلفونات وما اليها من أليكترونيات، مطاعم البيتزا والوجبات السريعة، محال بيع النظارات، ثم “السوبر ماركتات” كمظهر من مظاهر وفرة البضاعة في مجتمع استهلاكي بديل للبقالة القديمة التي تبيع بالمفرق ويسجل صاحبها ما اشترينا على الحساب.هنا ستتولى البنوك وشركات الائتمان عبر “الفيزا كارد”* وشقيقاتها المهمة في الموعد المستحق دونما تأخير بتوجيه من حاسوب شديد الذكاء يحصي كل صغيرة وكبيرة.
وإضافة إلى محال الملابس حيث آخر الموضات، ثمة صيدليات وعيادات لأطباء العيون والأسنان والأمراض الجلدية والباطنية وسواها.* إنها المدينة المصغرة “ميني مدينة” في شارع.* ولكن الحياة ليست في المحال وحدها.* الحياة في الشارع نفسه برصيفه الفسيح، بحركة المشاة والسيارات، حيث نتفرج على الأماكن والناس، فيما يتفرجون بدورهم علينا وعلى الأشياء.
ويمكن للمدينة، أي مدينة، أن تنقل حياتها، رئتها، من شارع إلى آخر.* بل إننا لا نستطيع دراسة تاريخ المدينة وتحولاتها إلا عبر هذه النقلة.* الشارع العامر قد يخلي مكانه لشارع جديد، ولكن ذلك يمر عبر فترة تحول، أبطأ أو أسرع، حيث تتغير وظائف الشوارع، بالمعنى الذي تصبح فيه لكل شارع وظيفة خاصة به، لكننا نذهب إليه لقضاء الحاجة التي يؤمنها، لكن الشارع – المفصل يظل الفسحة، التي نذهب إليها في أحيان كثيرة دونما سبب واضح أو محدد، دونما سبب على الإطلاق سوى الرغبة في الخروج، أي نذهب للشارع كي نذهب للشارع، هكذا في منتهى البساطة.
تترك العواصم والمدن الكبيرة المزدحمة، كالقاهرة مثلاً أو الدار البيضاء بالمغرب، أول انطباع انطباعاً عما* يمكن أن ندعوه “كثافة الشارع”، الشارع هنا بالمعنى الشائع والمتداول الذي نعني به الناس.* هذا العدد الهائل من الناس في الشوارع يخلق لديك شعوراً قويا بأنه وسط الزحام، وسط وجوه تبدو أليفة رغم إنك تصادفها للمرة الأولى.* ثمة حياة وثمة حركة وثمة قدر هائل من التفاصيل في سلوك الناس، تجعلك للوهلة الأولى غير مكترث أو ممتعض من الازدحام وبطء حركة السير، كأنك تكتشف حالة أخرى من البطء والتأمل وألفة الأشياء والناس، ولوهلة تظن أن هذه هي الصورة النموذجية للحياة في اكتنازها بالتفاصيل وفي سعي أهلها لن يأخذوها غلابا.
مصدر هذا الانطباع، لدى شخص مثلي، هو المقارنة التي لا بد أن يقع فيها أي إنسان قادم من مدن الخليج إلى مدينة كبيرة وعريقة تضج بالحياة والحركة مثل مدينة القاهرة.* الأمر في جوهره مقارنة بين حالين: حال مدن صغيرة حديثة تتميز بأنها في الإجمال نشأت، إذا ما تحدثنا عن عمرانها وعن شوارعها ومبانيها، متأخرة وبالتالي فإنها تداهم رائيها للمرة الأولى بشعور الحداثة والجدة، كأن مباني هذه المدن قد أزيل عنها للتو ورق السيلوفان الشفاف الذي تغلف به الأشياء الجديدة عامة، أما الشعور الذي يداهمك وأنت تمشي في شوارع مثل شوارع القاهرة فهو شعور بالعراقة، كأن الأشياء والمباني والشوارع والتماثيل تحكي كل ذكرياتها، كأنها تقول كل ما عرفته وخبرته من أحداث وما مر عليها من بشر.* ويضاعف من عمق هذا الشعور لديك إذا كنت أصلا تعرف المدينة من قبل، وأن أسماء شوارعها وتماثيلها ومبانيها التاريخية، بل مقاهيها ومكتباتها قد استقرت في ذاكرتك من خلال المشاهدة المباشرة بأم العين ومن خلال الروايات والقصص وبالتأكيد من خلال الأفلام.
يسمح لنا هذا بالاستنتاج أن المدينة الخليجية الحديثة تفتقد مفهوم الشارع بالمعنى الذي أشرت إليه أعلاه.* حقا إن شوارعنا فسيحة مريحة ومنظمة وسريعة وتؤمن انسيابية الحركة من خلال خطوطها المتعددة، ولكنها شوارع للسيارات.* إن الرصيف الموازي لهذه الشوارع لا يقارن في نبضه وحيويته وامتلائه بالتفاصيل بنظيره في المدن الكبرى.* وأكثر ما يغيظ في مدننا الخليجية في صورتها الحالية أنها تحرمنا من المتعة التي نُحسها عندما نكون في مدينة أرووبية أو عربية أخرى، بحيث يمكنك مثلاً من خلف زجاج مقهى تتناول فيه فنجان قهوتك أن تتأمل الحركة والحياة في هذا الشارع، وينطبق هذا، بمقدارٍ لا يقل على المواصلات، فاعتمادنا على سياراتنا الخاصة في التنقل يجعلنا لا ندرك أن وسيلة نقل “كالأتوبيس” أو “التريلبوس” وهي سمة من سمات المدن الكبرى تضج بعوالم إنسانية غنية ما أكثر ما أستقى منها الأدب مادة ثرية وعميقة.
ذات مرة، وقعت عيني على قصة لكاتب من الهند اسمه (كرشن تشند) تتناول موضوع الشارع تحديداً، من الزاوية الأثيرة في نفسي، أي رصد مظاهر الحياة فيه.* عنوان القصة هو: “شارع بطول فرسخين” وهي منشورة ضمن مختارات من الأدب الهندي المعاصر بترجمة الأستاذ سمير عبدالحميد إبراهيم.* تدور القصة الجميلة حول شارع يمتد من مجمع المحاكم حتى مبنى كلية الحقوق، طوله فرسخان.
يقول الكاتب: “علي أن أمر به كل يوم، أحياناً مشياً على الأقدام، وأحياناً راكباً الدراجة.* على جانبي الشارع صفان من أشجار السيسم التي جفت أغصانها فبدت كأناس أذبلهم الحزن.. لا جمال فيها ولا ظل.. أسراب من النسور فوق جذوعها وأغصانها”.
يحاول الكاتب أن يشدنا إلى علاقته الحميمة بشارعه، مذكراً إيانا بأنه رأى شوارع كثيرة، طويلة، واسعة، وشوارع مغطاة بالجرانيت، وشوارع مفروشة بالرمل والحصى الأحمر، شوارع تحفها أشجار السرو، وأشجار البقس، ثم يسأل: “ما فائدة أن نعدد الأسماء؟! فربما شاهدت عدداً لا يحصى من الشوارع المشابهة، لكني أعرف هذا الشارع معرفة جيدة، أكثر من معرفتي لأقرب الأصدقاء لدي.* لم يتغير لونه أبداً، لم تتغير هيئته أبداً، وفي صورته نفس الخشونة والبرودة، كما هي لم تتغير، وكأنه يقول: لا أبالي بأحد على الإطلاق”.* وهذا صحيح.* لماذا يبالي هذا الشارع بأحد؟! يمر عليه كل يوم مئات بل آلاف الناس والخيل والمركبات والسيارات، وتمضي لا تترك أثراً يُذكر، فملامح سطحه النيلية السمراء كما هي جافة وصلبة كما كانت في أول يوم حين قام أحد المقاولين برصفه و(سفلتته).
فيم يفكر هذا الشارع؟* أو لعله لا يفكر! ماذا رأى عبر السنوات التسع من وقائع وأحداث؟ وما الذي لم يره من مناظر كل يوم وكل لمحة؟ لكن أحداً لم يره يبتسم أو يبكي، كما لم تظهر في سطحه الحجري أبداً أية فجوة أو حتى شرخ، والكاتب لا يجيب على هذه الأسئلة.* إنه يكتفي بطرحها قبل أن يطوف بنا في جولة سريعة حول “حياة” هذا الشارع.* حياة الشخوص التي تدفعها مصائرها نحوه، ليقدم لنا نماذج مأخوذة منه: ثياب ممزقة، أقدام حافية، أرجل أعياها التعب، شرطة، أطفال، نساء حائرات، رجال مكدودون.
فوق الأغصان على الأشجار جلست النسور وقد غلبها النعاس.* أما الشارع فإنه غير مكترث بأحد أو بشيء.* إنه سادر في صمته.