كتابة الطريق - omandaily

    • كتابة الطريق - omandaily

      صالح العامري -
      البيضة العارية أولا
      تقشرت بي السبل، وأنا الآن هلامٌ حادّ، بياضٌ يسرد سيرة العاصفة، أحٌّ يضمر مُحّه القديم.
      تقطعت نياط الدواخل، ولم يتبقّ إلا الخارج المخرِّب، إلا الطارئ المفترس، إلا العقبان التي تنقر الأكباد، إلا عربات الشمس التي تنقل النميمة، إلا قطعان الظهيرة الوحشية التي تتحيّن الفرصة للانقضاض والالتهام، بعد أن قرأتْ كتاب الخديعة وسكرتْ بلوثة السراب.
      كان لي قشرة صلدة، أتدرع بها من الحرّ والقرّ، أتفولذ بها من هجمة الزوبعة، والآن قد تشظت وتكسّرت؛ ألكي يُمتَحَنُ صمودي؟ هل ليصلب عودي من جديد؟ أم لكي ينفجر حنيني وتطيش أعناقي المخبأة؟.
      ما بال هذا العالم يفتل أكتافه كأنّه خرابة أو عدم؟ ما بال هذه الأراضين ترجف كأنها تحبل بالقيح أو الشوكران؟ ما بال تلك السماوات مجعلكة هناك بعد أن أصابها دبّوس الضغينة ووخزتها إبرة الخذلان؟ ما بال هذا الكنز الأخرق، الذي يُسمّى “اللاشيء”، يعوي ويستعر، يعض على عنقه، ثمّ ينقرض مثل ماموث حجري؟.
      أيتها العاصفة، يا أختي، يا حبيبتي، يا ويلي وتهلكتي، يا رُقيتي وتميمتي، احتضنيني في هبوبك، غطيني في جنح ألعابك ومسرّاتك، اجعليني ألتحف بحربك الفتّاكة، قوديني كأعمى ينزلق في كل درب وشعاع كي ألتحم بمشيمتك الولود. عضيني من قفاي المتناوم كي تحمل الهرة وليدها إلى النجاة، ارقصي بي كي أتحوّل إلى درويش ناقم ودود، اجعليني مكنوناً في خاصرتك كي لا أختضّ أكثر مما فعلته بي الأقدار في فصل الولادة، أسكنيني بين ثدييك المعفّرين بالخصوبة والجبروت، لكي أتنزّل في منطاد حليبك الأرضي على أفواه المنتظرين، ادفعي بكينونتك كلّها، وانغرسي كسيف اللهب الأزرق في الحب والحرب، دون أن تفلعي كينونتي العارية، دون أن تهرسي رأسي وبياضي اليائِسَيْن، التَوّاقَيْن للنصر والاحتفال.
      سأغني أغنيتي الآن، لكي يبتسم الأطفال، ويغنون، ويرقصون، ويلعبون في الفضاء الراعش والحدائق الساهمة، سأغني لكي تدمع عيون السماوات، وكي أرتعش أنا في نبل العواصف، متشبثة بالسقالة الشهية، باللوح الطافي على فتنة الزوال.
      هكذا، لكي تتعلّم الأجساد الصلدة ألا تنكسر، وحتّى وإن انهارت، فهي تنهار إلى داخلها، وحين تنحني فإنّها تصلّي صلاة المسحورين، وحين تترضّض فلكي تلعب لعبة الموت، التي تقود زلاجتها الخطرة إلى الحياة.
      هكذا بعد أن احتضنتني العاصفة في جوفها، أقول لكم بأن لا تتكدسوا في خارجكم، لا تكونوا متخشبين في جوهركم المتلعثم. تعلقوا بالآمال الواهية، خاطبوا العواصف أحياناً وتحدثوا وإيّاها عن السّمَر والسهر والندامى والطريق القادم والرحلة الحلمية.
      هكذا أيضاً، كل بيضة في داخلكم تقول بعناد: ثابروا على الدمعة القصيرة والألق الماكر، فأنا أنجو بكم من الزوبعة وأهرب ببذوركم ومزارعكم من الزلزال.
      مطرقة الفانين
      عربدة وقصف، مرحٌ يباركه الإله (بان)، قيثاراتٌ يلعب أبوللو بأصابعه على أوتارها المجنونة، أسفارٌ حلوة كالعسل، تذكاراتٌ تعصف بالزمن فتسوّيه أحياناً، وتعقفه أحياناً، وتدبّبه أحياناً، وتثلثه أحياناً، وتدوّره أحياناً، وتُقيمُهُ كخط مستقيم أحياناً، وترفعه عموداً من نار أحياناً، وتنسجُهُ قصيدة أو صرخة أو طفلاً أو امرأة جميلة أو قطاراً مسافراً أحياناً أخرى…
      ضحكة تناطح المطلق، ولادة تهزأ بالمستحيل، بذرة تصطرع في الظلام، أجنّة تدفع الأرحام، أوراق تطيّرها الريح، موعد غراميّ يسيل في لعاب الحرائق، كتابٌ تخفق روحه بشدة لكيلا يفسد العالم، ملح يتبخّر عنه الماء لكي يضطلع بحربه ضد العفونة، عسلٌ يتسلسل على الألسنة، نبيذ يتعتّق في الجرار، فتيانٌ يتعانقون، أطفالٌ يطيرون مع طائراتهم الورقية، مغامرون يتسلقون قمة جبلية أو يصلون إلى أبعد نقطة في أعالي الثلوج، أشداء ينتفخ عضل أحلامهم في البطولة، مصارعون يفكّرون بالفوز، ملاكمون يصيبون أعين الخصم، معلمون يخرّجون أجيالاً جديدة، هدّافون يتذوقون حلاوة النصر، سياسيون جذلون جداً لأنهم حققوا مكاسب، أطفال فرحون جداً لأنهم يُهَرّبون الزمان…
      كلّ شيء معدّ سلفا، الطاولة والكراسي، أعضاء الأسرة الواحدة، البيتُ، الحديقة، الليل والنهار، الشمس والمطر، اليمين الحقير واليسار النهم، الوقت والعمل والسيّارة والطرقات، الجيران والأصدقاء والأبناء، المدرسة والمقهى، التناقضات والمصادفات، التوافقات والتعاصفات الذهنيّة، العرس والمأتم، الحفل والجنازة، الشهقة والعَرَق، السفر والإقامة، اللهفة المجففة والشهوة التي تبرق الآن، الصلاة والنوم، الذهب والرماد…
      كلّ شيء معدّ سلفا، وجاهز للابتداء (كالمحرك)، وجاهز للوظيفة (كالقلم)، وجاهز للحركة (كفعل الحبّ)، وجاهز للاسترخاء (كالجميلات)، وجاهز للنزق والطيش (كالأطفال)، وجاهز للعبودية (كالموظفين)، وجاهز للهدير الصوتي (كالدراجات النارية)، وجاهز للاختراق (كالمخبر السري)، وجاهز للتلوّن (كالحرباء)، وجاهز للمواجهة (كعبّاد الشمس أو الرمح أو المسدّس)، وجاهز لكي يتقفّى ويَتْبَع (كالظل)، وجاهز لكي يكذب (كالقوّاد) وجاهز لكي يموت من أجل الصدق (كالعاشق)…
      مرحى أيتها الحياة، كلّ شيء يعمل، كل شيء له وظيفته، كل أحد له حقيبته حتى المفلسون، كل أحد له شهادته حتّى الذي رسب أو لم يلتحق بمدرسة، كل شخص له أهميته، دوره، حتى الشحاذون. حقيقته، رماده، نبلاء أم أوغاد. طريقته، هواؤه، سكناه، أحلامه المدججة، طموحاته المحرفشة، أخباره الحزينة والسعيدة.
      كلُّ ذلك هناك، يصوغ الجوهر ويهندم المظهر، يرتّب العنب والحصرم، ينسج اللطافة أو الكارثة.
      بينما، بينما، وهذا هو الأهمّ، تتدلّى المطرقة (الهوجاء، المتعسفة، الحقود، مطرقة الراتعين في المجهول، مطرقة الطافحين بالسمّ، مطرقة المولودين للتوّ، مطرقة الفانين)، لكي تضرب ضربتها، لكي تهرس الرؤوس وتدقّ الأعناق، لكيلا تُبقي ولا تذر، لكي تحطّم وتهدّم، لكي تفلق ولكي تغلق، لكي تسدّ ولكي تُكتّم، لكي تدكّ وتزهق، لكي تطوّح بالجميلين والأوغاد، بالشعراء والكنّاسين، بالفلاسفة واللصوص، بالمومسات وأقواس قوس قزح، بذكريات المواقد والخبز والمماشي، بالألحان الجنائزية التي نذرفها في كلّ لحظة على أصدقائنا وأحبابنا وأكبادنا وهواء أحلامنا الشريدة.
      عن الكتابة وأوصابها
      هذا الجني السريّ الغامض، هذا الدفق المفضوح العاري، هذا الذي يندرج تحت عنوان عريض هو “الكتابة”. ماذا هو؟ ماذا هي؟ هل الكتابة هي أمّنا أم وليدنا؟ هل هي ذكرٌ فحلٌ يتصبب بالشبق؟ أم أنوثة صارخة تتغيّا المطارحة؟ هل هي من تدفع بنا خارج رحمها؟ أم نحن من يزرعها في داخل أحشائنا؟ هل هي حنيننا وجنوننا وأشواقنا نحن؟ أم حنينها وجنونها وجنوحها وأشواقها هي؟ هل هي خرساء للدرجة التي تودّ فيها منا أن نتكلم باسمها وأن نتحدث نيابة عنها؟ هل هي خرساء حدّ أنّها تستغل قدراتنا المعتادة على الإمساك بالقلم والإرهاف للورقة؟ هل هي نشطة ومتسلطة حتى أنها تومئ من عل كي نكتبها وننجز مواعيدها معنا؟ هل هي التي تخترقنا وتروضنا وترمينا بعدواها وأدوائها؟ أم نحن من يزحف في أنفاقها وأخاديدها ومن يركع أمام محاريبها وهياكلها؟ هل تتكلم بنا؟ أم هي وحدها التي تتكلم بنا؟ هل نفعل بها؟ أم هي من تحلم بنا وتصمت فينا وتدور في رؤوسنا وأصابعنا؟ هل هي صيدنا؟ أم نحن طريدتها؟ هل هي قاتلنا أم قتيلنا؟ عاشقنا أم معشوقنا؟ هل هي ما يأكلنا؟ أم ما نقتات عليه وما يُجَوِّع خلايانا وأنفاسنا واختلافاتنا؟ هل هي زهونا؟ أم مكيدتنا؟ هل هي مرآتنا؟ أم وجهنا الآخر؟ هل نحن حقيقتها الرعناء؟ أم حقيقتها البلهاء؟…
      كنّا كثيرين أيتها الكتابة، فلا تحسبينا جيشك…
      أنا واحدٌ فيكِ فلا تقفزي بسكرك في مغبة الظلام من الطابق العلويّ إلى الحوض الذي بلا ماء…
      أنا واحدٌ فيكِ، وأتهجاكِ الآن في كرتي الأرضية، التي تدور ألعابها…