السد الإثيوبي والأمن القومي للعرب - omandaily

    • السد الإثيوبي والأمن القومي للعرب - omandaily

      السد الإثيوبي والأمن القومي للعرب | جريدة عمانالثلاثاء, 9 جمادى الأول 1435هـ. 11 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      عاطف الغمري /*نائب رئيس تحرير الاهرام -
      كل الظروف المحيطة بإصرار إثيوبيا على بناء سد النهضة، رغم ما أكدته الدراسات العلمية من خطورته على مصر، بدأت تكشف عن أنه ليس مجرد مشروع اقتصادي فحسب، بل هو جزء من توجه استراتيجي، كانت له بدايات سابقة، ولحقت بها تطورات في الفترة الأخيرة، شددت من التشبث به. وكلها تسير في اتجاه يهدف إلى جعل إثيوبيا قوة أساسية في الجنوب، توازن وجود مصر كقوة في الشمال، وتحد منها.
      ولما كانت الأهداف السياسية لإسرائيل، تدخل ضمنا في الفكر الإستراتيجي للولايات المتحدة، باعتبار إسرائيل تمثل إحدى أهم مصلحتين استراتيجيتين لأمريكا في العالم العربي، أوحسب ما قاله نيوت جينجريش رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق: «إن إسرائيل هي حاملة طائراتنا في الشرق الأوسط». فإن نفس الفكر الإستراتيجي الأمريكي، يقرر أن مصر هي قلب العالم العربي، وإذا أمكن الضغط على القلب، سهل التحكم في المحيط العربي بأكمله.
      القضية متشعبة، ومتعددة الأبعاد، وهي لا تقتصر على البعد الإثيوبي وحده، فإثيوبيا بكل إمكاناتها، لاتستطيع توفير تكاليف بناء السد، أو أن تتحدى منفردة للمواثيق والاتفاقات والقوانين الدولية.
      فالعلاقة الأمريكية الإثيوبية تحتل وضعا مهما ومتميزا، في اهتمام الولايات المتحدة، لدرجة جعلت من إثيوبيا، الوكيل لأمريكا في منطقة القرن الإفريقي.
      وهي تكلفها بأدوار في شؤون عديدة منها مكافحة الإرهاب في القرن الإفريقي، وهي التي كانت وراء دخول قواتها الصومال، قبل سنوات قليلة.
      والعلاقة بينهما شهدت تحسنا ملحوظا ومهما، بعد وصول ملس زيناوي للحكم، إثر سقوط حكم مانجستو ماريام، الذي كان حليفا للاتحاد السوفييتي، وصارت إثيوبيا تحصل سنويا على أربعة مليارات من الدولارات من الولايات المتحدة، مساعدات عسكرية ومعونات للتنمية والغذاء.
      وإسرائيل هي البعد الثاني الفاعل في هذا التوجه، ولها دورها القديم، منذ أن خططت لإيجاد وجود لها في قضية مياه النيل، وهو ما تحدثت عنه تحديداً، دراسات إسرائيلية وأمريكية، أكدت أن دور إسرائيل في السد الإثيوبي، مقصود به إيجاد أمر واقع يسمح لها بعد فترة، بالمشاركة في المفاوضات لاقتسام المياه بين دول حوض النيل.
      وهذه النظرة لمياه النيل، سبق أن تحدث عنها شيمون بيريز، في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» الصادر عام 1993، مشيرا إلى مياه النيل قائلا: في هذه المنطقة دول لديها وفرة في المياه، ودول أخرى لا يتوافر لها ما يكفيها من المياه.
      نفس النظرة كشفت عنها جولدا مائير حين قالت: إن تحالف إسرائيل مع تركيا وإثيوبيا، يجعلها تتحكم في أهم نهرين عربيين هما النيل والفرات.
      وبالتالي تملك قوة ضغط على العرب، وهذا كله ليس بعيدا عما يجري الآن في السد الإثيوبي، وتولي شركة إسرائيلية توزيع الكهرباء الذي ينتج عن السد.
      إن الحلقة الأمريكية الإسرائيلية في هذه المشكلة، قد تطورت بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي عام 2011، بتوقيع اتفاقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، للشراكة الإقليمية، والتعاون المتعدد الجوانب، في أفريقيا والشرق الأوسط.
      وبالرغم من أن أمريكا والغرب عموما، كانوا طوال عشرات السنين يعترضون على بناء السدود، اقتناعا منهم بأنها تمثل تهديداً للأمن القومي في القارة، إلا أنهم الآن يتخذون موقفا مغايرا. فأوروبا لا تبدي إعتراضا، وأمريكا ترد في الحوار معها بالقول نحن نقف على الحياد، ونحث الطرفين على الوصول إلى حلول توافقية.
      ولقد لوحظ بعد 25 يناير في مصر، زيادة سرعة إقامة السدود في إثيوبيا، ومضاعفة أعدادها، في تجاهل تام لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، بشأن استخدام الأنهار لغير الأغراض الملاحية، والتي تنص على مبدأي: الإخطار المسبق للدول الأخرى المستفيدة من الأنهار وعدم إلحاق الضرر بها. وكذلك ما قررت اللجنة الدولية الثلاثية التي ناقشت موضوع السد، من أن الدراسات التي قدمتها إثيوبيا، تعتبر بدائية بالنسبة لمثل هذا المشروع.
      إن المشروع – الذي تتصدره إثيوبيا – لا ينفصل عن تخطيط إستراتيجي أبعد مدى، تقف وراءه أمريكا وإسرائيل، ويهدف إلى تغيير التوازن الإستراتيجي، بصورة تستهدف أساساً مصر، مركز التوازن والاستقرار في العالم العربي.
      وليس خافيا أن إسرائيل منذ قيامها، وضمن أولوياتها الإستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، النفاذ إلى عمق مصر في إفريقيا، وإيجاد تواجد لها، يمكنها من أن تثير من وقت لآخر، أزمات تشتت القدرة المصرية على الاستقرار والنمو.
      ولما كان التغيير الذي حدث في مصر عام 2013، قد أربك حسابات استراتيجية كان قد تم الترتيب لها، فإن التفكير اتجه إلى استخدام العنصر الإثيوبي في المشكلة، واستغلال فترة التشوش الداخلي في مصر طوال ثلاث سنوات منذ 2011، وذلك بالتوجه مباشرة نحو شريان الحياة في مصر «النيل»، والضغط بشراسة، على منطقة القلب من العالم العربي.

      مارس 11, 2014