روسـيا وأوكــرانـيا.. وأساطير هائمة! - omandaily

    • روسـيا وأوكــرانـيا.. وأساطير هائمة! - omandaily

      روسـيا وأوكــرانـيا.. وأساطير هائمة! | جريدة عمانالسبت, 13 جمادى الأول 1435هـ. 15 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      ديمتري ترينين -
      ترجمة قاسم مكي -
      نيويورك تايمز -
      وقَّع كلٌّ من الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة الأوكرانية اتفاقا يوم الجمعة (21 فبراير) أنهى احتجاجاتٍ دمويةً في كييف بعد أن وعد بدستور جديد وانتخابات مبكرة. ولكن مبعوث الرئيس الروسي لدى كييف رفض التوقيع على الاتفاق. وفي حين أن موسكو رحبت بوضع نهاية للعنف إلا أنها في الأساس اعتبرت الاتفاق إملاءً من المعارضة الأوكرانية المدعومة من الغرب. لقد استولت المعارضة على السلطة في كييف. وموسكو مشفقة من أن الأزمة سوف لن تنتهي عما قريب. فلا تزال هناك بعض الجماعات المتشددة جيدة التسليح. وهنالك انقسامات سياسية وثقافية وإقليمية عميقة في المجتمع الأوكراني. كما أن نُخَبَ أوكرانيا مبعثرة أشتاتا. ووضع البلد الاقتصادي يتدهور بسرعة. إن الفوضى التي تضرب بأطنابها هناك هي في معظمها من صنع أوكرانيا نفسها. وتأثير روسيا على أوكرانيا أقل بكثير مما يتصور الناس. وأكثر الأساطير رواجا حول دور موسكو في الأزمة الأوكرانية تلك الأسطورة التي تقول أن يانوكوفيتش لم يكن سوى دمية تحركها يد الرئيس فلاديمير بوتين. وفي الحقيقة إن بوتين محبط جدا من نظيره الأوكراني. فيانوكوفيتش بالنسبة لبوتين غير مضمون ويتأرجح على الدوام بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. وقد هرب الآن بعد أن صار قوة مستهلَكة تماما من العاصمة كييف إلى خاركوف في شرقي أوكرانيا. وهي مدينة يتحدث أهلها اللغة الروسية. وموسكو تعلم أن أعضاء الأقلية الحاكمة في أوكرانيا الذين اعتاد معظمهم على مساندة يانوكوفيتش معادون إلى حد كبير لروسيا. وعلى الرغم من أنهم في الواقع يحكمون أوكرانيا إلا أنهم يخشون من أن يطيح بهم عمالقة (السوق) الأكثر ثراءً في الجوار. وحتى أولئك الذين كوَّنوا ثرواتهم في روسيا مثل مموِّل الاحتجاجات البترولي بوروشينكو يفضِّلون الاحتفاظ بأموالهم في الغرب. وقد اندلعت الاحتجاجات حين رفض يانوكوفيتش التوقيع على ما يدعى باتفاقية الارتباط بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والتي كان من شأنها تأسيس منطقة تجارة حرة، إلى جانب أشياء أخرى. وعلى الرغم من ادعائه، فإن روسيا ليست هي من جعله يفعل ذلك. لقد أرسلت روسيا إشارة واضحة بأنها لا ترغب في أن توقِّع كييف على الاتفاق حين فرضت عقوبات فعلية على المنتجات الأوكرانية في العام الماضي. ولكن في النهاية فإن يانوكوفيتش كان يسترشد بحساباته الخاصة به وليس بتحذيرات بوتين أو نصائحه. والسبب الأساسي لاعتراض يانوكوفيتش على الاتفاقية كان الخوف من أنه لن يُعاد انتخابه في عام 2015 إذا وقَّع عليها. وفي لحظة من اللحظات أدرك أن الاتفاق لن يأتي بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي. ولم يرَ سبيلا للتعويض عن التدني الذي سيصيب التجارة مع روسيا أو لامتصاص الضربة التي ستلحق بالصناعة الأوكرانية الثقيلة والتي تعود إلى الحقبة السوفييتية. وخلال أشهر الانسدادات في كييف كان دور روسيا الفعلي أكثر تواضعا بكثير مما روجته وسائل الإعلام العالمي أو مروجو الشائعات في كييف. وكان السفير الروسي* لدى أوكرانيا ميخائيل زورابوف يسجل غيابا واضحا عن المشهد العام . وأمر الكرملين كل أعضاء مجلس الدوما بعدم الذهاب إلى أوكرانيا. أما ديمتري روجوزين، وهو نائب لرئيس الوزراء وسفير روسي سابق لدى حلف الناتو ويميل إلى الصراحة في تعليقاته حول الغرب، فقد التزم بالصمت تقريبا فيما يخص أوكرانيا. إن المسؤول الروسي الوحيد الذي أبدى أي قدر من الاهتمام المتواصل بأوكرانيا كان سيرجي جلازييف، مستشار بوتين للتكامل الأوراسي والذي تحدث في مؤتمرات وكتب مقالات حول التكلفة العالية لتحوُّل أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. لقد استقبل بوتين يانوكوفيتش عدة مرات في سوتشي وموسكو. وفي ديسمبر عرضت روسيا شراء سندات حكومية أوكرانية بقيمة 15 بليون دولار (مقزِّمةً بذلك أي عون مشروط يمكن أن يقدمه الاتحاد الأوروبي عبر صندوق النقد الدولي). كما عرضت خفض سعر شحناتها من الغاز إلى أوكرانيا بنسبة الثلث. وتم تقديم هذا الدعم المالي بدون أية شروط لغرضين هما مساعدة أوكرانيا على تجنب عجز محتمل عن سداد ديونها وإبداء حسن النوايا لبناء علاقات اقتصادية أوثق في المستقبل. ولكن كانت تلك مخاطرة بالنظر إلى الالتباسات السياسية في كييف. وربما يكون ذلك التحرك بلا فائدة. لقد تأسست لفتة الدعم التي جاءت من موسكو على اعتقاد عبر عنه بوتين بنفسه فحواه أن الأوكرانيين والروس شعب واحد. من الواضح أن هذا غير صحيح ولو أن السبب في ذلك يقتصر على أن الأوكرانيين أنفسهم ليسوا (أو على الأقل ليسوا) شعبا واحدا. دعونا فقط نقارن بين مدينتي لفيف وسباستبول. فأوكرانيا الغربية التي ضمها الاتحاد السوفييتي في أثناء حكم ستالين معادية بشدة للروس. أما الشرق والجنوب فيتحدثان اللغة الروسية. ومنطقة القرم روسية من الناحية العرقية في معظمها. لقد كان استقلال أوكرانيا من الاتحاد السوفييتي يعني فوق كل شيء للأغلبية الساحقة من نخبة أوكرانيا الاستقلال عن روسيا. ولا يوجد عمليا ساسة أوكرانيون يمكن أن يوصفوا بأنهم أنصار لروسيا. فمثل هذا الموقف يخالف ببساطة طبيعة الفكرة الوطنية الأوكرانية. لذلك فإن عرض بوتين بإيجاد تكامل اقتصادي أوثق بين أوكرانيا وروسيا من خلال إقامة اتحاد جمركي ليس مقنعا جدا للعديد من الأوكرانيين. كما أن الفكرة تنطوى على خطورة محتملة لروسيا. فوفقا لذلك المشروع سيلزم روسيا ضخ أموال كثيرة جدا في أوكرانيا ومنحها نفوذا في الهيئات المشتركة مثل اللجنة الاقتصادية ليوروآسيا مع عدم وجود ضمانة قوية بأن أوكرانيا لن تنسلخ مرة أخرى حين تستعيد عافيتها من ضيقها المالي الحالي. ربما تكون « ثورة فبراير» الأوكرانية بَرَكة مستتِرة بالنسبة لموسكو.* فهي قد تعين على كشف زيف فكرة أن روسيا لا يمكنها أن تكون قوة عظيمة بدون أوكرانيا كشريك أصغر. إن موسكو لا تحتاج إلى أن تحكم المزيد من الناس. إنها بحاجة إلى ترقية المستويات الصحية والتعليمية وظروف العمل الخاصة بشعبها هي نفسها. ورغم شكوك بعض الأوكرانيين فمن المستبعد أن تحاول موسكو تقسيم أوكرانيا من أجل ضم أجزائها الجنوبية والشرقية. فذلك سيعني قيام حرب أهلية في الجوار وروسيا تكره هذه الفكرة. إن أفضَل خيار لموسكو في هذه اللحظة هو عدم التدخل والانتظار وأن تُفضِّل دون ضجة لامركزية الحكم في أوكرانيا. وعلى الرغم من أن الفدرالية يُنظر إليها في كييف وغربي أوكرانيا كخطوة إلى الأمام في اتجاه التقسيم إلا أنها يمكنها في الحقيقة المساعدة في الحفاظ على وحدة أوكرانيا. فبالمزيد من الاستقلال الذاتي المالي والثقافي يمكن للأقاليم المتنوعة في أوكرانيا التعايش بسهولة أكثر وكبح جماح بعضها البعض. إن تعزيز اللامركزية في أوكرانيا سيكون استراتيجية واقعية طويلة الأمد. وذلك شيء تفتقر إليه موسكو حتى الآن.
      * الكاتب مدير مركز كارنيجي موسكو

      مارس 15, 2014