من أي أرض أقرأ - omandaily

    • من أي أرض أقرأ - omandaily

      من أي أرض أقرأ | جريدة عمانالاحد, 21 جمادى الأول 1435هـ. 23 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      تيم باركس -
      ترجمة: أحمد شافعي -
      غريب حقا ندرة ما يقال في أنثروبولوجيا القراءة: من يقرأ ماذا ولماذا وما الذي نفهمه عن بعضنا البعض إذ نرى ما يقرأ الأصدقاء أو نسمع آراءهم المختلفة في ما قرأنا نحن لمرة. شائع بيننا اليوم أنه ما من قراءة “صحيحة” لأي كتاب ـ فلكلٍّ منا لقيته المختلفة في الرواية الواحدة ـ لكن ما أقلّ ما يقال في قراء بأعينهم وقراءات بأعينها، وما أكثر ما يبقى النقاد يقدمون تأويلاتهم راجين لها السطوة، بل راجين القطع.
      فكرت، في ضوء هذا، أنه قد يكون من النافع لو سجّلنا نحن “المحترفين” جميعا ـ على موقع إلكتروني ما سردا وجيزا للطريقة التي بنينا بها آراءنا في الكتب، أو الطريقة التي نحسب على الأقل أننا بنينا بها آراءنا فيها. لو أن كل واحد فينا كتب من أين كان منطلقه، فربما يلقي ذلك ضوءا على اختلافاتنا وإليكم إسهامي.
      بدأت الكتب في حالتي حينما كان أبواي يقرآن لي، فعرفت منذ البداية أن في القراءة خيرا أكيدا كان أبواي، بما يليق لهما وهما القس وزوجة القس من حماسة إنجيلية إلى فعل الخير، يقرآن لنا قصص الأطفال والإنجيل، فما كان مني إلا أن استغللت فيما بعد إيمانهما بما ينطوي عليه جوهر الأدب من خير لأدبر لنفسي مهربا من عالمهما الخانق الذي كانا يرضيان بالعيش فيه ويريدان للجميع العيش فيه.
      عندما كانا يقرآن لنا، نحن ابنتهما وولديهما، ربما على مقربة من مدفأة خامدة الفحم، مع كأس الكوكا المسائي، كانت الكتب تخلق إحساسا بالمعية، فنتحد جميعا في مكان واحد أسرى صوت أبوي واحد، هو في العادة صوت أمي، فيكون من بعد ذلك مخزن مشترك من القصص والحكايات التي جعلت منا أسرة واحدة. ولكنني حينما قرأت وحدي، منقِّبا في الكتب عن رؤية أوسع للحياة، عزلتني الكتب وفرّقت شملنا. وباتت لي آراء وحجج تناقض ما لهم. كنت أقرأ بنهم وقد ركنت إلى ظنهما أن في القراءة ولا شك خيرا. ولكنهما سرعان ما تناولا الكتب* التي أقرؤها لـ [أندريه] جيد و[صمويل] بيكيت، و[فريدريتش] نيتشه، فسالت دموع ونشب صراع. وبعيدا عن الإنجيل وكتب الأطفال، لم تعد القراءة كلها خيرا، وما لم يكن في القراءة خيرا، فهي شر. وشر أكيد.
      وإلى اليوم لم يزل ثمة توتر رهيف في قراءتي، يقوم بين رغبتي في الفكاك بنفسي من المجتمع المحيط وما فيه من أفكار موروثة، ورغبتي في إشراك من يحيطون بي ومن أحبهم في ما أقرأ. في المقابل، كان واضحا لي في مراهقتي أشد ما يكون الوضوح أننا حينما نقرأ منفردين فإن كل فرد في الأسرة سوف يختار ما يختلف من الكتب عن سواه، وأن ما يقرؤه المرء يعلن لا محالة عن موقفه فيما يتعلق بما يعني بيتنا من شؤون. فكان على المرء أن يحذر وهو يشرك الآخرين في كتاب.
      كانت غرفة مكتب أبي ملآنة من الجدار للجدار بالمراجع الإنجيلية، أسفار ضخام ذات أغلفة حمراء باهتة، وصحائف هشة صفراء في كل واحدة منها عمودان وهامش بالإحالات والأقواس والإشارات. وكانت نظرة وحيدة عليها كفيلة بأن أعرف أنني لن أقرأها. ولعلها هي التي غرست في نفسي التبرّم على مدار عمري كله من كل ما بدا من الكتب مفرطا في تقنيته، ومن ذلك على سبيل المثال الأعمال النقدية الحافلة بالرطانة، التي ترتبط لديّ كلها بأبي. كان في غرفة مكتبه تلك شيء ما تعيس ومغلق، كان يكره الضوضاء، ولا يمكن لأحد أن يحاجج معرفته بالنصوص المقدسة. ولأن ما في مكتبته من إحالات متشابكة لم يكن ذا علاقة بالحياة وبالتنفس، فقد خلقت هي وأسرتي مناخا جعل لجوئي إلى الكتب لجوء الباحث عن هواء يتنفسه، لا عن دراسة.
      لم تكن لأمي مكتبتها الخاصة بل كتب في أرفف من خشب الماهوجني قائمة في غرفة المعيشة، وكانت تلك هي كتب الأسرة، حيث الخير ليس نظرية بل مسألة تتعلق بالدفء، بمشاعر الإحسان، أو ربما بالوطنية والاعتزاز بالوطنية. أتصور أن ديكنز كان له نصيب الأسد من تلك الأرفف، تليه بقوة قصص مغامرات طيار بريطاني في الحرب العالمية الثانية يحمل اسما عصيا على التصور هو الكابتن بيجلزورث. وكان هناك “جون بوتشان” و”الحديقة السرية”، و”أبناء الماء”، وطبعا “ثلاثة رجال في قارب”. تلك كانت القراءة المسموحة. وقرأتها كلها، فازددت جوعا عما كنت.
      في نهاية حجيرة صغيرة أسفل السلم، حيث ينبغي لك أن تخر على ركبتيك إذ يلتقي السقف بالأرض، كان ثمة في لفافة من ورق بنيّ ملفوفة بخيط كتاني، كتابٌ صادر في الأربعينيات عن الزواج والجنس، محتويا بعض الإرشادات حول ممارسة الجنس لمن لم تسبق له ممارسته. أشياء من قبيل: لا تتعجل خلع جميع ثيابك. فكر في استمتاع شريكك مثلما تفكر في استمتاعك. هذا الكتاب، الذي لم أنس عنوانه، نفعني أعظم النفع. كان مثيرا أيضا أن أعرف أن والدي الورعين فعلا هذه الأشياء، ومرة أخرى لم يكن لذلك الكتاب أن يظهر على أرفف غرفة المعيشة وسط الكتب الأخرى. كان واضحا أن هناك كتبا خيرة، أو تستهدف الخير، لكن ليس للجميع وليس في أي وقت.
      في غرفة أختي، ذات الجدران المطلية بالوردي، والستائر المشجرة، والملاءات الوردية، كانت الأرفف حافلة بأعمال “جورجيت هاير” وأمثالها من القصص الرومانسية ذات النفس التاريخي. ولا بد أنني في مرحلة ما لاحظت العلاقة بين منظر الأغلفة ومنظر الغرفة. وذلك هو الجو الذي كانت تتحرك فيه أختي. تكبرني أختي بخمس سنوات، وكانت تعزف الجيتار في الكنيسة وتواظب على الصلوات، وكل ما له علاقة بالجنس من قريب أو بعيد كان ينبغي له أن يكون مغلفا بالاحتشام وبالوردي. وقد قرأت ربما نصف جورجيت هاير، لكنني لم أجدها مفيدة.
      أما أخي، فكان أوسطنا، والثائر فينا. وفي مكتبته كنت تجد وسط كتب الخيال العلمي لـ «إيزاك» عظيموف و «جيه جي» بالارد، ودونما حتى محاولة للإخفاء، طبعة شعبية من كتاب عنوانه “لاسو حول القمر” لـ «النرويجي» “أجنار مايكل” صادرا سنة 1954 (سنة ميلادي أنا). كانت الطبعات الشعبية جديدة عليّ، وكانت على غلاف ذلك الكتاب صورة فوتغرافية تعد بنعم حسية لا روحية. فهمت على الفور أن أجزاء فقط من هذا الكتاب هي التي تلزم قراءتها، وكانت مقروءة حتى شبعت قراءة.
      أما غرفتي أنا فكانت محصورة بين غرفتي أختي وأخي. وهي الأخرى فيها أرففها. لم يكن ثمة قصص غرامية تاريخية وردية، وما من بنات يتشبثن بآخر قطعة من ثيابهن من فرط الاحتشام. لم يكن ثمة مراجع، ولا قصص أطفال. كان ثمة قبل فترة طويلة من قدرتي على فهمها، كتب لتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف، وفلوبير، وزولا. وتلك كانت جميعها كتبا أجنبية. مستبعدة. لم تمنحني قط المتع الغبية التي كنت أتوق إليها، لكنها أيضا لم تجعلني يوما أشعر أنني أنغمس بالقراءة في الشهوات، أو أثير بالقراءة نفسي، ولا أنني حبيس صراع مع والدي، شأن أخي في ما كان ظاهرا. لم تكن خيرا أو شرا، بل خيرا وشرا، كان فيها المغامرة والجدل. ولو أن والدي كانا يجعلان العالم إما أبيض أو أسود، فتلك الكتب كانت ملونة ومعقدة.
      على مدار العام الماضي، أو العامين الماضيين، أدركت كيف أن تنظيم الكتب بتلك الطريقة في بيت طفولتي لا يزال يؤثر على قراءتي وكتاباتي عن الكتب. فحينما انتقدت كتابا ككتاب “وحوش مشغولة” لـ وليم جيرالدي، فذلك لأنه بدا لي ممارسة للاستعراض الأدبي، نموذجا للذهنية وقد صارت هدفا في ذاتها، للتباهي الذي لا ينشد إلا حمل القارئ على التسليم بذكاء الكاتب، وكأنه مرجع إنجيلي ولكنه من تأليف أنجار مايكل. وحينما أبديت إعجابي بجوانب لدي “ديف إيجرز” فذلك لأنني أدركت أنه يقسم العالم إلى خير وشر، وحينما تشككت فيه فذلك لأنه بدا لي في النهاية واعظا يخطب. والتحليل الذي قدمته لـ “خمسين درجة من الرمادي” و”ثلاثية الألفية” لـ ستيج لارسن فكان في الغالب عملية فهم لموضعهما في جغرافيا كتب أسرتي. ومن الظريف فعلا أن نجاحهما الهائل يبدوا منطقيا للغاية عند وصفهما بهذه الطريقة. فكلا الكتابين يتيحان لك قراءة القليل من الجنس العنيف بينما أنت منحاز لمحاولات ضارية يبذلها بطل أو بطلة لتخليص العالم من هذه الأشياء. وكل من ينتقل الآن ليقرأ مقالتي في العدد الحالي من هذه الجريدة سيفهم سر انجذابي لرواية “بيتر ماثيسن” وسر تحفظاتي عليها.
      ترى هل سأفلت يوما من هذا؟ أهو سجن؟ هل يجدر بهم التوقف عن تكليفي باستعراض الكتب؟ كلنا لنا مواقف. والهوية إلى حد كبير مسألة تتعلق بنمط ردود أفعالنا عند التعرض لموقف جديد، أو كتاب جديد. والحياد ولا شك وهم. وحيادك تجاه سردية معناه أنك لم تأت من أرضية معينة، معناه أنك لا شيء.
      والتحدي، في تصوري، هو أن يدرك المرء عاداته، وأن يكون مهيأ للأخذ والعطاء، ومستعدا دائما للاندهاش. ولا أزال أتذكر حيرتي، واستمتاعي المتزايد، وأنا أقرأ “بيتر ستام” قبل سنتين: لإحساسي أولا بأن رواياته مختلفة بحق، فما هي مجرد مفرقعات التجريب المزعوم، بقدر ما هو صوت لم تسمعه الآذان من قبل. كان عليّ أن أناضل كي أجد لها موضعا، لأكتشف أين أقف بالنسبة إليها. فـ ستام يؤسس قصصا يقودني تاريخي إلى الظن بأنها ذات مشكلات أخلاقية ـ علاقة جنس طويلة تنتهي بالعشيقة حبلى بغير زواج على سبيل المثال ـ لكن شخصياته تفهمها تمام الفهم في ضوء الخوف والشجاعة، والاستقلال والاتكال. كتابة، لو جاز لي الوصف، تتسم بالجدية الكوميدية في تزامن وعيها بالاشتباك ورفضها للاشتباك مع الجانب الأخلاقي من الأحداث. في النهاية كنت مفتونا. لعلها الكتب التي تزحزح الموقف القديم قليلا، أو ترغمك ـ على أقل تقدير ـ على إعادة التفكير فيه هي الكتب الثمينة حقا. ولكن ما يفعل هذا معي قد لا يفعله معك أنت بالضرورة.
      عن مدونة ذي نيويورك رفيو أوف بوكس

      مارس 23, 2014