قراءة في حقوق الإنسان .. (حق العدالة) - omandaily

    • قراءة في حقوق الإنسان .. (حق العدالة) - omandaily

      د. أحمد بن سعيد الشعيلي -
      dr.ilaw@hotmail.com
      يمكنني أن أعرّف العدل بأنه: مفردة جوهرية تباشر الحياة في المادة والمعنى، وهو ضد الجور، ما قام في النفس الفطرية أنه مستقيم، ومع الناس الحكم بالحق «نقيض الباطل» القائم بالوحي والعقل.
      إن العدالة: مفهوم قديم يشغل العقل الإنساني منذ أزلية تاريخه الوجودي، أي أنها مشغولة تلازم حقيقة المخلوقية في عالم الكائنات، وما تقتضيه من مشروطات تسعى – بالأساس – إلى تحقيق السلام العالمي، ما يفيد، بأن العدالة مصطلح مؤسساتي له بعده التاريخي ومجاله الحضاري، لا ينتمي إلى التشريعات الظالمة، ولا ينتسب إلى الشخصيات الاعتبارية العميلة، نعم… يأتي حق العدالة مكونا ركنيا في حقوق الإنسان بموجباته الضرورية في حياة الناس.
      وعند قراءة المعروضات الدينية، نلاحظ أن النص المقدس يقدّم رؤية عن مفهوم العدالة العالمية، لأن القرآن والتوراة والإنجيل – مثلا – تريد أن تؤنسن القيم والتشريعات في مجالها الدولي، وذلك بالنظر إلى درجتها المرتبطة باللاهوت، وبالنظر – أيضا – إلى كونها تخدم الكائن البشري بالأساس في مشغولاته، حيث الارتباط بالتكوّن الأزلي بصفته الفطرية التي تشكله مادة وروحا…ومن المفردات المخدومة في هذا الإطار، يمكنني أن أسجل مثلا: حقوق الإنسان، التعايش السلمي، التعاون الدولي، أخلاق العناية…لأن من ضرورات النشوء والارتقاء أن يحمل الفرد الصفة المزدوجة في التكليف «المسؤولية – الاستحقاق»، فأسباب البقاء لا تعني، ولا يجمعها غير الحماية والطعام.
      نعم، تأتي العدالة من المعدودات القيمية في مكونات الوحي والمُخرج البشري، كونها من المدلولات السلوكية التي تقوم على الحق والأخلاق والإنصاف، وقاعدة تنطلق منها البحوث والأطروحات في إيجاد المقاييس الأخلاقية والمعايير القانونية، لأن العدل منسوبة مشتركة بين الأرض والسماء، بمعنى، أنه من صفات الذات الإلهية، وقد تعبّد به العباد، فمن نصوص الوحي: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي…»، ما تؤمن به هذه القراءة: أن العدل مأمورة تصدّرت النص المقدّس لأمر مّا، ما دلالته، أن نعلم ضرورته…أن نعي أهميته…أن ندرك بعده الأمني…أن نستوعب قيمته الحضارية…أن نوظّف ديناميته التنموية…نعم، وأن له أشكالا عديدة، فمن أمثالها: العدالة السياسية، والعدالة الاجتماعية، والعدالة القضائية، والعدالة العملية، والعدالة الدينية..
      تقول المادة الثانية «2» من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود»، وتقول المادة السابعة «7»: «كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا».
      بموجب النصوص، تريد العدالة أن تهتم بالتطبيقات العملية في المجال الإنساني… وأن تشتغل بالمكوّنات الخُلقية التي ترغب في نشر* التوصيفات المتمدنة، بحيث تراعي التركيبة الاجتماعية التي من مشاغلها أن تعتني بكامل الطيف المحتوياتي في تكويناته الإثنية والعرقية والدينية والفكرية والسياسية…
      تريد العدالة أن تعتبر التلاحظ المجتمعي والدولي من أساسيات السلم والأمن العالمي… وأن تنظر إلى هذا الكائن الوجودي باعتباره دليل المخلوقات في منظومة السلوك الآمن…تبغي العدالة أن تعتدّ بالتناظم الشعبي والأممي، وأنه التّوظيفة الطبيعية التي تؤطّر المفهومات الفلسفية في علاقات الدول وحقوق الإنسان…فمتى توظّفت أساسيات التعارف بين الشعوب والقبائل، فإنه يمكنك أن تلاحظ حصائده في السلوك والأخلاق..في التنمية والتطوير..في حقوق الإنسان عموما…وفي توثيق الروابط الدولية.
      ومن المقولات المشهورة تاريخا، مقولة الآخر في عمر ابن الخطّاب: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت»، مقولة يمكن لها أن تصوّر قيمة العدالة في الضبط الأمني، وفي الضبطية القضائية، وما هي أساسيات الممارسة السياسية بالأخص؟، وما النظم التي تحكم فنيات علم الاجتماع…هذا يعني أن ابن خلدون «عبدالرحمن» قد استوعب سياقات المقولة حيث «درس…بحث…نظر…حلل…قدّر…» ثم خرج في ضوء قراءاته وملاحظاته خرج بهذا المحكم القاعدي، وهو: بــ«أن العدل أساس الملك، وأن الظلم مؤذن بزوال العمران».
      ماذ يعني هذا الطرح؟
      ما يعنيه هذا المساق، هو أن العدالة تتصف بأنها معروفة معتبرة في الكتاب المسطور – وحيا – كما أنها حاضرة في المقروءات البشرية عندما تفكّر…وعندما تعبّر، بمعنى أنه يمكننا الاستمرار في الحياة متى ما أخذت العدالة مكانها في المجال العملي الفردي، أو على مستوى الهيكل المؤسسي…والرجاء أن تأخذ مفعولها بالتوازي مع منظومة من أخلاق العناية، بحيث يجد كل من يستحق العناية، العناية التي يستحقها، وأن تعمل على أساس شمولي يستغرق الفرد والمجتمع والدولة…لأن العدالة تبدو توليفة من القيم المعيارية المتكاملة.
      تنمو المجتمعات في ظل العدالة المطلقة، وفي مساقات النص الديني عن نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قد أصدر تشريعا تكوينيا فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» لماذا؟؟ حتى يلاحظ الفرد بموجبه – وبصفة تكليفية -* يلاحظ ما أسميه بـ«النظرية الرعائية» المتصلة مباشرة بـ«أخلاق العناية» بما تعنيه من الإحساس الجمعي، فالنص في نتائجه يريد أن يصف ما يجب أن يكون عليه المكوّن الإنساني، النص يريد أن يركّز على أبعاد المكوّن* التعاوني، يأمل في نشر الروح المتسامحة، يرجو أن تتفهّم البشرية مساعي السماء في الدعوة إلى مفاهيم التعايش على أساس «… والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»، هذا ما يمكنني تسميته* بـ«العدل التفاعلي».
      ومن أجل الإنسان، تحتلّ العدالة مكانا أوليا في الملف الوطني، كما أنها معدودة دستورية في العرف العالمي والمواثيق الدولية، فمن المسؤوليات المنوطة بوظيفتها، هي أن تساوي بين الجميع من حيث ضرورة حقوق الإنسان بالنسبة للكل، وهو ما دأبت أن أطلق عليه بـ«النظرية الاستحقاقية». ما معناه، أن العدالة من المعزوفات الديمقراطية التي يشتغل بها الحاكم والمحكوم، لأنها تعدّ متلازمة مع مؤسسة الأمن الداخلي، ومع مفهوم التعايش المدني بين مركبات الشعب الواحد…وصلته بالاستقرار المجتمعي…يضاف إليها ملفات التنمية المستدامة في كل المجالات ذات الصلة بالمشروعات الحيوية.
      ما تحاوله مقالتي، هو الإفادة بأن العدالة لا يجب أن تكون مادة إعلامية فقط، بل يجب أن تكون من المهام والمسؤوليات التي تعنى بها المؤسسات الرسمية والمدنية…ففي النهاية، فإن ما يهم «الفرد..المجتمع..المؤسسة..الدولة» هو أن يشعر صاحب الحق بنزاهة التطبيقات العدلية في كافة صورها السياسية منها والاجتماعية والثقافية والوظيفية والاقتصادية والتجارية… وهذا يرتبط وثيقا بمبادئ علوم الأناسة في مادة القانون الدولي المنشغلة بالعلاقات الدولية وحقوق الإنسان.
      وفي مستوى العلاقات الخارجية، فإن العدالة الدولية تتطلب بيئة سياسية تقبل لغة الحوار في مستوى أول، كما تأمل أن يتفعّل دور الأمم المتحدة بكامل هياكلها المؤسسية – في مستوى ثان – حتى لا توصف بأنها ليست سوى موقف سياسي أكثر مما هي نظام عالمي فاعل، هذا المسعى يشترط صدق النوايا بين الشخصيات الدولية، يشترط أن تساعد الأطراف المعنية على الخروج من مأزق التجاذبات المصلحية – سياسيا – التي تتم على حساب الإنسان، في ضوء هذه الصيغ النموذجية، يمكن أن تجد العدالة طريقها نحو التطبيق والموضوعية.
      لن أذهب بعيدا في مطروحة التنظير الفلسفي بخصوص الأهمية العدلية في تعايش المجتمع الدولي، فبغيتها أن ترى كل دولة…كل مجتمع…كل فرد…قائم على نفسه، فتسعى أو يسعى جادا في الممارسات الوطنية، وأن يلتزم بالمحافظة على قيمه…على مرتكزاته…على ثوابته…على مقدراته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية…لأن من طبيعة «الدفع الذاتي» – كما أسميه – أن يحكم الفعل والفاعل في إيجابية مثالية…لماذا؟؟ لأن له قوة تأثير فعلية، فما تعمل لأجله سياسة العدالة، هو التطلّع إلى إيجاد مجتمع سليم…ترغب في تنمية التواصل الاجتماعي…تحرص على تطوير الشراكة بين الفرقاء…كما تشاء* – فوق ذلك – أن تمتّن العلاقات بين الدول على مختلف الأصعدة…كل هذا من مؤثراتها.
      إن من مسؤولية المقال العلمية، أن يقدّم الإجابة عن مفاهيم العدل…عن نتائجه…عن حضوره في سؤالهم عن أسباب العيش الكريم، عن السلم والأمن الدوليين، عن الاستقرار والتنمية المستدامة…من مسؤوليته، أن يضاعف المؤكدات بكون العدل مادة تغذي إيجابية التفاعل العالمي، وباعتباره ديانة قيّمة بالنسبة للإنسان والحياة والمجتمع…من مسؤوليته – أخيرا – أن يضع رؤيته الخاصة عن حق العدالة، وأن ينظّر له، وأن يضيف ورقة في ملف التعايش الإنساني المستند إلى التكوين البيداغوجي.