((يمكن أن يقال أن الحياة نشأت بفعل الخالق سبحانه وتعالى لأن الجميع متفقون على أن قوة عليا تسيطر على كل الأشياء من أصغرها إلى أعظمها، من الذرة إلى النجوم)).
تمعن بهذا القول، ثم لنضع أمامك ((فرضيتين)) وضحت كل واحدة منهما كيف ظهرت الحياة.
ـ الفرضية الأولى في أصل الحياة:
فسَّر ((ريتسر)) سنة 1865 ظهور الحياة على الأرض بقله: إن الحياة أزلية وإنها انتقلت من نظام كوكبي إلى نظام آخر ((أي من كوكب في الفضاء إلى آخر)) على شكل ((هباءات)) حية Spores أو كوزوموزونات، وعندما تصل هذه الباءات إلى كوكب ما ذي ظروف تلائمها، تبدأ بالتكاثر والتطور حتى تبلغ أعلى أشكال الحياة. وأيده بذلك ((سافانتي ارهينس)) فبين أن هذه ((الكوزوموزونات)) التي تحمل الحياة، لا تنفك تتجول في أنحاء العالم ((الكون))، وأنها تستطيع أن تكتسب أثناء جولاتها في الفضاء الشاسع سرعة كبيرة، وقال: بأنها تدفع بواسطة الضغط الإشعاعي للنور الساطع من النجوم، واستنتج هذا العالم، بأن الهباءة النباتية الصغيرة يحملها تيار هوائي صاعد إلى حدود الجو العليا، ثم تقذف بواسطة الإشعاع الصادر عن الشمس، فتكتسب سرعة مائة كيلومتر في الثانية، فإذا سارت تلك الهباءة بهذه السرعة، فإنها تستطيع أن تصل ببضعة شهور فقط إلى الكواكب الأخرى في نظامنا الشمسي، وفي عشرة آلاف سنة تستطيع هذه الهباءة بنموها وتطورها، أن تملأ المسافة التي بيننا وبين أقرب نجم إلينا.
ـ ومما قاله أصحاب هذه الفرضية على وجه الدقة:
إن هذه الهباءات تستطيع أن تكتسب في حالات الجفاف قدرة على التفريخ تدوم زمناً طويلاً، وأنها لا تتكاثر بالبرودة الشديدة، وأنها تستطيع أن تستأنف حياة جديدة في أي عالم تذهب إليه: ((شريطة أن تجد الظروف فيه ملائمة لنموها)).
والنقد الذي يوجه لهذه الفرضية بعد تحليلها تحليلاً دقيقاً هو ما يلي:
1 ـ من أين جاءت الهباءة الأولى؟ الدين يقول للعلم: لماذا نبدأ تفسير الحياة من بداية مبتورة، تفترض هباءة فيها حياة، ومنها وجدت هباءات بها حياة، انتشرت بين الكواكب، فمن المسبب الأول، أو الموجود الأول للهباءة الأولى؟
2 ـ هل فسرت الحياة بسرها الغامض بإرجاعها إلى هباءات فيها حياة؟ كيف دبت الحياة في الهباءة الأولى؟
3 ـ الهباءات مجهولة، لم تر آثارها مطلقاً في علم الجيولوجيا ((علم طبقات الأرض))، وهي فرضية منذ ملايين ملايين السنين أو (الأزل حسب نص الفرضية)، ونحن نعرف أن تاريخنا الذي له آثار مذكورة مدروسة، إذا رجع إلى قبل 3000 قبل الميلاد ((قبل عصر الكتابة)) أصبح تاريخاً ظنياً لا يرقى إليه اليقين.
4 ـ رغم قول الفرضية إن الهباءة تستطيع التفريخ في كوكب جاف لا ماء فيه، فإن علم الفلك، لم يثبت حياة مثل حياتنا البشرية على كواكب أخرى، ثم ما دام أنها تستطيع أن تفرخ في كواكب لا ماء فيها، لماذا لا نجد أثراً لحياة في الكواكب الأخرى؟ فالمفروض أن تكون حياة تلك الكواكب، كحياتنا البشرية أو أرقى لأن عمر المجموعة الشمسية واحد.
5 ـ نسي أصحاب الفرضية، أن هذه الهباءات مهددة ((أن وجدت)) في رحلاتها المفروضة إلى خطر شديد، ألا وهو خطر التجمد، وبالتالي الموت المحقق من شدة البرودة. وهي مهددة بخطر أكبر، ألا وهو خطر ((الأشعة الكونية)) إن أشعة الشمس فوق البنفسجية، تقتل أي كائن جرثومي أو كائن حي، فهذه الهباءات المفروضة، ستباد حتماً قبل أن تتمكن من الوصول إلى أقرب كوكب، بتأثير الأشعة الكونية.
6 ـ من المفروض، أن نجد تكون حياة في ظروف بدائية على ظهر أرضنا، ما دام هذا الكوكب ملائماً لها، ونرى أشكال تطورها في جميع مراحلها. وهذا ما لا نراه، ((وسنتوسع بهذه النقطة في الفرضية الثانية)).
7 ـ لم تذكر الفرضية ما هي الظروف المناسبة، بل تكتفي بذكر ((ظروف)) و ((مناسبة)).
ما هي الظروف؟ وكيف كانت مناسبة؟ لا أحد يدري؟ ..
8 ـ ترمي هذه الفرضية إلى أزلية الحياة، وهذا ادعاء يرفضه العلم، ولا يحل مشكلة، وماذا بعد الأزل؟ وكيف نفسر أو نصف كلمة أزل؟ وما هو الأزل بحد ذاته؟ وبالمناسبة لـ ((كانت)) الفيلسوف المعروف كلمة بهذا المعنى لهذا الكلام، حيث يقول: لا نريد أن نعترف بالأزلي الأول والأخير الذي هو الله ((الموجد)) للأشياء كلها، فنقلنا صفة الأزل من الله لخلقه، للأشياء، مكابرة منا، وهو ما لا يرضاه العقل، ما دامت الأشياء متغيرة، والأزلي لا يتغير.
وبناء على الواقع المدروس إن الكون كله لا يعرف الأزلية في صفاته فهذه النجوم والشموس كلها ليست أزلية، وكما يقول جورج جاموف ((فرضية الهباءات ليس لها من قيمة اللهم إلا إذا اعتبرناها ضرباً من الخيال)).
ـ الفرضية الثانية في أصل الحياة:
افترضت هذه، إن جو الأرض الأول، كان يختلف في تركيبه اختلافاً تاماً عن تركيبه الآن، وهو فرض تؤيده ولا شك الدراسات الفلكية. فقد كانت تكثر فيه مركبات الكربون وعلى رأسه غاز ((الميتيلين)) أو غاز المستنقعات، وتحت تأثير ضوء الشمس، اتحد أغلب غاز المستنقعات ((الميتيلين)) الموجود في الجو الأول مع جزئيات الكربون الكبيرة، وظهرت بمضي الوقت مركبات شبه عضوية، جرفتها مياه الأمطار من الوديان أو الطين المشرب بها إلى المحيطات والبحار، حيث أتيحت لها فرصة اتحاد بعضها مع بعض. ثم مع عناصر أخرى والأوكسجين والآزوت والحديد والكبريت .. المذاب في ماء البحر، فظهرت أغلب مركبات الكربون.
واستمر سير العمليات سيراً حثيثاً زهاء ألف مليون سنة امتلأت بعدها البحار بنوع من ((محلول عضوي))، إذ لم تكن هنالك أحياء تلتهم ذلك المحلول أو تستنفذه أو لا بأول، وبطبيعة الحال لا يوجد هذا ((المحلول العضوي)) اليوم في البحار التي تعج بالكائنات الحية الدائبة على استهلاك مثل هذا ((المحلول العضوي)) فإن هو وجد في لحظة من اللحظات، نفذ في الحال واستهلك.
وتقول هذه الفرضية: إنه في لحظة من لحظات الأرض السعيدة، و ((بمحض المصادفة))، أنجبت إحدى العمليات الكيمياوية التي كانت تجري حسبما اتفق، تحت مختلف الامتحانات، وتتكرر بشكل يفوق حد الوصف والخيال، جزئيات من مركبات الكربون لها بعض خواص الحياة، من حيث إمكانات النمو والتكاثر بالانقسام والتغذية، وسرعان ما شرع التناسل بين هذه الجزئيات، فامتلأت البحار، وبعد أجيال، تشكلت جميع الكائنات، وتفرعت إلى نوعين: فرع الحيوان وفرع النبات.
والآن ما هو النقد الذي نوجهه إلى هذه الفرضية؟ الدين والعلم يسألان:
1 ـ لم توضح هذه الفرضية، شكل ذلك الوليد الأول، أو تلك الجزئيات الأولى كيف كانت؟
2 ـ ليس لنا أن نصدق عقلياً، إن الظروف الطبيعية التي ساعدت على ظهور الوليد، هي نفسها التي عملت على بقائه والمحافظة عليه، خلال العصور برمتها!
3 ـ لاحظ معي هذه الكلمات التي وضعها أصحاب النظرية ((لا نحن)):
((أتيحت لها الفرصة ـ امتلأت بعدها البحار بنوع من محلول عضوي ـ بمحض المصادفة ـ إحدى العمليات الكيمياوية ـ حسبما اتفق ـ وتتكرر بشكل يفوق حد الوصف والخيال ... )).
كل هذه الكلمات، فيها غموض وهروب من نقط حساسة، أو ترقيع للفرضية. تمعن معي الكلمات السابقة، فتجدها تجعل الفرضية ترتكز على ((قضبان من السكر)). إذا بتها مياه البحار التي عاشت فيها الجزئيات الأولى؟!!
فهذه الفرضيات لا سبيل للتدليل عليها وإثبات صحتها، إلا فرضها علينا.
4 ـ يرفض العلم، والرياضيات خاصة ((مبدأ المصادفة)).
5 ـ هل هذه العملية التي وصفت آنفاً في الفرضية، والتي حدثت حسب قول أصحابها ((في الماضي المظلم من تاريخ الأرض)) قد وقعت مرة واحدة وتوقفت، أم أنها ما زالت مستمرة الوقوع حتى وقتنا الحاضر؟ وما دامت الظروف اللازمة لتطورها هي نفس الظروف اللازمة لنشوئها فما الذي يمنع أن تنشأ اليوم كائنات حية، كالكائنات الحية الأولى من المادة غير العضوية؟
فَيُرَدُّ علينا بقول بعضهم:
إن كمية المواد العضوية، التي ذابت في الأصل في مياه المحيطات القديمة، نقصت اليوم نقصاً كبيراً بسبب استهلاك قسم منها في بناء النباتات والحيوانات. هذا صحيح، ولكن مياه المحيطات، ما تزال تحتوي على كمية كبيرة من المادة العضوية، التي نشأ قسم كبير منها، من تحلل الكائنات الحية المتعفنة، إذن لماذا لا تنشأ اليوم من هذه المادة الموجودة في المحيطات، ((حياة كالحياة القديمة؟)).
ورُدّ على الكلام السابق فعلاً بما يلي: لو نشأت اليم حياة جديدة ولو تكونت كائنات حية أولية، كالكائنات الحية القديمة الأولى، لأكلتها حيوانات العصر الحاضر المتطورة، فهذه الحيوانات المتطورة لا تسمح لمثل هذه الكائنات الأولية بالتطور وإنشاء حياة خاصة بها!!.
إذا صحت وجهة النظر هذه، فإن المحيط يجب أن يكون في وقتنا الحاضر خالياً من أي شكل من أشكال الحياة البسيطة، ما دام هناك أسماك على استعداد لافتراسها، حالما تنشأ ولكن هل وجهة النظر هذه صحيحة؟ إذا كانت صحيحة، فيجب أن نتوقع بألا يكون على وجه الأرض عشب، ما دام هناك أبقار ستأكله، ونتوقع أن لا يكون في الأرض أبقار ما دام هناك انسان سيأكلها وهكذا ..
6 ـ وهذه النظرية تتضمن ((التولد الذاتي)). والتولد الذاتي، مرفوض أيضاً، ((لأن المكروبات كغيرها من أشكال الحياة الأخرى تنشأ وتتولد فقط من أشياء حية مماثلة قائمة من قبل)).
فماذا بعد؟ ماذا إذن؟!!
من أين الحياة؟ من أين جاءت؟
أفلا يجب علينا أن نرجع إلى كلام ((فردريك الن)) في كل شيء عن البحر، الذي يطابق العقل والفكر السليم والعلم أيضاً، فنركز عليه لأن لا حل ثان غيره؟ وهو الذي قال: نشأت الحياة بفعل الخالق سبحانه وتعالى.
منقــــوول
تشكراااااااااات