محمد بن عيد العريمي -
كنت سُعدت، رغم مشقة المهمة وقصور التجربة، بالمشاركة في عضوية لجنة تحكيم مجال “القصة والرواية” في مسابقة المنتدى الأدبي السنوية لعام 2013م، بصحبة الأكاديمي والناقد الدكتور محسن بن حمود الكندي، والباحثة منى بنت حبراس السليمية.
لن ادعي أني مارست قراءة منهجية تستضيء بأدوات نقدية معروفة، ومعايير موضوعية تُطبَّق على النصوص المُشارِكة، فقد اعتمدت لاختيار أفضل ثلاثة نصوص، من بين النصوص التي تقدمت للمنافسة، على ذائقة القارئ ليس إلا!
ويبقى أني كنت يقظاً خلال عملية الفرز، واضعاً نصب عينيَّ التعريف التقليدي للقصة القصيرة وشروطها، التي تبدأ بمقدمة لحدث يتطور حتى يصل إلى النهاية ضمن حبكة سردية مشوقة تحددها موهبة الكاتب.
قراءتُ أولاً النصوص، وعددها 31، قراءة سريعة بهدف وضع قائمة قصيرة تضم عشرة نصوص، ثم أجريت قراءة متأنية ودقيقة للنصوص العشرة؛ فوقع اختياري على ثلاثة منها، بدت لي أنها استوفت معايير وشروط القصة القصيرة وتميزت عن غيرها بأسلوب السرد الحديث وجدية الموضوعات، ثم أعدت قراءة القصص الثلاث أكثر من مرة، وفي الأخير وقع اختياري على قصة «ذَاتَ حُلُمْ» للقاصة عائشة بنت محمود النقبية للفوز بالمركز الأول.
لقد تبين لي من خلال قراءة هذه النصوص أنه من السهل أن أقول إن هذا النص أو ذلك ليس قصة، ولكن من الصعوبة بمكان أن أقول إنه قصة، لذلك كان فرز العناوين المشاركة مهمة صعبة.
لماذا “ذات حلم” دون غيرها؟
هذه القصة تتماهى مع واقع حال شريحة واسعة من شباب الوطن، حيث تكشف عن معاناتهم وسعيهم المرير لتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة. إنها عن معاناة شاب قروي اسمه حميد.. ترك قريته ومزرعة أبيه، التي “لا تُطعم خبزا”، وذهب الى مسقط للعمل، لكنه وجد نفسه يعمل في وظيفة مرهقة وغير مجزية تبدأ من الفجر وتستمر إلى المغرب، ورغم ذلك لن تحُقق له حلمة البسيط الذي ترك من أجله قريته وأسرته.. الحلم الذي يشير إليه السارد، زميله في الغرفة بقوله: “يواري خلف ابتسامته الساخرة حزنا تقاسمه مناصفة مع الوجع، وجل أحلامه بيت صغير لا يتساقط من سقفه الماء حينما تمطر السماء، وسيارة “بيك آب” ولو كانت ذات طراز قديم”. ويلخص حميد، في حواره مع صديقه، بلسانه، مأساة جيله: “استبيحت أحلامنا وما عدنا نعرف من نحن؟!”. استخدمت الكاتبة في نصها هذا تقنية سردية امتازت بالإيجاز، والابتعاد عن المباشرة الفجة، وبعبارات سلسلة لا تكلف فيها ولا مبالغة في استخدام شاعرية القص، وظلت يقظة ومدركة أن الإطالة في السرد والحوار لن يخدم النص، وإن كان هناك مشهد لا ضرورة له وكان بالإمكان الاستغناء عنه دون الاخلال بموضوع القصة.. “صوت فيروز الذي يأتي من داخل سيارة تقف قريباً من الصدقين”. كان بوسع الكاتبة أن تختار أغنية يمكن توظيف كلماتها مع طبيعة الحوار الجاري بين الصديقين، وانما تحدثت عن اعجاب السارد بصوت فيروز قائلة: “فكرت في إحدى المرات أن أقتني شريطا لها”.
حبكة سردية واضحة
تميزت قصة “ذات حلم” بمتانة بنائها وبحبكة سردية واضحة، فمنذ البداية وحتى فقرتها الأخيرة، ظلت محتفظة بعنصر التشويق، وبدت في الوقت نفسه، مفتوحة على تأويلات متعددة، فبين سطورها تحمل قدرًا من الغموض. وعلى الرغم من وجود اشارة في بداية القصة توحي باستعداد هذا الشاب تبرير وسيلته لبلوغ غايته، “لا شيء يرفعني غير المال”، حسب قوله، إلا أنها لا تلفت الانتباه ولا تنوه بطبيعة نهاية القصة.. لا سيما أنها صدرت عن شاب قروي “سحقت أحلامه شوارع مسقط المزدحمة”، حسب وصف السارد له.
كما أن السارد (صديق حميد وزميله في الغرفة وربما من نفس الخلفية الاجتماعية) لم يلعب دور الوعظ الاخلاقي أو الديني، ففي أكثر من مناسبة كان يلوم نفسه على أنه لم يكن صديقاً جيدًا، فهو رغم أنه يشترك مع حميد في غرفة متواضعة بالسيب ويلازمه بعد ساعات العمل كظلة، إلا أنه اكتشف أنه لم يقترب منه بما فيه الكفاية ليتعرف على همه وقلقه على مستقبله إلى أن أطلعه حميد على خبر أثار دهشته:
“لقد حصلت على عمل اضافي”. استغراب زميل حميد لا يعود للعمل وإنما خوفًا على صحته، ليكتشف ذلك الصديق في الأخير أن عمل صديقه وشريكه في الغرفة الاضافي يندرج تحت طائلة الممنوعات، عندما داهمت الشرطة غرفتهما.
نقطة التنوير
نهاية القصة أو رسالة النص أو كما تسمى فنيًا “نقطة التنوير” جاءت مفاجأة وغير متوقعة، وعملت سحرها في إحداث الادهاش، غير أن المؤلفة لم تتوقف عند تلك النقطة أو ذلك الموقف، فقد تدخلت وصنعت من السارد (الصديق) أبًا مثالياً: “وأمام إلحاحي الشديد انهار واعترف لي بكل شيء.. كان متمسكاً بعبارة “الغاية تبرر الوسيلة”، ويتسأل: “ما الذي زرعوه في عقله أولئك الحثالة الذين كان يصاحبهم… وجدت نفسي بعد ساعات من الحديث معه أسلمه بيدي لمركز الشرطة”.
ثم يقول لنا إنه اكتشف عندما أخذ يبحث في اوراق صاحبه أن حميد كان يقرأ للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. هذه الاضافة التي لا علاقة لها بموضوع القصة، وربما سيستنكرها القارئ قبل الناقد، تشير ـ كما أظن ـ إلى أن الحاجة وراء انحراف ضعفاء النفوس بغض النظر عن ثقافتهم ومستوياتهم التعليمية، فالكل يتساوى أمام ضغوط الفقر والفاقة!
يقول الدكتور محمد زروق: “من فضل القصة القصيرة انها تعطيك في وجيز من اللفظ وقليل من الشخصيات وبسيط من الاحداث جام المعاني، وأن تفتح لك سبل التدبر والتفكر”، وأضيف “والمتعة” أيضا، وهذه الشروط في ظني وفرتها قصة “ذات حلم” بامتياز.
كنت سُعدت، رغم مشقة المهمة وقصور التجربة، بالمشاركة في عضوية لجنة تحكيم مجال “القصة والرواية” في مسابقة المنتدى الأدبي السنوية لعام 2013م، بصحبة الأكاديمي والناقد الدكتور محسن بن حمود الكندي، والباحثة منى بنت حبراس السليمية.
لن ادعي أني مارست قراءة منهجية تستضيء بأدوات نقدية معروفة، ومعايير موضوعية تُطبَّق على النصوص المُشارِكة، فقد اعتمدت لاختيار أفضل ثلاثة نصوص، من بين النصوص التي تقدمت للمنافسة، على ذائقة القارئ ليس إلا!
ويبقى أني كنت يقظاً خلال عملية الفرز، واضعاً نصب عينيَّ التعريف التقليدي للقصة القصيرة وشروطها، التي تبدأ بمقدمة لحدث يتطور حتى يصل إلى النهاية ضمن حبكة سردية مشوقة تحددها موهبة الكاتب.
قراءتُ أولاً النصوص، وعددها 31، قراءة سريعة بهدف وضع قائمة قصيرة تضم عشرة نصوص، ثم أجريت قراءة متأنية ودقيقة للنصوص العشرة؛ فوقع اختياري على ثلاثة منها، بدت لي أنها استوفت معايير وشروط القصة القصيرة وتميزت عن غيرها بأسلوب السرد الحديث وجدية الموضوعات، ثم أعدت قراءة القصص الثلاث أكثر من مرة، وفي الأخير وقع اختياري على قصة «ذَاتَ حُلُمْ» للقاصة عائشة بنت محمود النقبية للفوز بالمركز الأول.
لقد تبين لي من خلال قراءة هذه النصوص أنه من السهل أن أقول إن هذا النص أو ذلك ليس قصة، ولكن من الصعوبة بمكان أن أقول إنه قصة، لذلك كان فرز العناوين المشاركة مهمة صعبة.
لماذا “ذات حلم” دون غيرها؟
هذه القصة تتماهى مع واقع حال شريحة واسعة من شباب الوطن، حيث تكشف عن معاناتهم وسعيهم المرير لتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة. إنها عن معاناة شاب قروي اسمه حميد.. ترك قريته ومزرعة أبيه، التي “لا تُطعم خبزا”، وذهب الى مسقط للعمل، لكنه وجد نفسه يعمل في وظيفة مرهقة وغير مجزية تبدأ من الفجر وتستمر إلى المغرب، ورغم ذلك لن تحُقق له حلمة البسيط الذي ترك من أجله قريته وأسرته.. الحلم الذي يشير إليه السارد، زميله في الغرفة بقوله: “يواري خلف ابتسامته الساخرة حزنا تقاسمه مناصفة مع الوجع، وجل أحلامه بيت صغير لا يتساقط من سقفه الماء حينما تمطر السماء، وسيارة “بيك آب” ولو كانت ذات طراز قديم”. ويلخص حميد، في حواره مع صديقه، بلسانه، مأساة جيله: “استبيحت أحلامنا وما عدنا نعرف من نحن؟!”. استخدمت الكاتبة في نصها هذا تقنية سردية امتازت بالإيجاز، والابتعاد عن المباشرة الفجة، وبعبارات سلسلة لا تكلف فيها ولا مبالغة في استخدام شاعرية القص، وظلت يقظة ومدركة أن الإطالة في السرد والحوار لن يخدم النص، وإن كان هناك مشهد لا ضرورة له وكان بالإمكان الاستغناء عنه دون الاخلال بموضوع القصة.. “صوت فيروز الذي يأتي من داخل سيارة تقف قريباً من الصدقين”. كان بوسع الكاتبة أن تختار أغنية يمكن توظيف كلماتها مع طبيعة الحوار الجاري بين الصديقين، وانما تحدثت عن اعجاب السارد بصوت فيروز قائلة: “فكرت في إحدى المرات أن أقتني شريطا لها”.
حبكة سردية واضحة
تميزت قصة “ذات حلم” بمتانة بنائها وبحبكة سردية واضحة، فمنذ البداية وحتى فقرتها الأخيرة، ظلت محتفظة بعنصر التشويق، وبدت في الوقت نفسه، مفتوحة على تأويلات متعددة، فبين سطورها تحمل قدرًا من الغموض. وعلى الرغم من وجود اشارة في بداية القصة توحي باستعداد هذا الشاب تبرير وسيلته لبلوغ غايته، “لا شيء يرفعني غير المال”، حسب قوله، إلا أنها لا تلفت الانتباه ولا تنوه بطبيعة نهاية القصة.. لا سيما أنها صدرت عن شاب قروي “سحقت أحلامه شوارع مسقط المزدحمة”، حسب وصف السارد له.
كما أن السارد (صديق حميد وزميله في الغرفة وربما من نفس الخلفية الاجتماعية) لم يلعب دور الوعظ الاخلاقي أو الديني، ففي أكثر من مناسبة كان يلوم نفسه على أنه لم يكن صديقاً جيدًا، فهو رغم أنه يشترك مع حميد في غرفة متواضعة بالسيب ويلازمه بعد ساعات العمل كظلة، إلا أنه اكتشف أنه لم يقترب منه بما فيه الكفاية ليتعرف على همه وقلقه على مستقبله إلى أن أطلعه حميد على خبر أثار دهشته:
“لقد حصلت على عمل اضافي”. استغراب زميل حميد لا يعود للعمل وإنما خوفًا على صحته، ليكتشف ذلك الصديق في الأخير أن عمل صديقه وشريكه في الغرفة الاضافي يندرج تحت طائلة الممنوعات، عندما داهمت الشرطة غرفتهما.
نقطة التنوير
نهاية القصة أو رسالة النص أو كما تسمى فنيًا “نقطة التنوير” جاءت مفاجأة وغير متوقعة، وعملت سحرها في إحداث الادهاش، غير أن المؤلفة لم تتوقف عند تلك النقطة أو ذلك الموقف، فقد تدخلت وصنعت من السارد (الصديق) أبًا مثالياً: “وأمام إلحاحي الشديد انهار واعترف لي بكل شيء.. كان متمسكاً بعبارة “الغاية تبرر الوسيلة”، ويتسأل: “ما الذي زرعوه في عقله أولئك الحثالة الذين كان يصاحبهم… وجدت نفسي بعد ساعات من الحديث معه أسلمه بيدي لمركز الشرطة”.
ثم يقول لنا إنه اكتشف عندما أخذ يبحث في اوراق صاحبه أن حميد كان يقرأ للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. هذه الاضافة التي لا علاقة لها بموضوع القصة، وربما سيستنكرها القارئ قبل الناقد، تشير ـ كما أظن ـ إلى أن الحاجة وراء انحراف ضعفاء النفوس بغض النظر عن ثقافتهم ومستوياتهم التعليمية، فالكل يتساوى أمام ضغوط الفقر والفاقة!
يقول الدكتور محمد زروق: “من فضل القصة القصيرة انها تعطيك في وجيز من اللفظ وقليل من الشخصيات وبسيط من الاحداث جام المعاني، وأن تفتح لك سبل التدبر والتفكر”، وأضيف “والمتعة” أيضا، وهذه الشروط في ظني وفرتها قصة “ذات حلم” بامتياز.