رماد.. حضور - omandaily

    • رماد.. حضور - omandaily

      عبدالله المعمري -
      هنالك لحظات تمر بنا، توقض في أعماقنا مجموعة من المشاعر والأحاسيس التي ننتظرها منذ زمن، نكون في ترقب طويل لحدوثها، وقد نتجرع الألم من أجلها، ولكن قد لا تحدث للكثيرين منا، إلا بطول الأمل، والسعي نحو إيجاد فرص الحصول عليها، إن لم يتأخر الوقت في تحققها بواقع ما كنا نتمناه.
      لحظة خلتها أشبه بلحظة ميلاد طفل تعطش إلى وجوده والداه، انتظار دام سنوات، وفي غمضة عين وانتباهتها، غير الله ذلك الحال، إلى وجود طفل بين أكناف هذين الوالدين، لترتسم السعادة على محياهما، وتتسارع نبضات قلبيهما فرحا وسرورا، فما أجملها من لحظة تتعاقبها لحظات، قد تفقد مع تعددها خصوصية لحظة الميلاد.
      هكذا يتواجد الناس في مسار حياتنا، في لحظة ميلاد وجودهم، ثم يكبرون، ولكنهم يتجاهلون أهمية تلك اللحظة التي إضاءة ما بين مشارق الروح ومغارب الجسد، برحيل سبق الميلاد. لحظة وميضها كاد أن يعانق الثريا، ويجوب مساحات واسعة في تلك النفس المثقلة بالأحزان، لتهبها بفضل الله، يقينا باستمرارية الحياة، ومحطاتها المتناهية في الصغر من حيث تحقيق المصير، ولتكون لحظة الحضور البشرية أجمل من لحظات الغياب، وإن تعددت الثانية وتكررت، وندرت الأولى وتحجرت.
      قلوبنا كالأشجار التي تحيط بمياه نهر الحياة المتدفق من ينبوع الحب، لترتوي من تلك المياه بجذورها الممتدة إلى أعماق الأرض التي هي في أساسها أرض النهر الجاري، فمهما اعتلت أو ازداد نموها، يبقى انتماؤها للحياة متصل بتلك المياه، وكذلك لحظات الحضور تشكل في مضمونها تفاصيل إحساس مفقود، متأصل بجذور تمتد من القلب إلى مساحات النفس لتصل إلى الروح التي هي أساس الحياة، ومستقر الحب، ومسكن العشق، وحاضنة المشاعر النقية، والمانحة للعطاء وإن قل آخذوه، وكثر طالبوه بلا استحقاق.
      فرحم الله أصحاب ومضات الحضور في أعماقنا، المادين جذور وجودهم مع غيابهم في الأعماق، المتصلين بالروح، فكم من ومضة حضور أنارة زوايا مظلمة، وشقت طريق النور لأنفس أرهقتها قيود الظلم، وبعثت فيها الأمل للغد المشرق، وأرست بها السكينة لأنفاس الصعداء، ومودة لن تنتهي، حتى بعد الوفاة.