د. سليمان الغتامي: لا حضارة بدون قيم - omandaily

    • د. سليمان الغتامي: لا حضارة بدون قيم - omandaily

      أعد دراسة عن اهتمام الأسرة العمانية بتربية الأبناء لمواجهة العولمة -
      تواجه مجتمعاتنا الإسلامية اليوم وأكثر من أي وقت مضى الكثير من التحديات والعقبات التي تحاول أن تدفع بها بعيدا عن أداء دورها في العطاء القيمي والثقافي، وتحول دون تحقيق رسالتها الخالدة ومشروعها الحضاري ذي الأبعاد الإنسانية والإسلامية والعربية، وشهدت الأمة اليوم تغيرات واسعة حيث ساهمت المعرفة المتفجرة بعولمتها إلى حد كبير في تغيير الأنماط الثقافية الإسلامية السائدة في كافة المجتمعات، ولقد كان لتطور وسائل الإعلام والاتصال بين مجتمعات اليوم الاثر الكبير في التغيرات الثقافية الحالية، وقد أثرت التغيرات التكنولوجية على أنماط التفكير، وأصبح الإنسان ولعاً بالنمط الثقافي الجديد، ومن هذا المنطلق قدم الدكتور سليمان بن سيف الغتامي دراسة عن تقويم واقع الأسرة العمانية في تربية ابنائها لمواجهة العولمة في ضوء القيم الإسلامية من وجهة نظر الاباء والامهات.. وبدوره التقى مرايا الدكتور الغتامي وأجرى معه الحوار التالي حول هذه الدراسة :
      ما الهدف من اعداد الدراسة ؟
      هدفت الدراسة الى تقويم اهتمام الأسرة العمانية بتربيه ابنائها في ضوء القيم الإسلامية لمواجهة العولمة. والقيم هي “معايير أخلاقية يصدقها عدد من البشر، في ضوء معتقداتهم وثقافتهم، وتحتوي على فكر ثابت وآخر متطور مع تطور الحياة ,والمجتمع، توجه سلوكياتهم وتضبط تصرفاتهم إيجابيا، وفق أولويات يحددونها، ويمكن أن تكون معلنة أو ضمنية، يدركونها بعقولهم، ويشعرون بها بأحاسيسهم، ويترجمونها أفعالا عملية في حياتهم بحيث تصبح مرجعا لأحكامهم في الدنيا، وتتحدد في ضوئها نظرتهم إلى الذات والآخر” وقد ركز عليها المجتمع الإسلامي كثيرا من خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، واعتبرها معيارا مهما للحكم على أخلاق الإنسان المسلم، كما جاء في محكم التنزيل الكريم: “وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” وقوله صلى الله عليه وسلم: “ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى”.
      ومن هنا تتضح أهمية القيم في بناء مجتمعاتنا؛ فالقيمة هي التي تحدد طبيعة سلوك الإنسان في حياته، ولو التزم الفرد الواحد لكان ذلك عاملا أساسا في سبيل تجنبه من أي سلوكيات غير لائقة بشخصه ومجتمعه، وبالتالي يستطيع حماية نفسه وحماية مجتمعه منها. وينبغي التركيز على مبدأ الحفاظ على القيم، ومراعاتها في سلوكيات الفرد الواحد كثيرا في العصر الحاضر، الذي يتسم بالانجراف وراء تيار العولمة، ذلك التيار الذي يحاول سلخ المجتمعات من هويتها وقيمها ومبادئها في أغلب الأحايين. لذا فالتسلح بقيم المجتمع أمر ضروري لصد أي هجمات قادمة من مجتمعات غربية لا هم* لها سوى التأثير السلبي على سلوكيات أبناء المجتمع الواحد وأفكارهم.
      كيف تستطيع المجتمعات الإسلامية حماية نفسها من خطر العولمة؟
      تستطيع المجتمعات الإسلامية حماية نفسها من خطر العولمة بتمسكها بقيمها المتعددة المتمثلة في: القيم الدينية، والقيم الإنسانية، والقومية، والوطنية، والاجتماعية، والجمالية، إضافة قيمة الأدب الذي يربط بين مكارم الأخلاق وحسن المعاملة، مما يؤكد تلازم القول والعمل، والقيمة والسلوك، وقد قالت العرب فيه: “كاد الأدب أن يكون ثلثي الدين” ويمكن غرس مثل هذه القيم التربوية في البيت، والمدرسة وبيوت العبادة، والمجتمع، وتزداد تأثيرا ووضوحا وعمقا من خلال التفاعل مع المعطى الديني والأيديولوجي، ولكن يبقى الدين المصدر الأشمل للقيم كافة، حتى الجمالي منها، فالله جميل يحب الجمال.
      هل مجتمعنا العماني يتقبل كل شيء جديد من العولمة ؟
      في اعتقادي ان المجتمع العماني ما زال محافظا و يقوم على اسس ثابتة سواء كان من الجانب الديني او الثقافي او العادات والتقاليد، ولكن لا بأس ان نجري وراء الجديد ونستفيد منه، ولكن المجتمع العماني ما زال محافظا على عاداته وتقاليده في ظل المتغيرات ولن ينجر وراء كل جديد الا اذا كان مفيدا له ولمجتمعه.
      ما آثار دخول مجتمعاتنا في عصر العولمة؟
      عصر العولمة كما يطلق عليه البعض يتمثل في وجود فكرة واحدة او معممة تسيطر على المجتمعات، ولكن اذا كانت هذه العولمة تحمل اشياء جديده تعمل على احداث تغيرات ايجابية لابأس ونتقبله وفقا للعادات والتقاليد، فهناك كثير من الافكار مستجدة في الحياة و لا ينبغي ان نكون ثابتين.
      هل تؤيد هذه العبارة “العولمة والقيم الإسلامية تتصادم حين لا نختار ما يتفق مع عاداتنا وديننا”؟
      نعم. اذا اخترنا اشياء لا تتفق سوف يكون هناك نوع من التصادم، ولكن يجب ان نكون مجتمع واعيا ومثقفا، وهذه ايضا مسؤولية الدولة المتمثلة في المؤسسات التربوية سواء كان في المدارس او المعاهد أو الكليات والجامعات ان توعي ابناءها في هذا الجانب، وان يختار الفرد ما يتناسب مع قيمه وعاداته، وينبغي ان لا يوجد تصادم بين العولمة وما يعيشه المجتمع من تطور وتجديد، حيث ان التجديد مطلوب حتى لا تبقى المياه راكدة انما يجب ان تكون مياه متجددة.
      ما التحديات المعاصرة التي تواجهها الأسرة في الحفاظ على القيم؟
      تعتبر مسألة الحفاظ على القيم من المهام الأساسية للأسرة التي ينبغي أن تحرص عليها؛ من أجل تربية سليمة لأبنائها، ومما لاشك فيه أن الأسرة- في ظل طبيعة العصر الحالي- تواجه تحديات كثيرة من شأنها أن تؤثر سلبا على هذا الجانب المهم، من بينها:
      ــــــ الثورة العلمية: اعتقد البعض أن عصر الثورة العلمية في كافة المجالات فتح للإنسان باب النعيم على مصراعيه، وأن العلم وحده هو الذي سيمنح الإنسانية ما لا تستطيع أن تحيا بدونه، والحقيقة أنه على الرغم من أهمية التكنولوجيا، والنجاح المذهل فيها، وأن المجتمعات المنغلقة على نفسها بسبب بعدها عن معطيات التكنولوجيا لا يمكن أن تتنافس مع غيرها، فإننا في الوقت نفسه نعيش خواء روحيا خطيرا، وستدفع الحضارة ثمنه غاليا، فأي خسارة أكبر من ضياع القيم والأخلاق، والتشكيك في الدين والمعتقدات؟. والحقيقة أنه لا قيام لحضارة بدون قيم تنطلق منها؛ لذا لا يمكن أن تستمر حضارتنا التي بناها الأسلاف دون التمسك بالقيم التي أرساها لنا الإسلام الذي هو المصدر الرئيس للتشريع
      ــــــ وسائل الإعلام: تشهد وسائل الإعلام بشتى أطيافها ثورة هائلة في سرعة الحصول على المعلومات، ونشرها، وتبادلها، ونقلها من مكان إلى آخر، مما ساعد على التطور في العديد من المجالات، إلا أنه على الرغم من أهمية ذلك وفائدته، لا يمكن القول ان هذه التقنيات هي خير محض، بل أصبح لها العديد من التأثيرات السلبية التي تهدد القيم الإنسانية؛ فقديما أطلق ابن خلدون في مقدمته قولته المشهورة “الإنسان مدني بالطبع”، وهو ما يتفق مع الآية الكريمة الدالة على العيش وفق مبدأ التعارف والتآلف بين بني البشر في قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”
      ـــــ التفكك الأسري: يتعرض نظام الأسرة في هذا العصر إلى العديد من المشكلات التي قد تؤدي إلى تصدعه وتفككه، وقد يعود السبب الرئيس في هذا إلى افتقاد أحد الزوجين، أو كليهما معرفة آداب الإسلام، ومبادئه المتعلقة بحقوق الأسرة. وفي الوقت نفسه تواجه الأسرة المسلمة حربا ثقافية من الغرب تمر بثلاث مراحل تتمثل في: التشكيك في مبادئها، والتذويب في شخصية الآخرين، وتدمير النظام الكلي للأسرة، ولقد اتخذ الغرب أساليب مختلفة لتحقيق هذه الغايات، من بينها: الهجوم على وضعية المرأة في الإسلام، والعمل على تحريرها، ونشر الإعلام الإباحي* فإذا لم يكن الوعي بهذه المخاطر منتشرا بين أفراد المجتمع، استطاع العدو النيل من الأمة ما يتمناه.
      ما الأهمية التي تسعى اليها هذه الدراسة؟
      تأتي أهمية هذه الدراسة من إسهامها في إعداد قائمة بأهم المبادئ الأخلاقية والقيمية التي ينبغي التمسك بها في الحياة اليومية وتزويد المؤسسات القائمة على تربية النشء بهذه القائمة لتكون معينا لهم في وضع البرامج الهادفة .واطلاع أولياء الأمور على الجوانب المختلفة المهمة لتربية النشء، ومعرفتهم بواقع تربيتهم لأولادهم، للأخذ بالجوانب الإيجابية، وتلافي الجوانب السلبية وحثّ الجهات المختلفة المسؤولة عن تربية الأبناء على متابعتهم واتباع الطرق المثلى في التعامل معهم ورفد المكتبة العربية والعمانية بدراسة في مجال القيم، الأمر الذي يشجع على مزيد من الدراسات في هذا المجال.