لويس كابريرا – ترجمة: أحمد شافعي -
لجأ “نايجل فاراج” ـ رئيس حزب الاستقلال في المملكة المتحدة أخيرا إلى حيلة جديدة في حملته الرامية إلى تحرير بريطانيا من “قيود” عضوية الاتحاد الأوربي. فقال إنه لا ينبغي النظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه اتحاد ثماني وعشرين دولة غايته المنفعة الاقتصادية والسياسية المشتركة، بل بوصفه “نموذجا لمن يريدون لنا أن نكون جزءا من حكومة عالمية”.
للمرء أن يتخيل إيماءات أنصار فاراج في حزبه اليميني المتطرف المتشككين في الوحدة الأوروبية إذ يطرقون برؤوسهم تأكيدا على كلامه، بينما غيرهم يهزون الرؤوس نفيا في بقية المتن السياسي. ولكن فاراج في الحقيقة لم يشطح بعيدا. وبوصفي دارسا قديما لمثال الحكومة العالمية، فإنني أنظر للاتحاد الأوروبي نظرة تمحيص وتمعن. ولا أراه بالضرورة نموذجا لـ “حكومة عالمية وليدة” بل كمختبر حي هائل القيمة لدراسة التحديات والإمكانيات الناجمة عن الاندماج العميق بين الدول. ولست سوى صوت واحد ضمن أصوات كثيرة تمثل بعثا جديدا لافتا للدرس الأكاديمي لمثال الحكومة العالمية. وفي هذا البعث ينظر الكثيرون إلى أوروبا بوصفها نموذجا جزئيا. ولعلنا لم نشهد منذ ذروة أيام الحكومة العالمية فيما بين 1945 و1950هذا الكم الكبير من أساتذة العلوم السياسية والاقتصاد والفلسفة الذين يولون اهتمامهم للحكومة العالمية.
في عام 1945، وقعت إبادة ذريَّة فعليَّة لاثنتين من كبرى مدى اليابان على يد الولايات المتحدة، فأفضى ذلك بأكاديميين وساسة مرموقين ونشطاء اجتماعيين إلى المناداة بحكم عالمي قوي. وكان الخيار واضحا بحسب ما قال ألبرت أينشتين في سياق دعوته الثابتة إلى هذا: اخلقوا العالم الواحد، أو واجهوا شبح دمار العالم. وسرعان ما حققت الحركات الاجتماعية المناصرة للاندماج العالمي مئات الآلاف من العضويات، وبحلول نهاية العقد، عقد الكونجرس الأمريكي بكلتا غرفتيه جلسات استماع للنظر في ما إذا كان ينبغي تحويل الأمم المتحدة إلى حكومة عالمية.
وانتهت تلك الفورة فجأة. فمع نشوب الحرب الباردة وشيوع هيستريا مناهضة الشيوعية، باتت الحكومة العالمية مرتبطة بفرضيات حول مخططات سوفييتية للسيطرة على العالم. وما كان يجرؤ إلا قليل من الساسة في ذلك الوقت على التفوّه بكلمة في الموضوع، فانجرف برمته في تسعينات القرن الماضي إلى أطراف الوسط الأكاديمي الجاد.
يمكن إيعاز بعض من بعث التفكير في الحكومة العالمية إلى تسارع العولمة الاقتصادية. فقد مثَّلت المظاهرات المناهضة لـ منظمة التجارة العالمية في سياتل سنة 1999 لحظة بارزة، إذ اجتمع ما يربو على خمسين ألف ناشط من مختلف أنحاء العالم فأغلقوا الحي التجاري المركزي في المدينة ومنعوا على وفود المنظمة المشاركة في حفل الافتتاح. ورأى الكثيرون في الشوارع أن منظمة التجارة العالمية حكومة ظل للاقتصاد العالمي، تضع قواعد التبادل التجاري لأغلب دول العالم، بدون مشاركة مباشرة تذكر من شعوب هذه الدول.
وقد أثيرت هذه النقطة في الدوائر الأكاديمية دون أن تكون السبب الوحيد لحكومة عالمية واحدة. فقد كان ثمة معسكر ثان يذهب إلى أننا لم نعد خائفين كما ينبغي لنا من الأسلحة النووية. صحيح أن كلا من روسيا والولايات المتحدة قلَّلتا من احتياطيات الأسلحة النووية تقليلا دراماتيكيا لتهبط من علياء الـ 27000 والـ 25000 لكل منهما على الترتيب. واليوم يقدر الإجمالي العالمي، بما فيه الأسلحة النووية المعروف أنها في حيازة الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين والمملكة المتحدة وإسرائيل وباكستان والهند وكوريا الشمالية بقرابة 170000، منها عشرة آلاف فقط تمثل الاحتياطات الجاهزة فعليا، بينما البقية مجهزة للتفكيك. لكن جماعات المراقبة مثل “بلاوشيرز فند” في الولايات المتحدة تقول إن العدد لا يزال أكبر بكثير من أي غرض عملي لهذه الأسلحة.
أما الذين يستندون إلى الأمن النووي في مطالبتهم بالحكومة العالمية فيقدمون صورة أشد سوادا، إذ يقولون إنه ما لم تتخذ خطوات جريئة وسريعة باتجاه وحدة عالمية، فمن المؤكد أن الترسانة المتبقية سوف تنفجر في وجه الإنسانية. ولعل “كامبيل كريج” ـ أستاذ السياسة الدولية بجامعة أبريستويث” وأحد أهم المنادين بحكومة الأمن العالمية ـ هو الذي يقدم أصلب وأحدث نسخة من هذا الطرح. فيكتب في “وميض اللوياثان الجديد” (الصادر في 2003) أن “الردع ـ على المدى البعيد ـ سيفشل على الأرجح، وبفشله، يرجح أن تفضي الحرب الناجمة إلى مصرع مئات الملايين من البشر، بل لعلها تبيد العرق البشري برمته”.
في أصوات كثير من هذا المعسكر صدى من منطق “توماس هوبز” ـ فيلسوف القرن السابع عشر الإنجليزي الذي وصف الحياة في حالة الطبيعة بـ “البشاعة، والقسوة، والقِصَر”. وكان هوبز قد وصف لذلك علاجا يتمثل في حكومة قوية هي الوسيلة الوحيدة لاجتناب حالة مستمرة من الاحتراب الأهلي، ويرى كثيرون أن هذا ينطبق على المجال الدولي أيضا، لا سيما وقد رفعت الأسلحة النووية من خطر الصراع. في حين يخلص آخرون من التحليل نفسه إلى علاجات ألطف. والأبرز في هذا الصدد بصفة خاصة هو “دانيال دويدني” أستاذ جون هوبكنز للعلوم السياسية الذي حصل كتابه “حدُّ القوة” (الصادر في 2007) على جائزة “كتاب العِقد” المرموقة من الاتحاد الدولي للدراسات في الولايات المتحدة. يذهب دويدني إلى أنه ليس علينا أن نخاف فقط من الفوضى العالمية ـ أي الظرف الذي يوفر للدول محفزات خطرة لتعزيز قدراتها الأمنية ـ بل ومن الهيراركيات القوية المتضمنة في حكومة عالمية قوية.
يقول دويدنري إن علينا أن نتحاشى الإفراط والمغالاة وأن نوجد شكلا محدودا من “اتحاد تبادلي القيود” بين الدول ذات السيادة. ولا تبقى اتفاقية السلام النووي بموجب السيف الهوبزياني المعلق على رقاب الجميع، بل من خلال سحب قدرة الدولة على الاستخدام الفعلي لأشد الأسلحة تدميرا. وبموجب هذه السيناريو، تسلم الدول النووية شفرات الإطلاق لسلطة عالمية، يكون مخولا لها تقييم حالة أي ضربات نووية والإفراج عن الشفرات في حال موافقتها.
وسواء استخدمت المسألة النووية لمناصرة حكومة عالمية قوية، أم لاتحاد أبسط بين الدول، فأنا من جانبي لست على يقين من أن المسألة النووية مقنعة. لا شك أن الكتاب والساسة والنشطاء الاجتماعيون كانوا محقين في أربعينيات القرن الماضي إذ نبهوا إلى الخطر النووي، وإذ بذلوا أقصى جهدهم لإعادة الجِني النووي مرة أخرى إلى القمقم، ولا بد أن يكون المعلقون اليوم مصيبين في أن الخطر النووي لم يزل كبيرا وربما لا ينال ما هو جدير به من اهتمام وتقدير. ولكن طالما كان هناك إحساس تثيره الحجج النووية بأنها “أدوية أنكى من الأدواء”.
في أغلب التصورات المنبنية على الخطر النووي، يقام “العالم الواحد” سريعا، بسبب خطورة التهديد. وسينبغي له أن يشمل الكوكب بأكمله فتطمئن كل دولة على سلامتها. وقد لا يفضي اتحاد تشكل على عجل إلى السلام العالمي، بل إلى اضطراب عالمي واحتراب أهلي بلا نهاية. ولكم أن تتخيلوا ظهورا في شتى أرجاء العالم لساسة من أمثال فاراج البريطاني يطالبون لدولهم بالتحرر من “السيطرة الأجنبية”، ويطالبون بحقوق مستقلة في الدفاع والتسلح ضد اللوياثان العالمي المفروض على عجل.
أغلب المفكرين في المعسكر النووي متشائمون بشأن قدرة المصلحة الذاتية المستنيرة على دفعنا إلى اتخاذ الخطوات اللازمة باتجاه الحكومة العالمية. ويرى دويندري وكريج أنه قد تلزمنا حرب نووية محدودة ـ صراع إقليمي كالذي بين الهند وباكستان ـ حتى نفيق وننتبه إلى واقعنا المفتقر إلى التوازن ونمضي قدما نحو الاتحاد العالمي. لكن حتى في ذلك الحين، تنشأ مفارقة أخرى طالما أثيرت في دوائر الحجج الهوبزيانية: ألا يقال إننا بحاجة إلى حكومة قوية قبل أن يتسنى لنا أن نثق في بعضنا البعض وفي أننا لسنا بشعين قساة؟ فكيف لنا أن نوجد مثل هذه الحكومة بغير توفر مستوى ما من الثقة في المقام الأول؟
في السياق العالمي، لا يمكن للبلاد أن تطمئن على أمنها إلا بعد أن تقضي حكومة عالمية على الخطر النووي. لكن من الصعب أن نتخيل هذا السيناريو ـ وبعد نشوب حرب نووية إقليمية بالذات ـ الذي تثق فيه كل دولة نووية في بقية الدول بما يكفي لتقوم جميعا بتسليم قدراتها التسلحية النووية. ولهذا السبب يقترح البعض أنه قد يكون ثمة داع فعلي لدولة قوية تفرض إرادتها على الجميع لتنقذنا من الخطر النووي، وهو ما يرجع بنا إلى مخاوفنا السابقة المتعلقة بالاندماج السابق للأوان المهدد بحرب أهلية عالمية.
وهكذا، وفي حين أن الدول النووية ذات السيادة تمثل تهديدا جديا، لا أجدني مقتنعا أن الحكومة العالمية هي حل تلك المشكلة في القريب. ولكن ما الذي نخلص به من حجة الديمقراطية العالمية؟ لعل “ديفيد هيلد”ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة دورهام ـ هو أهم أنصار الديمقراطية العالمية المحدثين وإن يكن ـ شأن أغلب مفكري هذه الفئة ـ لا يرفع لواء الحكومة العالمية عن طيب خاطر. انضم هيلد، وشريكه البحثي في أغلب الأوقات “دانيل أرشيبوجي” مدير البحوث في مجلس البحوث الوطني الإيطالي، إلى قوات دعاة الحكومة العالمية في زهوة حقبة النظام العالمي الجديد لدى نهاية الحرب الباردة. ووضع الخطوط العامة لمشروع “الديمقراطية الكوزموبوليتانية” فسرعان ما أصبح المصطلح الأكثر رواجا لجميع المقترحات الشبيهة الرامية إلى دفع الديمقراطية إلى ما وراء الحدود الوطنية وما يعلو عليها.
تركز حجهما على هم مماثل للذي طرحه متظاهرو منظمة التجارة العالمية سنة 1999. فبفضل العولمة والاندماج الاقتصادي ـ على وجه التحديد ـ أصبحت الشعوب أكثر تأثرا بقرارات لا تشارك ديمقراطيا في اتخاذها. وهذا في ما يرى هيلد خرق لحرية أساسية، إذ من حق كل شخص أن يكون له قول في القرارات التي تؤثر على حياته، ومن ثم فلا بد من إقامة مؤسسات عالمية قادرة على إنفاذ قرارات ديمقراطية.
واتبع آخرون هذا المنطق إذ ذهبوا إلى إيجاد تجمع برلماني عالمي محدود السلطات. والحق أننا رأينا في الفترة الأخيرة نشوء حركة اجتماعية عالمية تشبه حركات الذروة في أربعينيات القرن الماضي: ومنها حملة التجمع البرلماني التابع للأمم المتحدة الداعية إلى إنشاء برلمان استشاري منتخب بصورة مباشرة ويكون موازيا للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو المشروع الذي أقره أكثر من 1300 برلمان حالي أو سابق.
وتخوفي الأساسي من “الديمقراطية الكوزموبوليتانية” ينبع من حذري من الديمقراطية أصلا. طبعا، قليل منا نحن الذين نعيش في الدول الديمقراطية هم الذين يمكن أن يقايضوا ما لديهم من حقوق في المشاركة بحكم هذا الحاكم الخير أو ذاك، وهم محقون. غير أنني، وبكلام مباشر، أقول إن حرية المنتصرين فقط هي المصانة في أغلب عملية اتخاذ القرار. أما الخاسرون، لا سيما إن كانوا ينتمون إلى أقلية ديمقراطية دائمة، فهم الذين يرون حريتهم تتقلص روتينيا. وهذه النقطة تحمل معاني ضمنية كثيرة بالنسبة لبناء المؤسسة العالمية، من واقع أن الديمقراطية الكوزموبوليتانية تضع العربة أمام الحصان. على المدى القريب، قد يكون الأهم هو أن نعالج قضايا الفقر، والتفاوت (في الدخول) والعدالة العالمية لا أن نضمن المشاركة الديمقراطية العابرة للدولة.
ولكي تروا هذا الاعتراض بمزيد من الوضوح، تخيلوا كيف لديمقراطية عالمية أن تواجه قضية مثل تغير المناخ التي قد تؤثر على الأقلية تأثيرا دراماتيكيا، في حين يكون تأثيرها أقل على الأغلبية الديمقراطية العالمية. تخيلوا ممثلينا وهم يتبعون إرادة الأغلبية، ويصوتون من أجل إغراق الجزر بمن عليها تحت الأمواج، بدلا من أن يقدموا التضحيات الواجبة لمعالجة القضية الجذرية. الديمقراطية سوف تتحقق، لكن ماذا عن العدالة؟
هذا التخوف يمثل جذر موقفي القائل بأن تغيير نظامنا السياسي العالمي ينبغي أن يكون دافعه هو العدالة العالمية، وليس التركيز على شكل معين من أشكال الحكم. وطبعا ما يستحق التغيير سوف يعتمد اعتماد كبيرا على ما نستحقه. فلو أننا نستحق فقط تلبية احتياجاتنا الأساسية ـ أي الحد الأدنى من الغذاء والسكن والرعاية الصحية ـ فلا داعي إلا لقليل نسبيا من التغييرات المؤسسية. أما إذا كان كل شخص يستحق حزمة أكبر من الفرص وسبل تحقيق هذه الفرص، فلا غنى عن إدخال تغييرات مؤسسية عميقة.
ولقد ذهب كثير من المنظرين السياسيين أخيرا إلى القول برفع الحد الأدنى العالمي من الحقوق، أما أنا فتركيزي ينصب على نوعية الحقوق الإنسانية التي ينبغي ضمانها لكل الأشخاص، وينصب بصفة خاصة على عجز نظام الدول ذات السيادة الواضح عن تأمين هذه الحقوق. وإن من أسباب النتاجات غير العادلة التي يفضي إليها نظامنا الدولي الراهن، أن الدول ذات السيادة تستولي منفردة على الحق في أن تكون القضاة النهائيين في قضاياها المتعلقة بالالتزامات الأخلاقية.
وهذا الخط من التفكير لا يرجع إلى السيف الهوبزياني، بل إلى المفكر البريطاني الليبرالي في القرن السابع عشر “جون لوك”، الذي ذهب إلى أن الحياة خارج الحكومة ليست الحياة البشعة القاسية طول الوقت، ففيها تكون الأعراف والاتفاقيات الاجتماعية موجودة كقوى استقرار. المشكلة أن اللاعبين الأفراد سوف يتنازعون حتما على مختلف الأمور، وسيتصور كل طرف من الأطراف ـ بقوة الطبيعة البشرية ـ أنه المصيب. الأمر الذي سوف يفضي إلى صراعات محتملة ولا لزوم لها، ومن ثم يلزم وجود حكومة تقضي بالعدل وتدعم قضاءها.
ويمكن توسيع هذا المنطق إلى حقوق الحماية في نظام الدول ذات السيادة. فالدول تستولي على حق أن يكون لها القول النهائي في التزاماتها بالمساهمة في التنمية ودعم القواعد المنصفة للتبادل التجاري والاستثمار، ومعالجة قضايا المناخ وما إلى ذلك. وما من حكم محايد وقوي قادر على وضع قواعد عادلة للتعاون والمساهمة، وهو ما يمكننا التنبؤ بأنه يفضي إلى تفاوتات هائلة في حقوق الحماية وفرص الحياة للشعوب في الدول الأقل ثراء.
ومما يتصل بهذا التخوف اتصالا وثيقا تلك الطريقة التي يحول بها هذا النظام رذيلة الأنانية إلى فضيلة. فهو يشجعنا أن نرى أنفسنا أعضاء في مجتمعات سرية مغلقة على أنفسها. ويشجعنا أن نفرض واجبات قوية فيما يتعلق بالعدالة على الآخرين في مجتمعنا، سواء كان يتألف من 9500 شخصا كجمهورية ناورو أو 1.3 بليون نسمة كالصين، أما الغرباء فلا نصيب لهم إلى الحسنات والفضلات.
يشير كثير من “الدوليين statists ” المدافعين عن هذا النسق الأخلاقي إلى التضحيات التي يقدمها المواطنون بعضهم لبعض، ومن ذلك دفع الضرائب والالتزام بالقوانين المفروضة ديمقراطيا. ولكن هذا لا يخدم إلا قليلا الخطوط الحدودية المرسومة حول المجتمعات الوطنية. هذه الحدود تضعنا في المقام الأول في علاقة مواطنة، ولكنها في الغالب نتاج حروب أو نزاعات تاريخية. وليس واقع النظام الراهن قادرا بالضرورة أن يعرفنا بما ينبغي أن يكون عليه نظامنا القادم.
لو كان ينبغي أن يوجد لدينا نظام تصان فيه الحقوق الأساسية لكل شخص، فمن المرجح للغاية أننا سوف ننشد الاندماج العالمي. أي أننا، باختصار، سوف نحتاج إلى العمل على إيجاد حكومة عالمية، ولكن كيف لهذا أن يتحقق فعلا في ضوء المصاعب التي طفنا بها؟
خارج معسكر الأمن النووي، تفترض أغلب التصورات أن الحكومة العالمية ينبغي أن تتطور بمرور الزمن. فيذهب البعض إلى أن هذه العملية قائمة فعليا بدليل نزوع الوحدات الحاكمة إلى التقلص عدديا. فلقد كنا نعيش في وقت مبكر من تاريخ البشرية في ظل ستمائة ألف مملكة وقبيلة ووحدات أخر، في حين أن عدد الدول ذات السيادة اليوم مائتان. وهذا مذهل في حد ذاته، ولكنه لا ينبئنا عما إذا كان الرقم في سبيله إلى مزيد من التقلص، ولا يعني بأية حال أنه سيتقلص إلى واحد. غير أن هناك تصورات أخرى تلمح إلى أن ذلك قد يحدث.
في غداة مظاهرات منظمة التجارة العالمية بسياتل، ذهب “داني رودريك” أستاذ الاقتصاد في برينستن إلى أن العالم في مواجهة أزمة ثلاثية، يحتمل أن تسفر عن ثلاثة نتاجات ممكنة، لا يمكن الحصول إلا على اثنين منها معا. نقاط هذه الأزمة الثلاثية هي سيطرة الدولة على السياسة الاقتصادية، والاندماج الاقتصادي العالمي التام، وديمقراطية اتخاذ القرار. وتخيلوا في هذا المقام سيناريو “معركة سياتل”: ممثلو الدول يريدون التفاوض على مزيد من الاندماج الاقتصادي داخل غرف مؤتمرهم الفندقية، وفي الخارج متظاهرون ساخطون يطالبون أن يكون لهم رأي. يتكهن رودريك أن تكون سيطرة الدولة هي الخاسر بين الثلاثة. فالسياسة في نهاية المطاف سوف تتحول صعودا إلى مؤسسات عالمية ديمقراطية، بما يعطي الشعوب مساحة أكبر في كيفية صياغة الاندماج الاقتصادي، ويعمل على الإنهاء التدريجي لمفاوضات الباب المغلق بين الدول والدول بوصفها الوسيلة الأساسية لصنع القرار الاقتصادي العالمي.
وثمة نظرية أخرى يقدمها “ألكسندر ويندت” أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية أوهايو، الذي يصر على أن نشوء حكومة عالمية ليس أمرا ممكنا بل حتمي. وبسطا لرأيه هذا، يُدخل ويندت شخصيةً ثالثة من متن الفلسفة الحديثة: ليس هوبيز أو لوك، بل فيلسوف ألمانيا في القرن التاسع عشر جورج فيلهلم فريدريتش هيجل. لقد ذهب هيجل إلى أن الدول تنشأ عبر الصراع الرامي إلى الاعتراف. فالأفراد والجماعات الاجتماعية المحلية تطالب بعضها البعض بالاعتراف بقيم متساوية. ويتوسع الاعتراف، وبالتدريج يعرف الجميع أنفسهم متساوين في هوية (وطنية) مشتركة تشكل كلا متماسكا.
يرى ويندت الدول بوصفها أفرادا من “البشر” وقد نشب بينهم هذا الصراع. ويرى أننا لا نزال في المراحل المبكرة من عملية “الاعتراف والصياغة خماسية المراحل” التي قد تستغرق مائتي سنة لتصل إلى غايتها النهائية أي الدولة العالمية. فكل اضطراب في مرحلة ينقلنا إلى المرحلة التالية، وإن تكن الحركة العكسية واردة أيضا.
تتقدم المراحل من قول هوبز بـ “احتراب الجميع ضد الجميع” وعدم اعترافهم ببعضهم البعض، إلى قول لوك بدولة النظام الطبيعي، الشبيه كثيرا بالنظام الراهن، وفيه تراعى بعض الأعراف ولكن لا يوجد حَكَم على الدول إلا الدول نفسها في كل ما يعنيها بما فيه الدخول في الحرب. وستأتي مراحل تشهد تقلص القوى صانعة الحرب والاضطرابات، بازدياد اعتراف الدول ببعضها البعض من خلال حزم أكبر من القواعد المصانة من الجميع ثم من خلال قوانين عالمية ملزمة في نهاية المطاف. ويذهب ويندت إلى أن النظام الوحيد المستقر هو عبارة عن عالم موحد تمام التوحد في ظل دولة هي المحتكر الوحيد للسلطة الإلزامية الشرعية. ومصداقا لتوقعات فاراج، يقترح ويندت أن تكون على غرار اتحاد أوربي أقوى وأشد تمكينا.
وثمة مقاربة ثالثة، يقدمها “روبرت جودين” أستاذ شؤون الحكم في جامعة إيسيكس فيرى أنه قد يكون لدينا حكومات عالمية أكثر بكثير مما ندرك. ويشير جودين إلى أن النظام العالمي الراهن أشبه كثيرا بالولايات المتحدة في ما قبل الدستور حينما كانت اتحاد ولايات تجمع بينها على استحياء بنود تحالف. في ذلك الوقت، مثلما في وقتنا هذا، كان المركز (أي فيلادلفيا، أو الأمم المتحدة) يتسول عمليا من الولايات موارده وقواته، علاوة على العائد الضريبي الذي يأتي في الغالب من وسائل غير مباشرة مثل الضرائب الجمركية. وفي ذلك الوقت، كما في وقتنا هذا، كان الدفع إلى التكامل يأتي من خلال ولايات تُكوِّن أو تشترك جماعيا في مؤسسات تعينها على تحقيق الأمن والنمو الاقتصادي.
وفي رأيي أنا أن النظام العالمي الراهن أقل شبها من الولايات المتحدة في ما قبل 1789 منه ببلد نام من بلدان زماننا هذا، حيث هرم قمته ثرية نسبيا وكم أكبر بكثير من البشر يعيشون على السفح والقاعدة حيوات يعوزها الاستقرار. وسواء صحت المقارنة التاريخية أم لم تصح، فإن الحجة الوظيفية التي يحتج بها جودين وغيره تبدو منطقية بالنسبة لي إلى حد بعيد. وتأملوا كم سعى صناع القرار، لا سيما في القرن الماضي، إلى إنشاء منظمات إقليمية في أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا، وغيرها، ناهيكم عن المحاكم الدولية، والمنظمات شبه الوزارية المعنية بالرفاه العالمي والأمن الدولي. هذه الكيانات إن نظرنا إليها في إجمالها نرى شبح دولة قائما. قد يرفض صناع القرار العالميون مثال الدولة العالمية علنا، ولكن الجهود البرجماتية الرامية إلى “إقامة دولة عالمية” هي جهود قائمة ومبذولة فعليا.
أما وقد قلت ذلك، فلي أن أخمن أن أكثر من مائتي عام سوف يلزم للوصول إلى شيء يمكن النظر إليه بصفة عامة كما لو كان حكومة عالمية. ففي نهاية المطاف، كان لا بد من مرور ثلاثمائة عام على معاهدة ويستفاليا سنة 1648 ليصبح العالم كله (شبه) ممتلئ بالدول ذات السيادة، بدلا من الممالك والمستعمرات. ويبقى الاتحاد الأوربي الكيان الإقليمي الوحيد عميق الاندماج، وإن تكن مشاريع الاندماج الاقتصادي جارية في كل إقليم تقريبا، أما مؤسسات الحكم العالمي، فتبقى على الرغم من تكاثرها محدودة السلطات.
هل ستنقضي قرون خمسة قبل تشكيل حكومة عالمية؟ ألف سنة؟ إجابتي المعتادة هي ثمانمائة سنة، وإن وجب علي أن أعترف أنني لم أدرس التقدم درسا تاما. وإن بداخلي صوتا يقول إن “لن يحدث” ربما تكون الإجابة الصائبة، لكن حتى لو لم يكن من الممكن الوصول إلى حكومة عالمية كاملة فإن السعي إلى الاندماج بهدف الحصول على الحقوق يعطينا سببا للتفاؤل. فلو أن الهدف النهائي للمؤسسات الحاكمة هو تعزيز الحقوق وصيانتها، ولو أن من الممكن إنشاء مؤسسات أرفع مستوياتٍ لتحقيق هذا الغرض من خلال النضال الاجتماعي والسياسي، فكلما ازداد الحكم الناشئ عالمية، كان ذلك خيرا.
لجأ “نايجل فاراج” ـ رئيس حزب الاستقلال في المملكة المتحدة أخيرا إلى حيلة جديدة في حملته الرامية إلى تحرير بريطانيا من “قيود” عضوية الاتحاد الأوربي. فقال إنه لا ينبغي النظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه اتحاد ثماني وعشرين دولة غايته المنفعة الاقتصادية والسياسية المشتركة، بل بوصفه “نموذجا لمن يريدون لنا أن نكون جزءا من حكومة عالمية”.
للمرء أن يتخيل إيماءات أنصار فاراج في حزبه اليميني المتطرف المتشككين في الوحدة الأوروبية إذ يطرقون برؤوسهم تأكيدا على كلامه، بينما غيرهم يهزون الرؤوس نفيا في بقية المتن السياسي. ولكن فاراج في الحقيقة لم يشطح بعيدا. وبوصفي دارسا قديما لمثال الحكومة العالمية، فإنني أنظر للاتحاد الأوروبي نظرة تمحيص وتمعن. ولا أراه بالضرورة نموذجا لـ “حكومة عالمية وليدة” بل كمختبر حي هائل القيمة لدراسة التحديات والإمكانيات الناجمة عن الاندماج العميق بين الدول. ولست سوى صوت واحد ضمن أصوات كثيرة تمثل بعثا جديدا لافتا للدرس الأكاديمي لمثال الحكومة العالمية. وفي هذا البعث ينظر الكثيرون إلى أوروبا بوصفها نموذجا جزئيا. ولعلنا لم نشهد منذ ذروة أيام الحكومة العالمية فيما بين 1945 و1950هذا الكم الكبير من أساتذة العلوم السياسية والاقتصاد والفلسفة الذين يولون اهتمامهم للحكومة العالمية.
في عام 1945، وقعت إبادة ذريَّة فعليَّة لاثنتين من كبرى مدى اليابان على يد الولايات المتحدة، فأفضى ذلك بأكاديميين وساسة مرموقين ونشطاء اجتماعيين إلى المناداة بحكم عالمي قوي. وكان الخيار واضحا بحسب ما قال ألبرت أينشتين في سياق دعوته الثابتة إلى هذا: اخلقوا العالم الواحد، أو واجهوا شبح دمار العالم. وسرعان ما حققت الحركات الاجتماعية المناصرة للاندماج العالمي مئات الآلاف من العضويات، وبحلول نهاية العقد، عقد الكونجرس الأمريكي بكلتا غرفتيه جلسات استماع للنظر في ما إذا كان ينبغي تحويل الأمم المتحدة إلى حكومة عالمية.
وانتهت تلك الفورة فجأة. فمع نشوب الحرب الباردة وشيوع هيستريا مناهضة الشيوعية، باتت الحكومة العالمية مرتبطة بفرضيات حول مخططات سوفييتية للسيطرة على العالم. وما كان يجرؤ إلا قليل من الساسة في ذلك الوقت على التفوّه بكلمة في الموضوع، فانجرف برمته في تسعينات القرن الماضي إلى أطراف الوسط الأكاديمي الجاد.
يمكن إيعاز بعض من بعث التفكير في الحكومة العالمية إلى تسارع العولمة الاقتصادية. فقد مثَّلت المظاهرات المناهضة لـ منظمة التجارة العالمية في سياتل سنة 1999 لحظة بارزة، إذ اجتمع ما يربو على خمسين ألف ناشط من مختلف أنحاء العالم فأغلقوا الحي التجاري المركزي في المدينة ومنعوا على وفود المنظمة المشاركة في حفل الافتتاح. ورأى الكثيرون في الشوارع أن منظمة التجارة العالمية حكومة ظل للاقتصاد العالمي، تضع قواعد التبادل التجاري لأغلب دول العالم، بدون مشاركة مباشرة تذكر من شعوب هذه الدول.
وقد أثيرت هذه النقطة في الدوائر الأكاديمية دون أن تكون السبب الوحيد لحكومة عالمية واحدة. فقد كان ثمة معسكر ثان يذهب إلى أننا لم نعد خائفين كما ينبغي لنا من الأسلحة النووية. صحيح أن كلا من روسيا والولايات المتحدة قلَّلتا من احتياطيات الأسلحة النووية تقليلا دراماتيكيا لتهبط من علياء الـ 27000 والـ 25000 لكل منهما على الترتيب. واليوم يقدر الإجمالي العالمي، بما فيه الأسلحة النووية المعروف أنها في حيازة الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين والمملكة المتحدة وإسرائيل وباكستان والهند وكوريا الشمالية بقرابة 170000، منها عشرة آلاف فقط تمثل الاحتياطات الجاهزة فعليا، بينما البقية مجهزة للتفكيك. لكن جماعات المراقبة مثل “بلاوشيرز فند” في الولايات المتحدة تقول إن العدد لا يزال أكبر بكثير من أي غرض عملي لهذه الأسلحة.
أما الذين يستندون إلى الأمن النووي في مطالبتهم بالحكومة العالمية فيقدمون صورة أشد سوادا، إذ يقولون إنه ما لم تتخذ خطوات جريئة وسريعة باتجاه وحدة عالمية، فمن المؤكد أن الترسانة المتبقية سوف تنفجر في وجه الإنسانية. ولعل “كامبيل كريج” ـ أستاذ السياسة الدولية بجامعة أبريستويث” وأحد أهم المنادين بحكومة الأمن العالمية ـ هو الذي يقدم أصلب وأحدث نسخة من هذا الطرح. فيكتب في “وميض اللوياثان الجديد” (الصادر في 2003) أن “الردع ـ على المدى البعيد ـ سيفشل على الأرجح، وبفشله، يرجح أن تفضي الحرب الناجمة إلى مصرع مئات الملايين من البشر، بل لعلها تبيد العرق البشري برمته”.
في أصوات كثير من هذا المعسكر صدى من منطق “توماس هوبز” ـ فيلسوف القرن السابع عشر الإنجليزي الذي وصف الحياة في حالة الطبيعة بـ “البشاعة، والقسوة، والقِصَر”. وكان هوبز قد وصف لذلك علاجا يتمثل في حكومة قوية هي الوسيلة الوحيدة لاجتناب حالة مستمرة من الاحتراب الأهلي، ويرى كثيرون أن هذا ينطبق على المجال الدولي أيضا، لا سيما وقد رفعت الأسلحة النووية من خطر الصراع. في حين يخلص آخرون من التحليل نفسه إلى علاجات ألطف. والأبرز في هذا الصدد بصفة خاصة هو “دانيال دويدني” أستاذ جون هوبكنز للعلوم السياسية الذي حصل كتابه “حدُّ القوة” (الصادر في 2007) على جائزة “كتاب العِقد” المرموقة من الاتحاد الدولي للدراسات في الولايات المتحدة. يذهب دويدني إلى أنه ليس علينا أن نخاف فقط من الفوضى العالمية ـ أي الظرف الذي يوفر للدول محفزات خطرة لتعزيز قدراتها الأمنية ـ بل ومن الهيراركيات القوية المتضمنة في حكومة عالمية قوية.
يقول دويدنري إن علينا أن نتحاشى الإفراط والمغالاة وأن نوجد شكلا محدودا من “اتحاد تبادلي القيود” بين الدول ذات السيادة. ولا تبقى اتفاقية السلام النووي بموجب السيف الهوبزياني المعلق على رقاب الجميع، بل من خلال سحب قدرة الدولة على الاستخدام الفعلي لأشد الأسلحة تدميرا. وبموجب هذه السيناريو، تسلم الدول النووية شفرات الإطلاق لسلطة عالمية، يكون مخولا لها تقييم حالة أي ضربات نووية والإفراج عن الشفرات في حال موافقتها.
وسواء استخدمت المسألة النووية لمناصرة حكومة عالمية قوية، أم لاتحاد أبسط بين الدول، فأنا من جانبي لست على يقين من أن المسألة النووية مقنعة. لا شك أن الكتاب والساسة والنشطاء الاجتماعيون كانوا محقين في أربعينيات القرن الماضي إذ نبهوا إلى الخطر النووي، وإذ بذلوا أقصى جهدهم لإعادة الجِني النووي مرة أخرى إلى القمقم، ولا بد أن يكون المعلقون اليوم مصيبين في أن الخطر النووي لم يزل كبيرا وربما لا ينال ما هو جدير به من اهتمام وتقدير. ولكن طالما كان هناك إحساس تثيره الحجج النووية بأنها “أدوية أنكى من الأدواء”.
في أغلب التصورات المنبنية على الخطر النووي، يقام “العالم الواحد” سريعا، بسبب خطورة التهديد. وسينبغي له أن يشمل الكوكب بأكمله فتطمئن كل دولة على سلامتها. وقد لا يفضي اتحاد تشكل على عجل إلى السلام العالمي، بل إلى اضطراب عالمي واحتراب أهلي بلا نهاية. ولكم أن تتخيلوا ظهورا في شتى أرجاء العالم لساسة من أمثال فاراج البريطاني يطالبون لدولهم بالتحرر من “السيطرة الأجنبية”، ويطالبون بحقوق مستقلة في الدفاع والتسلح ضد اللوياثان العالمي المفروض على عجل.
أغلب المفكرين في المعسكر النووي متشائمون بشأن قدرة المصلحة الذاتية المستنيرة على دفعنا إلى اتخاذ الخطوات اللازمة باتجاه الحكومة العالمية. ويرى دويندري وكريج أنه قد تلزمنا حرب نووية محدودة ـ صراع إقليمي كالذي بين الهند وباكستان ـ حتى نفيق وننتبه إلى واقعنا المفتقر إلى التوازن ونمضي قدما نحو الاتحاد العالمي. لكن حتى في ذلك الحين، تنشأ مفارقة أخرى طالما أثيرت في دوائر الحجج الهوبزيانية: ألا يقال إننا بحاجة إلى حكومة قوية قبل أن يتسنى لنا أن نثق في بعضنا البعض وفي أننا لسنا بشعين قساة؟ فكيف لنا أن نوجد مثل هذه الحكومة بغير توفر مستوى ما من الثقة في المقام الأول؟
في السياق العالمي، لا يمكن للبلاد أن تطمئن على أمنها إلا بعد أن تقضي حكومة عالمية على الخطر النووي. لكن من الصعب أن نتخيل هذا السيناريو ـ وبعد نشوب حرب نووية إقليمية بالذات ـ الذي تثق فيه كل دولة نووية في بقية الدول بما يكفي لتقوم جميعا بتسليم قدراتها التسلحية النووية. ولهذا السبب يقترح البعض أنه قد يكون ثمة داع فعلي لدولة قوية تفرض إرادتها على الجميع لتنقذنا من الخطر النووي، وهو ما يرجع بنا إلى مخاوفنا السابقة المتعلقة بالاندماج السابق للأوان المهدد بحرب أهلية عالمية.
وهكذا، وفي حين أن الدول النووية ذات السيادة تمثل تهديدا جديا، لا أجدني مقتنعا أن الحكومة العالمية هي حل تلك المشكلة في القريب. ولكن ما الذي نخلص به من حجة الديمقراطية العالمية؟ لعل “ديفيد هيلد”ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة دورهام ـ هو أهم أنصار الديمقراطية العالمية المحدثين وإن يكن ـ شأن أغلب مفكري هذه الفئة ـ لا يرفع لواء الحكومة العالمية عن طيب خاطر. انضم هيلد، وشريكه البحثي في أغلب الأوقات “دانيل أرشيبوجي” مدير البحوث في مجلس البحوث الوطني الإيطالي، إلى قوات دعاة الحكومة العالمية في زهوة حقبة النظام العالمي الجديد لدى نهاية الحرب الباردة. ووضع الخطوط العامة لمشروع “الديمقراطية الكوزموبوليتانية” فسرعان ما أصبح المصطلح الأكثر رواجا لجميع المقترحات الشبيهة الرامية إلى دفع الديمقراطية إلى ما وراء الحدود الوطنية وما يعلو عليها.
تركز حجهما على هم مماثل للذي طرحه متظاهرو منظمة التجارة العالمية سنة 1999. فبفضل العولمة والاندماج الاقتصادي ـ على وجه التحديد ـ أصبحت الشعوب أكثر تأثرا بقرارات لا تشارك ديمقراطيا في اتخاذها. وهذا في ما يرى هيلد خرق لحرية أساسية، إذ من حق كل شخص أن يكون له قول في القرارات التي تؤثر على حياته، ومن ثم فلا بد من إقامة مؤسسات عالمية قادرة على إنفاذ قرارات ديمقراطية.
واتبع آخرون هذا المنطق إذ ذهبوا إلى إيجاد تجمع برلماني عالمي محدود السلطات. والحق أننا رأينا في الفترة الأخيرة نشوء حركة اجتماعية عالمية تشبه حركات الذروة في أربعينيات القرن الماضي: ومنها حملة التجمع البرلماني التابع للأمم المتحدة الداعية إلى إنشاء برلمان استشاري منتخب بصورة مباشرة ويكون موازيا للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو المشروع الذي أقره أكثر من 1300 برلمان حالي أو سابق.
وتخوفي الأساسي من “الديمقراطية الكوزموبوليتانية” ينبع من حذري من الديمقراطية أصلا. طبعا، قليل منا نحن الذين نعيش في الدول الديمقراطية هم الذين يمكن أن يقايضوا ما لديهم من حقوق في المشاركة بحكم هذا الحاكم الخير أو ذاك، وهم محقون. غير أنني، وبكلام مباشر، أقول إن حرية المنتصرين فقط هي المصانة في أغلب عملية اتخاذ القرار. أما الخاسرون، لا سيما إن كانوا ينتمون إلى أقلية ديمقراطية دائمة، فهم الذين يرون حريتهم تتقلص روتينيا. وهذه النقطة تحمل معاني ضمنية كثيرة بالنسبة لبناء المؤسسة العالمية، من واقع أن الديمقراطية الكوزموبوليتانية تضع العربة أمام الحصان. على المدى القريب، قد يكون الأهم هو أن نعالج قضايا الفقر، والتفاوت (في الدخول) والعدالة العالمية لا أن نضمن المشاركة الديمقراطية العابرة للدولة.
ولكي تروا هذا الاعتراض بمزيد من الوضوح، تخيلوا كيف لديمقراطية عالمية أن تواجه قضية مثل تغير المناخ التي قد تؤثر على الأقلية تأثيرا دراماتيكيا، في حين يكون تأثيرها أقل على الأغلبية الديمقراطية العالمية. تخيلوا ممثلينا وهم يتبعون إرادة الأغلبية، ويصوتون من أجل إغراق الجزر بمن عليها تحت الأمواج، بدلا من أن يقدموا التضحيات الواجبة لمعالجة القضية الجذرية. الديمقراطية سوف تتحقق، لكن ماذا عن العدالة؟
هذا التخوف يمثل جذر موقفي القائل بأن تغيير نظامنا السياسي العالمي ينبغي أن يكون دافعه هو العدالة العالمية، وليس التركيز على شكل معين من أشكال الحكم. وطبعا ما يستحق التغيير سوف يعتمد اعتماد كبيرا على ما نستحقه. فلو أننا نستحق فقط تلبية احتياجاتنا الأساسية ـ أي الحد الأدنى من الغذاء والسكن والرعاية الصحية ـ فلا داعي إلا لقليل نسبيا من التغييرات المؤسسية. أما إذا كان كل شخص يستحق حزمة أكبر من الفرص وسبل تحقيق هذه الفرص، فلا غنى عن إدخال تغييرات مؤسسية عميقة.
ولقد ذهب كثير من المنظرين السياسيين أخيرا إلى القول برفع الحد الأدنى العالمي من الحقوق، أما أنا فتركيزي ينصب على نوعية الحقوق الإنسانية التي ينبغي ضمانها لكل الأشخاص، وينصب بصفة خاصة على عجز نظام الدول ذات السيادة الواضح عن تأمين هذه الحقوق. وإن من أسباب النتاجات غير العادلة التي يفضي إليها نظامنا الدولي الراهن، أن الدول ذات السيادة تستولي منفردة على الحق في أن تكون القضاة النهائيين في قضاياها المتعلقة بالالتزامات الأخلاقية.
وهذا الخط من التفكير لا يرجع إلى السيف الهوبزياني، بل إلى المفكر البريطاني الليبرالي في القرن السابع عشر “جون لوك”، الذي ذهب إلى أن الحياة خارج الحكومة ليست الحياة البشعة القاسية طول الوقت، ففيها تكون الأعراف والاتفاقيات الاجتماعية موجودة كقوى استقرار. المشكلة أن اللاعبين الأفراد سوف يتنازعون حتما على مختلف الأمور، وسيتصور كل طرف من الأطراف ـ بقوة الطبيعة البشرية ـ أنه المصيب. الأمر الذي سوف يفضي إلى صراعات محتملة ولا لزوم لها، ومن ثم يلزم وجود حكومة تقضي بالعدل وتدعم قضاءها.
ويمكن توسيع هذا المنطق إلى حقوق الحماية في نظام الدول ذات السيادة. فالدول تستولي على حق أن يكون لها القول النهائي في التزاماتها بالمساهمة في التنمية ودعم القواعد المنصفة للتبادل التجاري والاستثمار، ومعالجة قضايا المناخ وما إلى ذلك. وما من حكم محايد وقوي قادر على وضع قواعد عادلة للتعاون والمساهمة، وهو ما يمكننا التنبؤ بأنه يفضي إلى تفاوتات هائلة في حقوق الحماية وفرص الحياة للشعوب في الدول الأقل ثراء.
ومما يتصل بهذا التخوف اتصالا وثيقا تلك الطريقة التي يحول بها هذا النظام رذيلة الأنانية إلى فضيلة. فهو يشجعنا أن نرى أنفسنا أعضاء في مجتمعات سرية مغلقة على أنفسها. ويشجعنا أن نفرض واجبات قوية فيما يتعلق بالعدالة على الآخرين في مجتمعنا، سواء كان يتألف من 9500 شخصا كجمهورية ناورو أو 1.3 بليون نسمة كالصين، أما الغرباء فلا نصيب لهم إلى الحسنات والفضلات.
يشير كثير من “الدوليين statists ” المدافعين عن هذا النسق الأخلاقي إلى التضحيات التي يقدمها المواطنون بعضهم لبعض، ومن ذلك دفع الضرائب والالتزام بالقوانين المفروضة ديمقراطيا. ولكن هذا لا يخدم إلا قليلا الخطوط الحدودية المرسومة حول المجتمعات الوطنية. هذه الحدود تضعنا في المقام الأول في علاقة مواطنة، ولكنها في الغالب نتاج حروب أو نزاعات تاريخية. وليس واقع النظام الراهن قادرا بالضرورة أن يعرفنا بما ينبغي أن يكون عليه نظامنا القادم.
لو كان ينبغي أن يوجد لدينا نظام تصان فيه الحقوق الأساسية لكل شخص، فمن المرجح للغاية أننا سوف ننشد الاندماج العالمي. أي أننا، باختصار، سوف نحتاج إلى العمل على إيجاد حكومة عالمية، ولكن كيف لهذا أن يتحقق فعلا في ضوء المصاعب التي طفنا بها؟
خارج معسكر الأمن النووي، تفترض أغلب التصورات أن الحكومة العالمية ينبغي أن تتطور بمرور الزمن. فيذهب البعض إلى أن هذه العملية قائمة فعليا بدليل نزوع الوحدات الحاكمة إلى التقلص عدديا. فلقد كنا نعيش في وقت مبكر من تاريخ البشرية في ظل ستمائة ألف مملكة وقبيلة ووحدات أخر، في حين أن عدد الدول ذات السيادة اليوم مائتان. وهذا مذهل في حد ذاته، ولكنه لا ينبئنا عما إذا كان الرقم في سبيله إلى مزيد من التقلص، ولا يعني بأية حال أنه سيتقلص إلى واحد. غير أن هناك تصورات أخرى تلمح إلى أن ذلك قد يحدث.
في غداة مظاهرات منظمة التجارة العالمية بسياتل، ذهب “داني رودريك” أستاذ الاقتصاد في برينستن إلى أن العالم في مواجهة أزمة ثلاثية، يحتمل أن تسفر عن ثلاثة نتاجات ممكنة، لا يمكن الحصول إلا على اثنين منها معا. نقاط هذه الأزمة الثلاثية هي سيطرة الدولة على السياسة الاقتصادية، والاندماج الاقتصادي العالمي التام، وديمقراطية اتخاذ القرار. وتخيلوا في هذا المقام سيناريو “معركة سياتل”: ممثلو الدول يريدون التفاوض على مزيد من الاندماج الاقتصادي داخل غرف مؤتمرهم الفندقية، وفي الخارج متظاهرون ساخطون يطالبون أن يكون لهم رأي. يتكهن رودريك أن تكون سيطرة الدولة هي الخاسر بين الثلاثة. فالسياسة في نهاية المطاف سوف تتحول صعودا إلى مؤسسات عالمية ديمقراطية، بما يعطي الشعوب مساحة أكبر في كيفية صياغة الاندماج الاقتصادي، ويعمل على الإنهاء التدريجي لمفاوضات الباب المغلق بين الدول والدول بوصفها الوسيلة الأساسية لصنع القرار الاقتصادي العالمي.
وثمة نظرية أخرى يقدمها “ألكسندر ويندت” أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية أوهايو، الذي يصر على أن نشوء حكومة عالمية ليس أمرا ممكنا بل حتمي. وبسطا لرأيه هذا، يُدخل ويندت شخصيةً ثالثة من متن الفلسفة الحديثة: ليس هوبيز أو لوك، بل فيلسوف ألمانيا في القرن التاسع عشر جورج فيلهلم فريدريتش هيجل. لقد ذهب هيجل إلى أن الدول تنشأ عبر الصراع الرامي إلى الاعتراف. فالأفراد والجماعات الاجتماعية المحلية تطالب بعضها البعض بالاعتراف بقيم متساوية. ويتوسع الاعتراف، وبالتدريج يعرف الجميع أنفسهم متساوين في هوية (وطنية) مشتركة تشكل كلا متماسكا.
يرى ويندت الدول بوصفها أفرادا من “البشر” وقد نشب بينهم هذا الصراع. ويرى أننا لا نزال في المراحل المبكرة من عملية “الاعتراف والصياغة خماسية المراحل” التي قد تستغرق مائتي سنة لتصل إلى غايتها النهائية أي الدولة العالمية. فكل اضطراب في مرحلة ينقلنا إلى المرحلة التالية، وإن تكن الحركة العكسية واردة أيضا.
تتقدم المراحل من قول هوبز بـ “احتراب الجميع ضد الجميع” وعدم اعترافهم ببعضهم البعض، إلى قول لوك بدولة النظام الطبيعي، الشبيه كثيرا بالنظام الراهن، وفيه تراعى بعض الأعراف ولكن لا يوجد حَكَم على الدول إلا الدول نفسها في كل ما يعنيها بما فيه الدخول في الحرب. وستأتي مراحل تشهد تقلص القوى صانعة الحرب والاضطرابات، بازدياد اعتراف الدول ببعضها البعض من خلال حزم أكبر من القواعد المصانة من الجميع ثم من خلال قوانين عالمية ملزمة في نهاية المطاف. ويذهب ويندت إلى أن النظام الوحيد المستقر هو عبارة عن عالم موحد تمام التوحد في ظل دولة هي المحتكر الوحيد للسلطة الإلزامية الشرعية. ومصداقا لتوقعات فاراج، يقترح ويندت أن تكون على غرار اتحاد أوربي أقوى وأشد تمكينا.
وثمة مقاربة ثالثة، يقدمها “روبرت جودين” أستاذ شؤون الحكم في جامعة إيسيكس فيرى أنه قد يكون لدينا حكومات عالمية أكثر بكثير مما ندرك. ويشير جودين إلى أن النظام العالمي الراهن أشبه كثيرا بالولايات المتحدة في ما قبل الدستور حينما كانت اتحاد ولايات تجمع بينها على استحياء بنود تحالف. في ذلك الوقت، مثلما في وقتنا هذا، كان المركز (أي فيلادلفيا، أو الأمم المتحدة) يتسول عمليا من الولايات موارده وقواته، علاوة على العائد الضريبي الذي يأتي في الغالب من وسائل غير مباشرة مثل الضرائب الجمركية. وفي ذلك الوقت، كما في وقتنا هذا، كان الدفع إلى التكامل يأتي من خلال ولايات تُكوِّن أو تشترك جماعيا في مؤسسات تعينها على تحقيق الأمن والنمو الاقتصادي.
وفي رأيي أنا أن النظام العالمي الراهن أقل شبها من الولايات المتحدة في ما قبل 1789 منه ببلد نام من بلدان زماننا هذا، حيث هرم قمته ثرية نسبيا وكم أكبر بكثير من البشر يعيشون على السفح والقاعدة حيوات يعوزها الاستقرار. وسواء صحت المقارنة التاريخية أم لم تصح، فإن الحجة الوظيفية التي يحتج بها جودين وغيره تبدو منطقية بالنسبة لي إلى حد بعيد. وتأملوا كم سعى صناع القرار، لا سيما في القرن الماضي، إلى إنشاء منظمات إقليمية في أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا، وغيرها، ناهيكم عن المحاكم الدولية، والمنظمات شبه الوزارية المعنية بالرفاه العالمي والأمن الدولي. هذه الكيانات إن نظرنا إليها في إجمالها نرى شبح دولة قائما. قد يرفض صناع القرار العالميون مثال الدولة العالمية علنا، ولكن الجهود البرجماتية الرامية إلى “إقامة دولة عالمية” هي جهود قائمة ومبذولة فعليا.
أما وقد قلت ذلك، فلي أن أخمن أن أكثر من مائتي عام سوف يلزم للوصول إلى شيء يمكن النظر إليه بصفة عامة كما لو كان حكومة عالمية. ففي نهاية المطاف، كان لا بد من مرور ثلاثمائة عام على معاهدة ويستفاليا سنة 1648 ليصبح العالم كله (شبه) ممتلئ بالدول ذات السيادة، بدلا من الممالك والمستعمرات. ويبقى الاتحاد الأوربي الكيان الإقليمي الوحيد عميق الاندماج، وإن تكن مشاريع الاندماج الاقتصادي جارية في كل إقليم تقريبا، أما مؤسسات الحكم العالمي، فتبقى على الرغم من تكاثرها محدودة السلطات.
هل ستنقضي قرون خمسة قبل تشكيل حكومة عالمية؟ ألف سنة؟ إجابتي المعتادة هي ثمانمائة سنة، وإن وجب علي أن أعترف أنني لم أدرس التقدم درسا تاما. وإن بداخلي صوتا يقول إن “لن يحدث” ربما تكون الإجابة الصائبة، لكن حتى لو لم يكن من الممكن الوصول إلى حكومة عالمية كاملة فإن السعي إلى الاندماج بهدف الحصول على الحقوق يعطينا سببا للتفاؤل. فلو أن الهدف النهائي للمؤسسات الحاكمة هو تعزيز الحقوق وصيانتها، ولو أن من الممكن إنشاء مؤسسات أرفع مستوياتٍ لتحقيق هذا الغرض من خلال النضال الاجتماعي والسياسي، فكلما ازداد الحكم الناشئ عالمية، كان ذلك خيرا.