ان في هذا الفصل من الاهمية بمكان، فهو يحوي الكثير من اكرام الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، من حيث نبوته وشفاعته والصلاة عليه والحفظ الالهي له، الامر هو اكبر من ان يحصى او يعد، فما هو الا بحر محيط لا يعرف لها حل، كثير العطاء، زاخر بالاسرار والعلوم والمعجزات الخارقة التي وهبها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم واجراها على يديه الكريمتين، فالله هو المتكفل بامداد انبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام بكل ما يلزمهم من امور دعوة العباد الى الله وتوحيده وعدم الاشراك به. ان النبوة او الرسالة هي امر رباني بحت يخص به من يشاء من عباده، لأن النبوة توهب من قبل الله تعالى لمن يشاء من عباده والولاية تكتسب، فالنبوة هي الاصل والولاية هي الفرع لها وتستمد منها، ففي اوجه النبوة او الرسالة »عامّ، خاصّ، وعامّ وخاصّ«، ولقد غص بها القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة نذكر بعضاً منها على سبيل التنويه والعبرة فقط: العامّ: هو ما ورد بحقه صلى الله عليه وسلم وبحق الانبياء والمرسلين من الامم السابقة، يقول الله تعالى في محكم التنزيل بشكل عام: (وما ارسلنا في قرية من نبي الا اخذنا اهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون) »الاعراف، آية: 94«، (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون) »الاعراف، آية: 157«، (ولكل امة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) »يونس، آية: 47«، (ولقد ارسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم ازواجاً وذرية وما كان لرسول ان يأتي بآية الا بإذن الله لكل اجل كتاب) »الرعد، آية: 38«، (ولقد ارسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول ان يأتي بآية الا بإذن الله فإذا جاء امر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) »غافر، آية: 78«، ان التعميم ظاهر جلياً في هذه الآيات، فهي حقيقة ماثلة للعيان تقع ما بين عبارة واشارة وتلويح وتشبيه، وهذا فن انفرد به القرآن الكريم عن سائر الكتب السماوية الاخرى المنزلة، فهو جوامع الكلم الذي لا تنقضي عجائبه ولا تحصى معانيه، وهذه الآيات تقع ضمن اطر ثلاثة هي: الاطار الاول: التعميم ببعثة الانبياء والرسل. الاطار الثاني: الاشارة الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بصفته المعروفة عند الانبياء والمرسلين ممن سبقوه والمذكورة في كتبهم، وهذه الصفة هي »الأمي« فلقد وضع الحق تعالى النقاط على الحروف تنويهاً لكل ذي عقل سليم سواء كان من المسلمين او من اهل الكتاب لكي يدرك الحقيقة الالهية التي نعت الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ليكون قريباً جداً للايمان ببعثته صلى الله عليه وسلم والايمان به والتصديق برسالته بعيداً عن الوهم والظن والشكوك. الإطار الثالث: الخطاب الخاص بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً له الحق بأن هناك الكثير من الانبياء والرسل الذين بعثهم الله من قبله، كلهم مكلفون بدعوة اقوامهم لتوحيد الله تعالى وعدم الاشراك به، مؤيدين من قبله تعالى بآيات لاقامة الحجة على الناس، فمن امتثل لأمرهم كان من اهل الجنة، ومن عصى كان من اهل النار، نعوذ بالله من ذلك، وهناك ايضاً تنويهاً يقتضي عدم التفصيل بعددهم لأنهم كثر، ولقد اكتفى الحق بالانبياء والرسل الذين ذكرهم الله لرسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى لا يطول به المقام ما بين الشرح والتفصيل، وهذه ناحية اعجازية في القرآن الكريم من باب الاكتفاء، لكي يترك للانسان ان يجتهد ويبحث ويستنبط ولعقله ان يفكر. الخاص: هو بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: (يا أيها النبي انا ارسلنا شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً) »الاحزاب، آية: ،45 46«، (يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الكافرين) »المائدة، آية: 67«، (يا ايها المدثر * قم فأنذر) »المدثر، آية ،1 2«، (يا ايها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) »الانفال، آية: 64«، (يا أيها المزمل * قم الليل الا قليلاً) »المزمل، آية، ،1 2«، ان في هذه الآيات من الخصوصية الكبيرة لرسوله صلى الله عليه وسلم حيث لم يخاطبه الحق تعالى باسمه وانما ومن باب رفعة المنزلة والتكريم له فقد خاطبه بـ »النبي، الرسول، المدثر، المزمل«، بينما خاطب الانبياء والمرسلين ممن سبقوه بأسمائهم، وكما ورد في القرآن الكريم، اضف الى ذلك تأييد الله له ووصفه بالمبشر والنذير والداعي والسراج المنير وغير ذلك من الصفات الفريدة التي نعته الله بها، وهذه دلالة واضحة لا غبار عليها على أنه خاتم الانبياء والمرسلين وسيدهم، وهو صاحب الموقف يوم القيامة، وهو الرجل الوحيد المسموع قوله من قبل الحق تعالى في ذلك اليوم الموعود. العام والخاص: هو ما ورد بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا عيسى عليه السلام، يقول الله تعالى: (واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه احمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) »الصف، آية: 6«، ان هذه الآية واضحة ببيانها، حيث ان عيسى عليه السلام هو نفخة من روح الله، فقد ولد من ام وبدون اب، فتنطوي في حقيقته لطافة ورقة وشفافية متناهية، ولقد انفرد بهذه الصفة عن غيره من الانبياء والرسل، وبالرغم من ذلك فقد بشر ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتحديداً بالاسم، وكما ورد في الآية القرآنية اعلاه، وهذا امر باهر وظاهر كظهور الشمس في كبد السماء فيه بيّنة لكل منكر او متشكك او متحير او باحث عن الحقيقة، بالرغم من ان سيدنا محمد ولد من اب وام. واما ما ورد في السيرة النبوية من باب العام والخاص: فعن عرباص بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »اني عبدالله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى ورؤا امي التي رأت، وكذلك امهات النبيين ترين« رواه الامام احمد في مسنده مسند الشاميين ورقم الحديث »16525«، وعن العرباص بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »اني عبدالله في أم الكتاب لخاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا امي التي رأت أنه خرج منها نور اضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى امهات النبيين صلوات الله عليهم« رواه الامام احمد في مسنده مسند الشاميين ورقم الحديث »16537«، ففي هذي الحديثين الدلالة القاطعة على ان الانبياء والرسول حلقتهم متصلة مع الملأ الاعلى، ولا ينطقون الا بما يؤمرون به من قبل الله عز وجل، فهم الامناء على اوامر الله التي تملى عليهم من قبله، وكل منهم يبشر بالانبياء والرسل من بعده، فحلقتهم متصلة قوية الترابط لا يوجد فيها انفصام لكي تقطع الطريق على كل من تسول له نفسه بالفساد وتشويه الحقائق. وانه في هذا المقام لا بد لنا من ان نستعرض بعض البنود التي تتعلق بهذا الموضوع الواسع من: »نبوته وشفاعته والصلاة عليه والحفظ له صلى الله عليه وسلم وبعض الامور الاخرى«: اولاً: محاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وحفظ الله له: ان العناية الربانية هي المتحكمة في هذا الامر لا شيء سواها، وهل هذا الامر يستطيع الانسان ان يجلبه لنفسه ويضمن النتائج؟ كلا بل انه يأخذ بأسبابه فقط والنتيجة هي بأمر الله تعالى، واما بالنسبة للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام فالأمر مختلف تماماً، حيث ان الله تعالى هو الضامن لهم بالحفظ مع ضمان النتيجة لهم، فما بالك بخاتم الانبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدهم، وصاحب الوسيلة، والشفاعة، وصاحب لواء الحمد، وخير خلق الله على الله تعالى، فكف لا يكون له حفظ من الله تعالى؟ اذاً فهذا الامر محسوم ومضمونة نتائجه سلفاً، وننظر بعض الوقائع التي حصلت مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قال »ابن هشام« رضي الله عنه في كتابه »السيرة النبوية«: فلما لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بني قومه وكذبوه وانكروا عليه، ولم يذعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمطالبهم بترك الدعوة الى دين الاسلام، ولمكافأتهم له من متاع الدنيا: لقد قال ابو جهل لعنه الله: يا معشر قريش، ان محمداً قد ابى الا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه احلامنا، وشتم آلهتنا، واني اعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما اطيق حمله، او كما قال: فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك او امنعوني، فليضع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله ما نسلمك لشيء ابداً، فامض