هدى حمد -
بكل الوسائل الممكنة، بكل الحكايات الجميلة وبتقنص الشخصيات الطفولية، أحاول أن أقنع أطفالي بضرورة تناول السمك الشهي. مقليا أو مكبوسا أو مشويا، وغالبا ما تجدي محاولاتي نفعا. رغم أنّ السمك اليوم لم يعد يشبه السمك الذي كانت تعده لي أمي ورائحته “مبزرا” تدل المعدة إلى طريق البيت. السمك المجمد اليوم فقد الكثير من لذته، وغلا سعره، وما خفي أعظم..*
يبدو أنّ المثل الذي يقول: “الناقة ناقتي وأركب على الذيل” ينطبقُ علينا، فنحن أمام بحرنا شاسع الخير ننتظر ما تجود به يد الغير، وما يتفضلون به، لذا علينا أن لا نحزن كثيرا عندما تنطلق شاحنات التصدير من حدودنا إلى حدود الدول المجاورة مُحملة بأفضل أنواع أسماكنا. فعلى الرغم من أنّها مهنة حُرّة تجلب ثروة في هذا الزمن إلا أنّ الشباب العُماني ينأى عنها، ويتنازل لصالح قوى عاملة وافدة تقتاتُ خير بلادنا، ومن ثم نجلس نتشكى من ضعف الحال. إلى الآن لا أنسى الشاب الذي حاورته ذات يوم ضمن مشروع التعمين فقال لي: “متوسط دخلي اليومي 200 ريال، قد يزيد أو ينقص قليلا”. كان هذا الكلام قبل عدة سنوات، فكم هو دخل صيد الأسماك اليوم؟
التحقيق الذي نُشر يوم الأمس في جريدة عمان يُثير الرعب حول “تضارب الآراء في ضبطية أسماك الصومال ويهز ثقة المستهلك”، فقد تمّ ضبط 26 طنا من الأسماك المستوردة المخالفة لقانون حماية المستهلك، وهو ليس بالرقم الصغير والعابر.. بل هو رقم مرعب. السؤال الأهم: ما حاجتنا للأسماك الصومالية ولدينا هذا الخير؟ أيعقل أن نستورد أسماكنا من الصومال والهند وتصدر أسماكنا العمانية للدول المجاورة ونحن في أمس الحاجة إليها.. لنفترض أنّ ذلك يحدث من باب تنوع منتجات السوق والتنافس بين أنواعها، ولكن لماذا يحدث تغيير اسم المصدر من الصومال إلى سلطنة عُمان؟ ما الحاجة إلى ذلك وقد دخل السمك بطريقة شرعية عبر ميناء ريسوت؟ وقد تمّ بيع 18 طنا داخل الميناء على أنها أسماك عمانية؟ وأيضا ما الحاجة إلى التلاعب بتواريخ الإنتاج والانتهاء، وهل يعقل أن تكون كل هذه الأطنان قد تعرضت “لأخطاء مطبعية” كما أشار التحقيق. ترى هل أريد من هذه اللعبة.. أعني لعبة تغيير اسم المصدر أن يزيد الربح السريع عبر تغذية السوق بأسماك عُمانية كلنا يعلم جودتها العالية أم أنّ ما خفي أعظم؟ وأين دور وزارة الزراعة والثروة السمكية من هذه المسرحية العبثية.
أظن أنه آن الأوان لتمكين هيئة حماية المستهلك، لتكون ذات قرار نافذ على كل من تسول له نفسه العبث بالمواطن وحياته، فمسلسل الغش منذ الكشف عن الحلويات الفاسدة، لا يبدو لنا أنه مسلسل قصير المدى، بل هو طويل وطويل، ويتطلب وجود سلطة أعلى من المتاحة الآن للهيئة لتكشف لنا بقوة وجرأة عن المحتكرين للسوق العُماني، والتي تمنع تنفسه الصعداء.
ما يقلقنا إلى الآن هو عدم الإفصاح عن أسماء المؤسسات والشركات المتورطة في عمليات نصب من هذا القبيل، ويتم التستر عليها لتعيث فسادها في الخفاء. المفترض أن تتغير هذه السياسة وأن يتم الإفصاح عن اسم المسؤول أو اسم أي جهة أو شركة ذات علاقة بأي شكل من أشكال الفساد، فكل جهة أو كل مسؤول معني بالدرجة الأولى “بالسمعة” لأنها رأس ماله الأول والأخير، وإن كان ذلك يحدث مع السمك، فيمكن أن يحدث مع أشياء أخرى كثيرة.
لا نريد أن نكون على ذيل ناقتنا، بل أن نعتلي سنامها، أن نرفع من قيمة هذه المهنة في أعين شبابنا، وأن نُشبع السوق العماني من احتياجه أولا ومن ثم نحيل الفائض إلى الخارج.. لا العكس.
بكل الوسائل الممكنة، بكل الحكايات الجميلة وبتقنص الشخصيات الطفولية، أحاول أن أقنع أطفالي بضرورة تناول السمك الشهي. مقليا أو مكبوسا أو مشويا، وغالبا ما تجدي محاولاتي نفعا. رغم أنّ السمك اليوم لم يعد يشبه السمك الذي كانت تعده لي أمي ورائحته “مبزرا” تدل المعدة إلى طريق البيت. السمك المجمد اليوم فقد الكثير من لذته، وغلا سعره، وما خفي أعظم..*
يبدو أنّ المثل الذي يقول: “الناقة ناقتي وأركب على الذيل” ينطبقُ علينا، فنحن أمام بحرنا شاسع الخير ننتظر ما تجود به يد الغير، وما يتفضلون به، لذا علينا أن لا نحزن كثيرا عندما تنطلق شاحنات التصدير من حدودنا إلى حدود الدول المجاورة مُحملة بأفضل أنواع أسماكنا. فعلى الرغم من أنّها مهنة حُرّة تجلب ثروة في هذا الزمن إلا أنّ الشباب العُماني ينأى عنها، ويتنازل لصالح قوى عاملة وافدة تقتاتُ خير بلادنا، ومن ثم نجلس نتشكى من ضعف الحال. إلى الآن لا أنسى الشاب الذي حاورته ذات يوم ضمن مشروع التعمين فقال لي: “متوسط دخلي اليومي 200 ريال، قد يزيد أو ينقص قليلا”. كان هذا الكلام قبل عدة سنوات، فكم هو دخل صيد الأسماك اليوم؟
التحقيق الذي نُشر يوم الأمس في جريدة عمان يُثير الرعب حول “تضارب الآراء في ضبطية أسماك الصومال ويهز ثقة المستهلك”، فقد تمّ ضبط 26 طنا من الأسماك المستوردة المخالفة لقانون حماية المستهلك، وهو ليس بالرقم الصغير والعابر.. بل هو رقم مرعب. السؤال الأهم: ما حاجتنا للأسماك الصومالية ولدينا هذا الخير؟ أيعقل أن نستورد أسماكنا من الصومال والهند وتصدر أسماكنا العمانية للدول المجاورة ونحن في أمس الحاجة إليها.. لنفترض أنّ ذلك يحدث من باب تنوع منتجات السوق والتنافس بين أنواعها، ولكن لماذا يحدث تغيير اسم المصدر من الصومال إلى سلطنة عُمان؟ ما الحاجة إلى ذلك وقد دخل السمك بطريقة شرعية عبر ميناء ريسوت؟ وقد تمّ بيع 18 طنا داخل الميناء على أنها أسماك عمانية؟ وأيضا ما الحاجة إلى التلاعب بتواريخ الإنتاج والانتهاء، وهل يعقل أن تكون كل هذه الأطنان قد تعرضت “لأخطاء مطبعية” كما أشار التحقيق. ترى هل أريد من هذه اللعبة.. أعني لعبة تغيير اسم المصدر أن يزيد الربح السريع عبر تغذية السوق بأسماك عُمانية كلنا يعلم جودتها العالية أم أنّ ما خفي أعظم؟ وأين دور وزارة الزراعة والثروة السمكية من هذه المسرحية العبثية.
أظن أنه آن الأوان لتمكين هيئة حماية المستهلك، لتكون ذات قرار نافذ على كل من تسول له نفسه العبث بالمواطن وحياته، فمسلسل الغش منذ الكشف عن الحلويات الفاسدة، لا يبدو لنا أنه مسلسل قصير المدى، بل هو طويل وطويل، ويتطلب وجود سلطة أعلى من المتاحة الآن للهيئة لتكشف لنا بقوة وجرأة عن المحتكرين للسوق العُماني، والتي تمنع تنفسه الصعداء.
ما يقلقنا إلى الآن هو عدم الإفصاح عن أسماء المؤسسات والشركات المتورطة في عمليات نصب من هذا القبيل، ويتم التستر عليها لتعيث فسادها في الخفاء. المفترض أن تتغير هذه السياسة وأن يتم الإفصاح عن اسم المسؤول أو اسم أي جهة أو شركة ذات علاقة بأي شكل من أشكال الفساد، فكل جهة أو كل مسؤول معني بالدرجة الأولى “بالسمعة” لأنها رأس ماله الأول والأخير، وإن كان ذلك يحدث مع السمك، فيمكن أن يحدث مع أشياء أخرى كثيرة.
لا نريد أن نكون على ذيل ناقتنا، بل أن نعتلي سنامها، أن نرفع من قيمة هذه المهنة في أعين شبابنا، وأن نُشبع السوق العماني من احتياجه أولا ومن ثم نحيل الفائض إلى الخارج.. لا العكس.