اعتذار – و دروس من صانع القرار المصري

    • خبر
    • اعتذار – و دروس من صانع القرار المصري

      Shababek كتب:

      ما يحدث الآن ببساطة هو صراع بين الخير والشر. كيف تعرف هذا من ذاك يساعدك عليه حين تشاهد لقطات لأفراد عزل تقتلهم شرطة بلادهم بدم بارد، وتدهسهم سيارات دبلوماسية وسيارات إطفاء، وحين تقرأ كيف أن شابا يسير في طريقه تجمع عليه أراذلهم فأوسعوه ضربا حتى مات. مع كل هذه الأمور المحزنة والمؤسفة، يصعب عليك أن تكتب أو تفكر، لكن في النهاية تنتصر رغبة الحياة، والأمل في غد أفضل. وعليه، أعتذر لقارئي الكريم عن هذا الانقطاع، لكن التصاقي بشاشات قنوات الجزيرة جعلني في حالة لا تسمح لي بكتابة ما هو مفيد.



      تقول الحكمة: لا تقاطع عدوا وهو يرتكب الأخطاء. هذه المقولة ظلت تتردد في عقلي وأنا أتابع بقلق ما يحدث على الساحة المصرية. في الوقت ذاته لم أملك ألا ألاحظ بعض الأخطاء القاتلة التي وقع فيها صانع القرار المصري، ولست هنا للشماتة في هذا أو الدفاع عن ذاك، فهذا الأمر لست أهلا له، لكني هنا أوثق مشاهدات عايشتها ولاحظتها، وأكتب ما وجدته عل الأجيال القادمة تتعلم منه ولا تقع في الأخطاء ذاتها، والتي يجب دراستها والخروج منها بالدروس والعبر. في الوقت ذاته، هذه الدروس يمكن تطبيقها في عالم التجارة، وعليك أن تقرأ حتى النهاية لتعرف كيف.

      بداية، دعونا نعرض بعض الأخطاء القاتلة لصانع القرار المصري:
      1- لا تذع الأكاذيب عبر وسيلة إعلام
      قام التليفزيون المصري عبر كل قنواته، ببث الأخبار الكاذبة في وضح النهار، دون حياء أو خجل، – بل وباعتراف التليفزيون ذاته من خلال استضافته لضيوف قالوا ذلك ولم يعترض عليهم – وهو الأمر الذي دعا بعض العاملين فيه لتقديم استقالتهم أو اعتذارهم عن المشاركة في هذه الكوميديا السوداء. في عصر الصحافة الشعبية، والكاميرات في يد الجميع، والانترنت التي تجعل الجميع قادرا على أن يكون وكالة إعلامية، أصبح من العبث اللجوء لأساليب الخداع والتزييف. الكذب اليوم يمكن فضحه بكل سهولة، ما يعني خسائر فادحة لا يمكن تقديرها.

      2 – لا تعادي الوسائل الإعلامية
      خالف صانع القرار شروط عقده مع قناة الجزيرة وأوقف بثها، وقبض على مراسليها، وضيق على من لم يستطع القبض عليهم من المراسلين الأجانب. ماذا حدث بعدها؟ قبل هذا الموقف، كانت قناة الجزيرة تضع بعض الاعتبارات البسيطة في تغطيتها للأحداث ولا تتخطاها، لكن بعد هذه الخطوة، أطلقت القناة العنان لكل قدراتها وجيشت كل الناس لمساعدتها في مدها بالأفلام والصور والأخبار، ووفرت كل المواد الإعلامية التي تقدمها بالمجان لمن يريد في كل أقطار الأرض. ماذا كانت النتيجة؟ أصبح العالم كله يتابع قناة الجزيرة، وبدلا من أن يضعفها هذا القرار، أصبحت المصدر الأول لمن يريد معلومات عن الموقف الحالي في مصر. كذلك، سيكون من المخاطرة الشديدة لأي قناة تليفزيونية الاستمرار مع شركة تقطع البث على هواها ولا تلتزم بشروط العقود!

      3 – لا تقطع وسائل الاتصال والانترنت
      دخل صانع القرار المصري التاريخ من أسوأ أبوابه، فسيظل التاريخ يذكر أن أول بلد قـُطع عنها الاتصال بشبكة انترنت عمدا هي مصر، ليس هذا وحسب، بل وبالتزامن مع قطع خدمات الهاتف النقال والرسائل النصية القصيرة. هل حقق قرار مثل هذا أي فائدة؟ المحصلة في رأيي كانت مدمرة. قد لا يعلم الكثيرون هذا، لكني تابعت عبر مواقع أوروبية شغفهم وهم يستمعون عبر موجات الراديو اللاسلكي إلى قرابة 50 مصريا يستخدمون شيفرة مورس عبر أجهزة اللاسلكي لنقل ما يحدث لهم في ميدان التحرير أولا بأول في ظل التعتيم الحكومي، هذا النقل جعل جيوشا من هواة اللاسلكي في العالم ينصتون إلى أجهزة الاستقبال لديهم بحثا عن أي خبر يأتي من مصر لينشروه. هذا الاستخدام العبقري – والبسيط – جعل العالم كله يتابع وينصت، وينشر أي رسالة تفد عبر موجات الراديو. ليس هذا وحسب، بل دخل العملاق جوجل على خط المواجهة ووفر خدمة سبيك تو تويت خصيصا من أجل مساعدة شعب مصر المحروم من التواصل مع العالم الخارجي. مقابل كل ذلك، تحولت نظرة وسائل الإعلام العالمية إلى صانع القرار المصري وأصبح عندهم في مصاف هتلر وصحبه.

      مرة أخرى أؤكد على أن هذه المدونة ليست معنية بالسياسة، وسيبقى صاحبها مستبدا لفرض هذا الأمر، والدليل على ذلك أن هذه الأخطاء نراها تتكرر في عالم التجارة. دعني أشرح لك.

      1 – لا تذع الأكاذيب
      حين يأتي صاحب مدونة شبايك ويزعم أنها أفضل مدونة في العالم، فهو يكذب ساعتها، لأن لقب أفضل مدونة في العالم هو مجرد وهم وضرب من الخيال، وهو لقب لكل إنسان على ظهر هذه الأرض تعريفه الخاص له، وبالتالي لا يمكن أن يزعم أحدهم أنه يستحقه. دعنا من باب ضرب المثل نقول أن شركة نوكيا أطلقت هاتفا ما في السوق وقالت أنه أفضل هاتف على الإطلاق في فئته (وهي لا تفعل ذلك، بل تفعله بعض شركات العلاقات العامة!). لو كانت نوكيا ستبيع هذا الهاتف إلى العاملين لديها فيمكنها قول ذلك، لكنها تخاطب المستهلكين، وكل واحد من هؤلاء له تعريفه الخاص لأفضل هاتف، ولذا سيكون رد الفعل الطبيعي عند قراءة ألقاب مثل هذه هو الحكم بأن هذا كذب، وأن سبب اللجوء للكذب هو ضعف في المنتج، وكل هذه نتائج سلبية لها تداعيات مدمرة على المدى الطويل. المشكلة الأكبر هي أنه حين تفلح نوكيا في المجيء بأفضل هاتف على الإطلاق بالفعل، فلن يصدقها أحد، لأنها تقول ذلك عن كل هاتف من هواتفها. (مرة أخرى أوضح أن استعمال نوكيا هنا كان لمجرد ضرب المثل، لأن نوكيا أكثر ماركة مشهورة في عالمنا العربي – عفوا، دعوني أصلح ذلك، بل هي واحدة من أكثر الماركات شهرة عربيا). الأكاذيب هنا يمكن تفسيرها على أنها اختلاف وجهات النظر بين المشتري وبين البائع، ولذا عليك دائما أن تأخذ بوجهة نظر المشتري وترى الأمور من موقعه هو. من يشتري منتجك هو سيد الموقف، وعليك أن ترى كيف تبدو الصورة من زاويته!

      2 – لا تعادي وسائل الإعلام
      حين يأتيك صحفي مجهول، يعمل لدى مطبوعة نكرة، فلا تعامله باستخفاف وتكبر، فقد يدفعه غرورك في الحديث لمعرفة كل شيء عن شركتك، ومتابعة تاريخ الأخطاء والعثرات والمشاكل لها ونشرها، وهو قد يملك مدونة ذات بعض الصيت! لا تصنع أعداء لك بدون مبرر، خاصة أولئك الذين يملكون الوصول إلى الجماهير. هذا لا يعني النفاق أو المداهنة، بل الحكمة والدبلوماسية، واستعمال العقل لا العند والغرور.

      3 – لا تقطع وسائل الاتصال مع و بين الناس
      لنقل أن لديك شركة تصميم مواقع توفر خدمة ما عبر انترنت، مثل موقع خدمي لكل الناس. لا تقدم هذه الخدمة وتقف، بل وفر وسيلة يمكن لمستخدمي الخدمة التواصل عبرها – معك ومع بعضهم. كذلك، وفـّر قنوات اتصال بين شركتك وبين عملائك، وتأكد من عمل هذه القنوات في الاتجاهين وبكل شفافية وصدق وسرعة استجابة. لا تجعل شركتك قلعة مغلقة لا يمكن للعملاء الوصول إليها. قنوات الاتصال ما بين العميل والشركة مقدمة المنتج والخدمة، وبين العملاء وبعضهم، تعمل كوسيلة حماية للشركة ضد المنافسين، وضد اتخاذ الشركة لقرارات غير صائبة يكون لها المردود السلبي، وهذه لا تعرفها إلا حين ينبهك إليها العملاء.

      على الجانب:

      • طلب مني البعض الحديث عن الأحداث الجارية، وهو نوع من الخطأ، فليست السياسة ليتحدث فيها كل وأي شخص، وأنا أجد أن الصحفي المخضرم إبراهيم عيسى والروائي الأسواني هما أفضل مني بكثير في شرح الموقف الحالي، مع اختلافي معهما في نقاط أخرى.
      • وكأني بماكر يسألني مع أي الفريقين أنت، فرددت عليه، لو أن هؤلاء الشباب تولوا مناصب قيادية في مصر، لوجدنا مصرا أفضل من الحالية 30 ألف مرة!
      • لا تجد بلدا يُقطع عنها الاتصال بشبكة انترنت كل يوم، لكن حين حدث ذلك أوضح لي أن زوار المدونة من مصر يشكلون 30% من إجمالي الزوار.
      • أختم بالدعاء إلى الله أن يقبل ويغفر لمن اختارهم ليكونوا شهداء هذه الثورة الجميلة، وأن يخفف آلام من لم يلحقوا بهم بعد.

      الصورة التوضيحية المستعملة مأخوذة من موقع فليكر وهي ضمن تصنيف Creative Commons

      Source: shabayek.com/blog/2015/10/27/ا…وس-من-صانع-القرار-المصري/