عندما ينتزع النهار من سجون ليل عسقلان ، تراه يجلس هناك.... في زاوية معتمة مبتعدا ابتعادا تاما عن الصفحة الفضية التي تنسجها خيوط القمر على الأرضية من نافذة الزنزانة ، لقد كان قبل عدة سنوات يحب النظر إلى تلك الصفحة و يخط عليها حبل الأمل .... حتى أنامله كانت تقبل القضبان يوميا أملا بالحرية ...... و لكنه الآن و بعد مرور ثلاثة و عشرون عاما تآكل هذا الحبل إلى أن قطعه الزمن و إلى أن احترقت أصابعه و إلى أن قرر " عمار " أن يبقى جالسا في تلك الزاوية المعتمة ... المخيفة .... المظلمة ، ربما حتى لا تظهر على وجهه تجاعيد الألم و الحسرة ، يبقى مستيقظا طوال الليل يدندن بأغنيته المفضلة :
" ...... عالبال يا حيفا ...... عالبال يا يافا ........ عالبال يا عكا ....... عالبال يا عسقلان و يا تل الربيع ... عالبال يا أم الرشراش ....... "
و هكذا ... لا ينام جفنه الذي يسترجع شريط فيلم حياته منذ ثلاثة و عشرون عاما ، نعم هذا الشريط الذي لن و لم يحرق من ذاكرة " عمار " ينام و يصحو على ذكرياته ، غير آبه للخطوط الحمراء التي رسمها الجلادين على جسده ...... حتى أنه ينسى ألمها الرهيب ، يتذكر أنه كان شخصا مليئا بروح الشباب ، عاش من أجل " يافا " ، و حب" يافا " ، نعم كم كان يحب ابنته " يافا " ... لذا أعطاها شرف تسميتها .
لقد ربى " يافا " منذ صغرها على حب بحر " يافا " و على أنفاس عبق بياراتها " علم " يافا " أن تعشق قمر " يافا " و رمال " يافا " ، علمها أن تغني : "... عالبال يا حيفا .... عالبال يا يافا .... " . و كم كان يحب
" عمار " تقبيل خدي " يافا " الورديين ، حينها يمسي أسعد إنسان في هذه الدنيا .... هكذا كانت حياتهم و حياة الكثير من الناس .
إلى أن جاء من نشر الأرواح الشريرة هنا و هناك .... انتشر الظلام و خيم على سماء الحب .... تلوث بحر " يافا " ، سممت أنفاس البيارات ، شوه وجه القمر ....... آه ..... نعم انه عام " ثمانية و أربعين " العام الذي رحلت فيه الكثير من الأرواح الطيبة ، العام الذي لم و لن ينساه " عمار " ؛ لأنه خطف أكثر الأرواح براءة على وجه الأرض ، لقد رحلت " يافا " أمام عيني والدها ، رحلت إلى مكان بعيد .... بعيد جدا ، يومها انسابت اللآلئ من عيني " عمار " لتسقط بلمعان ساحر على وجه " يافا " الوردي ، يريد أن يجعل روحها تنام بسلام و سكون ، نعم ... انه يريد أن ينتقم ممن أخد روحه و هرب ، ممن ذبحه من وريده ، حتى الوريد طالب بالانتقام ، لذا أصبح أسدا من أسود فلسطين ... أسدا حاول خطف روح الشر ليحرقها في الجحيم . في الحقيقة لهذا هو الآن في إحدى زوايا زنازين عسقلان .... لأنه حاول أن ينتقم ليافا .
ما زالت اللآلئ تنساب من عيني " عمار" كلما مرر هذا الفيلم في ذاكرته ، ليس لشيء بل لأن شفتيه اشتاقتا لخدي " يافا " ، و قدميه اشتاقتا لتراب يافا ، و أنفه اشتاق لعبق " يافا " ، لكنه يعاود و يغني : " ... عالبال يا حيفا ... عالبال يا يافا .... " . يبقى هكذا كل ليلة منتظرا بزوغ الخيوط الذهبية لترسم صفحة أخرى على أرضية الزنزانة ، هذه الأشعة التي سرعان ما تكشف وجها بائسا ....... وجها أنهكه الزمن ، وجه ملى بتجاعيد الألم و الحسرة ، وجه أكلته سياط الجلادين ، و امتص الشقاء و الزمن سواد شعره .
يبقى " عمار " جالسا هناك ، في زاويته المعتمة يستمع إلى همسات زملائه السجناء ، همسات مليئة بالأسى ، و بالرغم أنه لا يختلط بهم كثيرا إلا أنه يرى بعيونهم ما صنعه الظلام الخانق ، و لكن و في الحقيقة و قبل أي سابق إنذار أقبل " شادي " - و هو أحد السجناء - على " عمار " فرمقه بعينيه البائستين لكن " شادي " لم يأبه بنظرات " عمار " الثاقبة و قال :
- يا سيد يبدو أنك هنا منذ زمن طويل .... عكسي أنا !
و أخيرا تحرك باب حنجرة " عمار " فظهر صرير صوته قائلا :
- لم تبق " يافا " هي " يافا " ... " عالبال يا حيفا ..... عالبال يافا...... "
- آه .... أنت تغني إذا ... بعد طول الصمت تغني ! لا بأس لكنني سمعت أنهم سيفرجون عمن لهم مدة طويلة هنا و أرجو لك الحظ السعيد ... ، إلى اللقاء .... بالمناسبة أنا " شادي " .
الغريب أن عمار لم يعد يجلس بزاويته المعتمة تلك ، و الغريب و العجيب أكثر أنه الآن هائما خارج زنزانته بل خارج أسوار سجن عسقلان كله ، أي أن " شادي " الثرثار كان على حق ، لكن تلك اللآلئ عادت تزين عينيه لسبب بسيط أنه لن يستطيع الذهاب لتقبيل قبر" يافا " ، لذا كان لا بد أن يحرق بعض أرواح الجلادين ، لقد قتل لتوه روحا شريرة فدفع روحه ثمنا لذلك .... و فجأة .... غاص " عمار " بعالم آخر ، عالم مضيء ... عالم ملائكي ، لقد رحل إلى ذلك المكان البعيد البعيد ، لكنه كذب عينيه عندما لمح ذلك الخد الوردي الذي اشتاقت شفتاه له .... نعم إنها " يافا " الملاك ... لقد ناشدها بلآلئ عينيه ... ناشد " يافا " الجمال ، " يافا " البراءة .....
عندما أغمض عينيه كان ينتظر الرثاء ، لكنه الآن ينتظر تقبيل يافا ليغنيان : "....... عالبال يا حيفا .... عالبال يا يافا ......"