عالبال يا حيفا ..... عالبال يا يافا

    • عالبال يا حيفا ..... عالبال يا يافا

      ما هو تقييمكم للنص ؟ و مشكورين 5
      1.  
        سيئ (0) 0%
      2.  
        متوسط (0) 0%
      3.  
        ممتاز (5) 100%

      عندما ينتزع النهار من سجون ليل عسقلان ، تراه يجلس هناك.... في زاوية معتمة مبتعدا ابتعادا تاما عن الصفحة الفضية التي تنسجها خيوط القمر على الأرضية من نافذة الزنزانة ، لقد كان قبل عدة سنوات يحب النظر إلى تلك الصفحة و يخط عليها حبل الأمل .... حتى أنامله كانت تقبل القضبان يوميا أملا بالحرية ...... و لكنه الآن و بعد مرور ثلاثة و عشرون عاما تآكل هذا الحبل إلى أن قطعه الزمن و إلى أن احترقت أصابعه و إلى أن قرر " عمار " أن يبقى جالسا في تلك الزاوية المعتمة ... المخيفة .... المظلمة ، ربما حتى لا تظهر على وجهه تجاعيد الألم و الحسرة ، يبقى مستيقظا طوال الليل يدندن بأغنيته المفضلة :
      " ...... عالبال يا حيفا ...... عالبال يا يافا ........ عالبال يا عكا ....... عالبال يا عسقلان و يا تل الربيع ... عالبال يا أم الرشراش ....... "
      و هكذا ... لا ينام جفنه الذي يسترجع شريط فيلم حياته منذ ثلاثة و عشرون عاما ، نعم هذا الشريط الذي لن و لم يحرق من ذاكرة " عمار " ينام و يصحو على ذكرياته ، غير آبه للخطوط الحمراء التي رسمها الجلادين على جسده ...... حتى أنه ينسى ألمها الرهيب ، يتذكر أنه كان شخصا مليئا بروح الشباب ، عاش من أجل " يافا " ، و حب" يافا " ، نعم كم كان يحب ابنته " يافا " ... لذا أعطاها شرف تسميتها .
      لقد ربى " يافا " منذ صغرها على حب بحر " يافا " و على أنفاس عبق بياراتها " علم " يافا " أن تعشق قمر " يافا " و رمال " يافا " ، علمها أن تغني : "... عالبال يا حيفا .... عالبال يا يافا .... " . و كم كان يحب
      " عمار " تقبيل خدي " يافا " الورديين ، حينها يمسي أسعد إنسان في هذه الدنيا .... هكذا كانت حياتهم و حياة الكثير من الناس .

      إلى أن جاء من نشر الأرواح الشريرة هنا و هناك .... انتشر الظلام و خيم على سماء الحب .... تلوث بحر " يافا " ، سممت أنفاس البيارات ، شوه وجه القمر ....... آه ..... نعم انه عام " ثمانية و أربعين " العام الذي رحلت فيه الكثير من الأرواح الطيبة ، العام الذي لم و لن ينساه " عمار " ؛ لأنه خطف أكثر الأرواح براءة على وجه الأرض ، لقد رحلت " يافا " أمام عيني والدها ، رحلت إلى مكان بعيد .... بعيد جدا ، يومها انسابت اللآلئ من عيني " عمار " لتسقط بلمعان ساحر على وجه " يافا " الوردي ، يريد أن يجعل روحها تنام بسلام و سكون ، نعم ... انه يريد أن ينتقم ممن أخد روحه و هرب ، ممن ذبحه من وريده ، حتى الوريد طالب بالانتقام ، لذا أصبح أسدا من أسود فلسطين ... أسدا حاول خطف روح الشر ليحرقها في الجحيم . في الحقيقة لهذا هو الآن في إحدى زوايا زنازين عسقلان .... لأنه حاول أن ينتقم ليافا .

      ما زالت اللآلئ تنساب من عيني " عمار" كلما مرر هذا الفيلم في ذاكرته ، ليس لشيء بل لأن شفتيه اشتاقتا لخدي " يافا " ، و قدميه اشتاقتا لتراب يافا ، و أنفه اشتاق لعبق " يافا " ، لكنه يعاود و يغني : " ... عالبال يا حيفا ... عالبال يا يافا .... " . يبقى هكذا كل ليلة منتظرا بزوغ الخيوط الذهبية لترسم صفحة أخرى على أرضية الزنزانة ، هذه الأشعة التي سرعان ما تكشف وجها بائسا ....... وجها أنهكه الزمن ، وجه ملى بتجاعيد الألم و الحسرة ، وجه أكلته سياط الجلادين ، و امتص الشقاء و الزمن سواد شعره .

      يبقى " عمار " جالسا هناك ، في زاويته المعتمة يستمع إلى همسات زملائه السجناء ، همسات مليئة بالأسى ، و بالرغم أنه لا يختلط بهم كثيرا إلا أنه يرى بعيونهم ما صنعه الظلام الخانق ، و لكن و في الحقيقة و قبل أي سابق إنذار أقبل " شادي " - و هو أحد السجناء - على " عمار " فرمقه بعينيه البائستين لكن " شادي " لم يأبه بنظرات " عمار " الثاقبة و قال :
      - يا سيد يبدو أنك هنا منذ زمن طويل .... عكسي أنا !
      و أخيرا تحرك باب حنجرة " عمار " فظهر صرير صوته قائلا :
      - لم تبق " يافا " هي " يافا " ... " عالبال يا حيفا ..... عالبال يافا...... "
      - آه .... أنت تغني إذا ... بعد طول الصمت تغني ! لا بأس لكنني سمعت أنهم سيفرجون عمن لهم مدة طويلة هنا و أرجو لك الحظ السعيد ... ، إلى اللقاء .... بالمناسبة أنا " شادي " .

      الغريب أن عمار لم يعد يجلس بزاويته المعتمة تلك ، و الغريب و العجيب أكثر أنه الآن هائما خارج زنزانته بل خارج أسوار سجن عسقلان كله ، أي أن " شادي " الثرثار كان على حق ، لكن تلك اللآلئ عادت تزين عينيه لسبب بسيط أنه لن يستطيع الذهاب لتقبيل قبر" يافا " ، لذا كان لا بد أن يحرق بعض أرواح الجلادين ، لقد قتل لتوه روحا شريرة فدفع روحه ثمنا لذلك .... و فجأة .... غاص " عمار " بعالم آخر ، عالم مضيء ... عالم ملائكي ، لقد رحل إلى ذلك المكان البعيد البعيد ، لكنه كذب عينيه عندما لمح ذلك الخد الوردي الذي اشتاقت شفتاه له .... نعم إنها " يافا " الملاك ... لقد ناشدها بلآلئ عينيه ... ناشد " يافا " الجمال ، " يافا " البراءة .....
      عندما أغمض عينيه كان ينتظر الرثاء ، لكنه الآن ينتظر تقبيل يافا ليغنيان : "....... عالبال يا حيفا .... عالبال يا يافا ......"
    • فلسطين ...

      يافا ...

      أرض المصير ...

      أرض الموت ..

      أرض السلام المنتظر ...

      تتجولين بنا عبر كل الردهات ..

      ونحن ماضيين خلفكِ ...


      عزيزتي ...


      واصلي .. واصلي
      عدت والعود أحمدُ