عن سيّدي وحبيبي…

    • خبر
    • عن سيّدي وحبيبي…

      Atheer News كتب:

      محمد الهادي الجزيري

      مازلت عبدا للوجه حتّى وإن دنوت من الموت وذقت ستّة أشهر من سطوته وجبروته، وخلتني قد شفيت من دائي القديم :

      نعم لم أزل متاحا لسلطته، ذاك الظالم الغاشم المدهش المذهل المستبّد ، ذاك الذي أغواني صغيرا وأنكرني كبيرا، كيف للأبجدية أن تتحدّث بلسانها المعقود وتقصّ على فلول العشاق والشعراء حكايتي مع الوجه ، ما فعله بي وما يقترفه في حقّ نفسي البريئة من كلّ دمِ ، كيف لها أن ترسمه وهو هو؟، … هو سيّدي وحبيبي وعدوّي الأبهى ، قد يتركني للغوغاء يوما أو يومين ، يختفي من مداراتي ويخلّفني لسحنات الفانين ، أولئك الغرباء الذين يقاسمونني ما تبقّى من هواء في هذا الكوكب المشتعل، ويزاحمونني في الدور والشوارع ،

      وفجأة يتجلّى لي في منعطف طريق أو في زاوية مطعم أو مقهى ، ينبثق هكذا دون مقدّمات من باب أو نافذة أو من زحام أو من متاهة، فتحلّ بي دهشتي الأولى تلك التي دشّنتني وأنا أغادر على مضض رحم الأمّ ، ولكنّني اعتدت أن أكتم صرختي رغم ضراوة السيّد المسمّى ” الارتباك ” ، أتسمّر في المكان الذي تجلّى لي فيه ، أمس مثلا ، قصدت مركز البريد بكلّ فخر واعتزاز لأؤكّد  للآخرين قدرتي على المشي، وخلاص فاتورة الكهرباء، انتزعت تذكرتي من فم الآلة المخصّصة لتزويد الحرفاء بالتذاكر طبعا، وحدّقت في الجالسين والواقفين والصامتين والصاخبين كمن يعاين سقط متاع ، كما تفضّلت بالنظر إلى أعوان النوافذ الذين لهم شبه كبير بقطيع صغير من الأبقار الكسولة … ، إلى أن تصدّر الوجه مجال عينيّ ، تجلّى لي متجسّدا في محيّا إحدى موظّفات البريد ، وأدركت للوهلة الأولى وبحكم الخبرة أنّني مقدم على محنة جديدة ارتأى الوجه أن أعيشها في مركز البريد ، وكان ما كان يا سادة يا كرام : كهل تتربّص المحن به ، ينحره جفن ناعس على مرأى من الإخوة الحرفاء والسادة أعوان النوافذ، وفي حضرة عون الأمن المسؤول عن أمن الجميع في ما يبدو إلاّي .

       أثخنني الوجه وكالعادة لم يحرّك أحد ساكنا ، بل لم تتوقّف بي عين واحدة سوى عينين شرستين ومتحضّرتين في الآن نفسه ، عينيّ سيّدي الوجه ، مولاي الحاكم بأمر العشق ، سلطاني الرائع في تجبّره ، ظلّ للحظات يرمقني بشهوة الذئب وحزم المؤدب كما لم تكن نظرته خالية من النصيحة ، ولعلّها الإغراء عينه …، يا كيف تصف الأبجدية ما تعجز العين عن التنصّل منه ؟، لكم طاوعتها وحاولت معها رسم الوجه بالكلمات :

       ” أيّها الناس راودني ملك الموت أكثر من مرّة واشتهاني

       وما فكّني من يديه سوى أنّ لي ما أقول

      لكأنّي على موعد معها

      تلك من وجهها فرصة للجنونْ

      تلك من حاجباها

      يكادان ينتفضان ويلتحقان بسرب الطيورْ

      تلك من مقلتاها تقولان للشيء كن فيئنّ

      تلك من وجنتاها ربيعان

      خارج كلّ الفصول وكلّ اللغاتْ

      تلك من فمها تشتهيه الحوامل والراهبات ….”

       وأقسم بكلّ شيء عزيز أنّني كلّما وصفت الوجه ، سيّدي وحبيبي وعدوّي الأبهى أذنبت في حقّه من غير قصد ، ولعلّه يمعن في إذلالي أمام الخلق لهذا السبب بالذات ، ولا يسعني في هذا البوح والاعتراف الاختياري إلاّ أن أنحني للوجه الأنثوي وأترك سيدي وحبيبي وعدوّي الأبهى مع أسطر حبّرتها في إحدى دهشاتي :

       لمْ أرضَ بعد عليَّ

      وجهك ليس مفترسا تماما

      قاتل هُوَ

      غير أنّي لست مقتنعا بما نحتتْ يدي

      إذ أنّها ارتجفت طويلا

      عندما انسابت إلى الشفتين

      قد حدّقتِ فيها

      عندما انسابت إلى الشفتين

      فانْدلعت بها الحمىّ

      وذاب الشهد

      سال الشهد منها

      في اتجاه الصدر

      فالقدمين

      الفوضى أنا

      والارتباك مساعدي الأعمى

      وأنت القصد والمعنى

      فيا قصدي ومعناي … ارفعي عينيك عنّي كي أُتمّك

      اِرفعي عينيك عنّي واسمعيني

      لست ما أبدو

      أنا حشد من العشّاق

      ينتقلون عبر سلالة العشّاق

      من ذات إلى أخرى

      Source: atheer.om/archives/160540/%d8%…%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a/