في خضم مشاهد الحروب والفتن والدمار والخراب والتشرد ونزيف الدماء التي غدت تطغى على كل مشهد، والتي أصبحت العناوين الرئيسية والعريضة لحاضر المنطقة ومستقبلها، وليس في نشرات الأخبار، في خضم كل ذلك عزَّ السلام ومظاهر الأمن والاستقرار والتسامح والعفو، وعلت أصوات المدافع وقعقعة السلاح على صوت الحكمة والعقل والرشد، بل طُمِسَ هذا الصوت عمدًا وعن سبق إصرار وترصد، ودُفِنت مفاهيم السلام والتسامح وقبول الآخر والحوار تحت أنقاض الدمار الهائل، وكأن قدر المنطقة وشعوبها أن تعيش هذا الواقع الكارثي الذي أراده مُنظِّرو الحروب والاستعمار والدمار والتفتيت والتقسيم وتجارها.
وأمام هذه المشاهد، يبدو مطلوبًا من جميع دول المنطقة (حكومات وشعوبًا) أن تكون شريكة في سفك الدماء، وأن تكون منخرطة في الفتن الطائفية والمذهبية، وأن تقدم ما يلزم لتبقى جذوتها مشتعلة يصطلي منها الجميع؛ ولذلك مرفوض أن يحاول أحد أن يطفئها ويوقف معها الحروب، وإن حاول لا بد أن يكون له أحد بالمرصاد. والهجمة الإعلامية الشرسة التي تتعرض لها السلطنة عقابًا لها على مواقفها الإيجابية ومساعيها الخيرة لإيقاف آلة الحرب والدمار في المنطقة والعالم، وتطويق الأزمات بين الأشقاء، وإيقاف نزيف الدماء، وتقطيب الجراحات، لا تخرج عن السياق الرافض لذلك، وبالتالي كان لا بد من مواجهة ذلك بحرب إعلامية لا هوادة فيها للتشويش والتحريض والتشويه، وجر السلطنة إلى مستنقع الحروب والفتن والدمار ولو إعلاميًّا باتهامات باطلة، والتأثير على مكتسباتها داخليًّا من السلم والأمن والاستقرار، وخارجيًّا من التميز والاحترام والتقدير، ومحاولة النيل من مرتكزات سياستها الثابتة القائمة على عدم التدخل في شؤون الاخرين، وعلى الاحترام المتبادل، واعتماد لغة الحوار والحكمة في حل المشكلات، وعلى التسامح وقبول الآخر ولو كان مخالفًا، ومد جسور التواصل؛ لأنها من الواضح أنها سياسة باتت تحرج نظيراتها التي حادت عن تلك المبادئ ومبدأ الحياد.
لقد أسَّسَ حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مدرسة سياسية فريدة للسلام والصداقة حظيت بتقدير العالم، لجهودها الفعالة ومساهماتها على مختلف الأصعدة العالمية، من خلال الانفتاح المتعقل على العالم والمساهمة بنشاط وبفعالية في أحداثه، والمشاركة في مؤسساته ومنظماته السياسية وغير السياسية، وبفضل هذا الفكر المتميز من لدن جلالته ـ أيده الله ـ امتلكت عُمان أدوات غير تقليدية في علاج الكثير من القضايا، والمساهمة في حل العديد من المشاكل على كافة الأصعدة بمصداقية مشهودة، وبُعد نظر في الرؤية السياسية، وحكمة وجرأة ومبادرة في اتخاذ القرار.
هذه الثوابت والمرتكزات أعطت السياسة العمانية دينامية عالية وأهَّلتها لأن تكون السلطنة أحد اللاعبين البارزين في إرساء مناخات الاستقرار والأمن والسلم الدوليين، وفي هذا الإطار لم تبخل السلطنة بدورها الإيجابي النشط من أجل تعزيز التعاون والتكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتطوير التعاون والمصالح المشتركة والمتبادلة مع الدول الشقيقة والصديقة عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، سواء على الصعيد الثنائي أو من خلال التجمعات والمنظمات والهيئات العربية والإقليمية والدولية.
لذلك محاولة تشويه هذه الصورة الناصعة لسياسة السلطنة أو الاقتراب من الخطوط الحمراء أو المساس بها، انطلاقًا من كراهيات أو رغبات لا تستقيم والثوابت والمرتكزات الوطنية والقومية للسلطنة ودورها التاريخي والحضاري، وخبراتها المتراكمة في مجال السياسة الدولية وقضايا الصراعات والحروب، هي محاولة ليست يائسة فحسب، وإنما تؤكد مصداقية السياسة العمانية وعقلانيتها وموضوعيتها وأنها على الدرب الصحيح والسليم، ولا تزيد العمانيين إلا وعيًا وتمسكًا بها؛ لأنها ليست حالة طارئة أو مستجدة، وإنما هي وجدت يوم وجدت الأرض العمانية وإنسانها.
Source: alwatan.com/details/147109Alwatan كتب:
في آراء 25 أكتوبر,2016
نسخة للطباعة
