تونس، التي مثلت نواة الاحتجاجات الشعبية العربية أو ما بات يعرف بالربيع العربي، تشهد حالة من الاستقرار النسبي ومرحلة انتقالية ناجحة إلى حد ما منذ الاطاحة بنظام الرئيس بن علي، ويعتبرها بعض الباحثين والمراقبين نموذجا ناجحا يحتذى به بين ثورات الربيع العربي.
وكان لحركة النهضة التونسية، التي تقول إنها عانت كثيرا بسبب تحديها للاستبداد السياسي، دور هام في عملية الانتقال السياسي في البلاد، خاصة نجاحها في الوصول الى توافق مع القوى السياسية الأخرى، وعلى رأسها حزب "نداء تونس"، الأمر الذي مهد الطريق لتحقيق الاستقرار في تونس، والسعي الى مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها تونس.
وفي حلقة خاصة لبرنامج نقطة حوار من تونس، سجلت في المعهد الوطني للتراث في العاصمة التونسية، ألتقى الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، في حوار مفتوح دون حواجز، لفيفا من المواطنين التوانسة من فئآت عمرية مختلفة، لكن معظمهم شباب، طرحوا عليه عدة أسئلة حول المشهد السياسي التونسي، وآخر التطورات التي تشهدها البلاد، وحول التوجهات الجديدة للحزب في ما يسميه بـ "مرحلة الاندماج في الدولة".
ولعل من أبرز التحولات التي شهدتها حركة النهضة قرار فصل الحركة السياسي عن الدعوي. فهل كانت هذه الخطوة التاريخية ناجمة عن مراجعات جوهرية، أم انها نتيجة لضغوط خارجية وداخلية؟
يرد راشد الغنوشي بأن الأمر يتعلق بتطور طبيعي أخذا بعين الاعتبار أن تونس شهدت ثورة، ومعنى الثورة الانتقال الكامل والجذري والشامل. الانتقال الذي يجعل العمل في السياسة أمرا "مباحا غير ممنوع"، أو على سبيل الدعابة حسب ما قال الغنوشي، أن السياسة في المرحلة الجديدة أصبحت "حلالا".
ويشرح الغنوشي كيف اضطرت السياسة ومن يمارسها للتخفي في عهد النظام الدكتاتوري وراء ستار النشاط الحقوقي والنقابي، والنشاط الديني في المسجد، حتى كانت الثورة وعهد الحرية الذي لم يعد فيه أي مبرر أن تتخفى السياسية تحت اي عناوين اخرى. في هذه المرحلة تسمى فيها الاشياء بمسمياتها وتمارس فيها الأنشطة تحت لافتاتها وتصنيفاتها الأصلية، فمن أراد السياسية يكون حزبا ومن أراد العمل النقابي ليلجأ للنقابة، وللمهتمين بالدين تشكيل جمعيات دينية أو العمل إماما أو داعية.
ولأنه لم تعد - حسب الغنوشي - ثمة حاجة في عهد الحرية لحزب شمولي اختار حزب حركة النهضة التحول إلى حزب سياسي يمارس نشاطا سياسيا في خطوة إرادية دون ضغوط داخلية أو خارجية كما يقول.
التوافقات السياسية البراغماتية التي أقدم عليها حزب النهضة مع شركاء آخرين في المشهد السياسي التونسي، يعتبرها بعض المراقبين من عناصر نجاح أو استقرار التجربة التونسية، الا أن بعض التوانسة يرون أن الغنوشي وحزب النهضة فرطوا في تونس بهذه التوافقات خاصة مع حزب نداء تونس.
عن هذه النقطة، رد الغنوشي بأن سياسة التوافق مع نداء تونس كان اضطرارية وبراغماتية رغم الخصام السياسي بين الطرفين، ولكن الحزبين أدركا أن مصلحة البلاد تقتضي التوافق، خاصة وأن الطرفين مقتنعان بأن التوافق سياسي وليس عقائدي، في أكبر دليل على فصل الحركة بين الدين والسياسة.
وبالنسبة للغنوشي فإن مصلحة تونس فوق أي اعتبار، كما يؤكد، ويضيف أن حركته سلكت نهج التوافق ليس مع نداء تونس وحسب، بل لقد سبقت هذه التجربة حكم الترويكا، بحيث أصبحت تجربة تونس السياسية في عهدها الجديد قائمة على تشارك وتعايش سبعة أحزاب في السلطة، في تجربة تجعل تونس، كما يقول الغنوشي، الاستثناء الديمقراطي الوحيد في المنطقة العربية.
لكن زعيم حزب حركة النهضة واجه سؤالا آخر حول مدى اعتماد الحزب الديموقراطية الداخلية بالقدر الذي يدعم طرحه القائل بالاندماج في المؤسسات الديموقراطية للدولة، فتشكيلة المكتب التنفيذي لحركة النهضة، حسبما يقول خصومها، لا تزال تقوم بالدرجة الأولى على تزكية رئيس الحركة للأعضاء الذي يشغلون عضوية المكتب.
ويؤكد الغنوشي إن القانون الداخلي للنهضة يقوم على مبدأ التوافق، وهو نفس الفلسفة التي تسود في البلاد، وتشكيل المكتب التنفيذي يتم بترشيح زعيم الحزب فريقا من الأعضاء يطرحهم على مجلس شورى النهضة للتزكية النهائية، ولمجلس الشورى أن يقبل التشكيلة المقترحة أو يرفضها أو يعدل فيها في سياق عملية توافقية بين إرادة رئيس الحركة وبين مجلس الشورى.
أما عن مستقبل الحركة فقد تسآل وائل النهيدي عن مستقبل النهضة بعد الشيخ راشد الغنوشي؟
يقول الغنوشي إن اهتمامه بمستقبل تونس ومستقبل الشباب ومستقبل المناطق الفقيرة والمحرومة في العمق التونسي، أكبر من اهتمامه بمستقبل حركة النهضة، ويضيف أن ما يهمه أكثر من مستقبل النهضة هو مستقبل الديمقراطية في تونس، مشددا على أن حركة النهضة محكومة بالمؤسسات لا بالأشخاص.
تناولت هذه الحلقة بالنقاش جملة من القضايا التي تشهدها تونس وآخر والتطورات الداخلية إضافة إلى موقف الحركة منه التطورات المتلاحقة في جوارها ومحيطها الاقليمي والعربي والعالمي.
سجلت هذه الحلقة الخاصة من نقطة حوار في تونس العاصمة بمشاركة مجموعة من الشباب والمهتمين، وتبث على شاشة بي بي سي العربية يوم الجمعة 16 ديسمبر/كانون أول في الساعة 16:06 بتوقيت جرينتش وتعاد السبت 01:00 فجراَ و الـ 8 صباحا بتوقيت غرينتش.