سانترو : حجرةٌ لآخر الليل

    • خبر
    • سانترو : حجرةٌ لآخر الليل

      Atheer News كتب:

      حسن مجاد

      ( سانترو

      سانترو

      بيتُ الشّاعر  كلمةْ

      والكِلْمةُ قلبُ المكلوم

      فبأيِّ قصائد تمنحُ هذا العالم صُور – الشرية ، ثم تغادر كالمهزوم)

      -1-

      ديسمبر 2012

      كان الشّاعر الخصيبيّ القادم من واحات النخيل ، يجلسُ بعد رحلة التعب في ( كَيتار كوفي شوب ) بالمنصور ، أما أنا الذّي جئتُ من قرى القمح ، أهبطُ إلى بغداد مع فجرها ، وأظلُّ أذرع شارعاً وحيداً ؛ كي لا أتيه وسط أزقة العدم أو تتخاطفني الوجوه فتتعقب قتلي !

      لا أعرفُ ، من أين تأتيني تلك الكوابيس وأنا أتجول في هذه العاصمة العباسيّة ؛ مستذكراً قصة المجنون همنغواي (القتلة) ؛ كأنَّ رجلاً يجلسُ في غرفته، ويجعل بابَ شقته موارباً بانتظار القاتل الذّي لا يجيء !

      اتصّل بصديقي ؛ كي يخبرني بطريقٍ إلى المقهى ، حتّى أصل إليه ، ترشدني آلة كيتار منسدلة على واجهة المقهى العلوية ، وأضحكُ على هذا القرويّ القابع تحت معطفي؛ إذ ساعة كاملة وهو يطوف بالمكان و لا يرى الكيتار المعلق، ذاك الذّي يقعُ أعلى البناية .

      أعبرُ الشّارع العام مهرولاً ، ومهزوماً من شرطي المرور ومن باصات تحملُ الأشباح الى وظائفهم، ثم أخطو سلالم ضيقة ، وأدلفُ الفناء المضيء بالكريستال، أطوي بيدي الستار الذّي على بابها ، وأحدقُّ في الكيتارات المثبتة مثل  موسيقى حجرية على حائط المقهى أو النازلات من سقفها الثانويّ ، إلى أن بدا وجهه الحنطيّ، وشعره الرماديّ مثل غمامة بصرية مكحلة بالزعفران، تصافحنا كمثل طيور البراري، ثم تبادلنا تحايا اللقاءات على عجل ، وطلبنا من النادل شاياً مطبوخاً ، يقول له وهو ينظفُ كاميرته بيديه ، شاياً مطبوخاً ، ثم نجري بالأحاديث :

      هل نمتَ جيدا؟ يسألني الخصيبيّ، ويضيفُ قائلاً : كان نهاراً موحشاً والطريق من البصرة أكثر تعباً !

      – اه ، ولكني حين تحاصرني الأشياء لا أنام أبداً ، أبقى مفتوح العينين، أكون اليقظان الهاجع ، أقاوم التعب بالجري حول ممرات البيت…

      – في الليل تفعل هذا ؟ يقولها وهو يبتسمُ ، مسنداً ظهره على كتف الكنبة حتّى يبدو قمشتها المارونية تضيء جاكيته النيليّ الفاقع .

      – نعم يحدث هذا في الليل …

      أراه وقد نحّا كاميرته جانباً ، يأخذ كوب الشّاي ، ويحملقُ بالهواء مثّل بحّار بصريّ .

      -لا أعتقدُ أنَّ الجو باردٌ هناك ، نحن في أوائل ديسمبر ، والشّارقة صيف ساخن وشتاء حار !

      – لا أعرف ، بصراحة ، أوّل زيارة لي لها ، وبكلِّ الأحوال ، وأنت تعرفُ ، فإنَّ المسافر يحملُ معه كل شيء ، حتّى كيس دخان التبغ.

      تمضي بنا الأحاديث من (تاريخ الأسى) إلى ( قبل خراب البصرة ) من مآسي القصيدة إلى نوادر التاريخ ، بانتظار مجيء الشّاعر البغداديّ أحمد عبد الحسين.

      أفكّر في رأسي، وأنا أحدّقُ بوجهيهما ، كلاهما بشعرٍ رماديّ ، تعلوهما لطخة سوريالية من جحيم الجنة !

      -2-

      نصلُ المطار َ ، مطار بغداد ، محاطين بالكلاب البوليسية ، يفتشون عن الأرانب التّي في ( ملوخية العبيط ) ، نبتعدُ قليلاً عن العواء المرّ ، وننشغل بالأحاديث التي تبعدنا عن الشّارع الاسفلتي سينتمراً واحداً.

      شركة فلاي دبي تنقلنا الآن من مطار بغداد الى دبي ، تحملنا ليلاً.

      تقول المضيفة : اربطوا الأحزمةَ ، ولا أعرفُ أيضاً ، لم ،كلما ركبتُ طائرة أتذكرُ دبابةً ، حين يقول العريفُ : اربط حزامك ، وتقول الحكمة : ( اربط حزامك للموت )  ،أو أقرأُ ،ببلاهةٍ، شريطاً أخبارياً عن مقتل البغداديين بالحزام الناسف !

      كان ذلك أواخر عام 2012 ، مشاركين في أعمال مهرجان الشّعر العربيّ في الخليج، كانت العاصفة قد أدبرت ، وخلّفت وراءها أشجاراً بلا جذور .

      نصلُ ( الشارجة ) في وسط الليل ، ونرى وجوه الأصدقاء ، الشّاعر قاسم سعودي ، القاص محسن سليمان ، القاص إسلام أبو شكير ، وهم يستقبلون الفرح .

      أهبطُ إلى الأرض، أتلمس حشائش حديقة المطار بأقدامي  ، ويجيء اتصال أستاذي الدكتور صالح هويدي ونحن في الباص …

      – أهلاً حبيبي حسن ، حمداً لله على سلامتكم، سأكون في انتظارك  في فندق ( سانترو )

      – أهلاً أستاذي، الان في السّيارة ومعنا الأخوة

      – كل الهلا

      – الى اللقاء

      ياهٍ ، أراه بعد تواصل السنوات وجهاً لوجه ، كنتُ أقرأُ له في ( صحيفة  الأديب البغدادية ) وهو في الشّارقة ، وقديماً كنتُ أقرأ له كتابه في ( نجيب محفوظ ) وكتابه الآخر حول مشكلات ( الترميز في القصة العراقيّة ) .

      أشهقُ حين أرى الأناقة كاملةً ، يجللها مهابة الحضور  وسط بهو فندقٍ مضاء بالقناديل الزيتية .

      أعطاني نسخةً من كتابه (الوعي الشقيّ : قراءة في البنية العميقة لشعر سامي مهدي ) ، آخذه مصحوباً بالدّهشة ، أدخلُ حجرتي ، أغيّر الهواء بأن أفتحَ شباكها المطل على الجامعة الأميركية من بعيد ، ثم أضعُ الكتابَ على طاولة .

      أعودُ إلى حجرة آخر الليل في هوتيل سانترو، ألقي بجثتي على سرير بشراشف بيضاء ووسادة هوائية، بعد أن قضيتُ ساعات من الأحاديث مع الأصدقاء الجدد ، وأفتح الكتاب حتّى تعود إليّ قصيدة من ( الزّوال ) :

      صاعدٌ أنا

      أم نازلٌ لستُ أدري

      فما بين حدين من ظلمةٍ وفراغ

      يعقلني مصعدٌ لا قرار له

      بينما يقفُ الآخرون

      هنا وهناك

      على ريبةٍ في انتظاري )

      أقرأُ القصيدة بكل ريبتها الدونخوتية ، وشكوكيتها الفلوبيرية إن جاز لي الوصف سردياً ؛ لأنَّ الإبهام الشعريّ فيها إبهام قصصيّ ، وأنّ ما محي منها قدر ما هو ظاهر فيها ، ولا أعرفُ ، فقد تتباين الأمزجة حدّ أن تصل الى العنف ، ولا أريد أن أفكّر نقديّاً وأنا منغمسٌ بالقراءة ، ولكن ( مصعد سيتي سانترو ) كلما أدخله يشعرني بهذا الفراغ الموحش ، ولعلّ الممرات التي تضاء بمصابيح خافتة ما أن تمس أقدامك لها وتنطفيء حين تعبرها سبب لذلك، ولكنني الى الآن أذكرُ كيف كان المصعد والقصيدة وأنا  نتدحرج ببالون من هواء فارغ .

      -3-

      في اليوم الثّاني ، كان الشّعراء قد انتظموا وتجمعوا حول بعضهم ، كانت (الجزائر) ضيف شرفٍ في تلك الدورة ، أذكر الشيخ الشّاعر مسعود حديبي ، والشّاعر عزوز بن عقيل ، والدكتور طارق ثابت، وأذكرُ أيضاً آخرين اغترفتُ من نهرهم ماء العطش .

      ولكن ، ثمة رجلٌ يقفُ الآن وبوابة الفندق تنفتح وتنغلقُ، يبدو الولد الأسمرُ شاهقاً ، وهو يدخلُ ضاحكاً معه أصدقاؤه ، تعبثُ أصابعه بالموبايل ، ثم يتخذ مكاناً مع الآخرين ، بدا طويلاً مثل صارية ، وتبدو ذراعه واضحة وهو يجلسُ على ( قنفة زيتون ) ، معتمراً ( الكمة ) ومرتيداً  واحدة من (كنادير) بيضاء ، نتبادل بعض ابتسامة هادئة ، ونلقي بعض المراحب .

      – هلا عيني

      – اهلا وسهلاً

      – من وين

      – من العراق

      – والله !

      – لساتني جاي من مسقط

      يلتفتُ الى الذي جنبه ويتحدثُ عن شاعرٍ عراقيّ بمحبة وزهو

      – أتعرفه

      – طبعاً ، قرأتُ له

      – تشرفنا

      – كل الشرف أخي العزيز .

      أقومُ أدخنُ خارج الفندق ، وأرى الشيخ المعتمر طاقية حمراء ، كآخر التروتسكيين العزل ، القاص العراقيّ جمعة اللامي وهو يتمشى في حديقة الفندق.

      أشعل سيجارةً واحدة ، وأقترب منه منادياً له :

      – من قتل حكمت الشامي يا عمّ !

      يلتفتُ ثم ينقضي النهار !

      …..

      -4-

      في اليوم الثاني ليلاً ، وعلى باحة فندق سانترو يكون الشّعراء قد انتظموا في قصائد ، والمكان الليلي على حافة مسبح الذّي يتهادى بمائه الأزرق، وبالحجر المصفوف حوله بهدوء.

      كنتُ ، والحقُّ يقالُ ، أستمعُ إليهم بفرح القصائد ، ولكنه كان هادئاً مثل القصيدة ، عميقاً كفكرتها ، تمتزجُ قصيدته بلكنة عمانية من بحة صوته :

      (أنا ذلك الولد المستجير بقلبه

      خريطة منفى

      وساحة معركة أبدا

      لم أكن غير أضمومة من عناوين بيضاء

      تسبيحة من بريد المدى

      أمينٌ على حصتي في الغناء

      وممتلئ بالندى )

      يا ربُّ ، ما ذا يفعل هذا الولد ؟

      ينتهي الحفلُ ليلاً ، ونتناولُ فنجان القهوة جانباً ، وأحدّق في وقفته ، وهو يزن القصيدة القصيدة ، كنتُ بصحبة الدكتور هويدي والفنان ابو العباس والشّاعر جميل مفرح والدكتور اليمانيّ إبراهيم أبو طالب ، نعلّق على القصائد بانطباع ممزوج بالبهجة .

      أذهبُ الى الداخل ، أريد أن أشرب ماءً، أجده أمامي فنتعانق كالقصائد .

      في يوم آخر أخرج إلى مكتبةٍ تدلني على منشورات كلمة ، اختطفُ رواية هيرتا موللر : ( ما الانسان سوى دراج كبير في هذه الدنيا ). أقضي ليالي الشّارقة مع المثل الرومانيّ الشعبيّ ، مفكراً بالعجز والاستسلام لكلّ ما هو هشّ في هذه الدنيا !

      -4-

      ديسمبر 2016

      تدور الساعات السائلة مثل وجه بيكاسو، وتمرُّ السنوات على قطار يصعدُ إلى حافات المستحيل ، أجلسُ في غرفة صديقي الدكتور سالم العريميّ ،ولكن هذه المرة في مسقط ، يحدثني عن التجربة النقدية والشّعرية وأسألُه وأنا أنصتُ لصوته وصوت ( غلاّية الماء ) عن صور …

      يقومُ  ليحمل فنجان القهوة ، ويبعثرُ كلماته :

      – أنا منها، من صور ، مسافة ساعتين بالقريب

      – كم تبعدُ ؟

      – ليس كثيراً

      – والشّرية ؟

      يجلسُ قُدّامي مبتسماً

      – الشرية !

      – اي والله الشرية ؟

      – اسال عبد الله العريمي عنها .

      أعودُ الى غرفتي ليلاً في فندق الأمواج بالخوير ، وأجدُ طرداً ، يُكتبُ عليه  : (إلى الغرفة 711)  . أفتحه ، وإذ بديوان الشّاعر المرحوم ( ناصر بن بلال ) (حورية البحر ) !

      إلى هذه اللحظة الخاطفة لا أعرفُ :

      – كيف أصل الشرية ؟

      – من وضع ديوان حورية البحر في غرفتي

      – من قادني ببهو الخطى إلى لجة  العاصفة ؟

      -5-

      فبراير 2017

      أنا وحيدٌ الآن في كَيتار كوفي شوب ، السّاعة الآن 11 قبل الظهر ، شربتُ فنجان قهوة ، أقرأُ عدداً من صحيفة الصباح وبين النهرين ، مستمتعاً بأناقة المطبوع ، معجباً بتصميم الصديق الدكتور لبيد المطلبيّ ،ألقيتها على الطاولة ، نزلتُ الدرج ، أعبُّ الهواء، تمشيتُ قليلاً، أدسُّ وجهي بين الجموع وأنا أظفرُ خطواتي بحذرٍ ، لا أحسُّ بشيء ، أنا اليقظان الهاجعُ أفكّر بقاتلي مثل أبطال همنغواي ، وأسخر من الضحية .

      Source: atheer.om/archives/427886/%d8%…%d9%84%d9%84%d9%8a%d9%84/