رأي الوطن: البحث العلمي في خدمة التراث والتنمية

    • خبر
    • رأي الوطن: البحث العلمي في خدمة التراث والتنمية

      Alwatan كتب:

      لا أحد بمقدوره نكران طغيان الحياة العصرية بحداثتها ومدنيتها في مختلف المجالات، فارضةً أساليبها وأنماطها الحديثة على ما سبقها من أنماط وأساليب، لتمتد إلى المساس بالتراث الثقافي (المادي وغير المادي)، وبالتالي تهديد الهوية الوطنية وإذابتها، إلا أن هذا الأمر يبقى رهنًا بمدى الوعي الرسمي والشعبي بأهمية المواءمة بين التراث والعصرنة، وانتهاج سياسات ووضع آليات تأخذ بالأساليب والأنماط العصرية الحديثة، ولكن ليس على حساب التراث والهوية، مع الأخذ من التراث ما يناسب متطلبات العصر والحداثة، والاحتفاظ بما لا يتناسب في الذاكرة الشعبية.
      لقد أدركت السلطنة مبكرًا أهمية وقيمة التراث الذي خلفه الآباء والأجداد، لما يمثله من رمزية حضارية وهوية شعب، حيث قاد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ جهودًا حثيثة وخطوات عملية لافتة في سبيل الحفاظ على التراث، وإعادة تأصيله وإحيائه في الذاكرة الجمعية للشعب العماني، والحرص الشديد على ربط حاضر المواطن بماضيه، والاعتزاز الكبير بما خلفه الأجداد من تراث حضاري أعطى الشعب العماني هويته الخاصة التي تميزه عن الشعوب الأخرى، ووضعه في مصاف الشعوب التاريخية التي لها تاريخ عريق تحتفي به، حيث تجلى الاهتمام السامي لجلالته ـ أيده الله ـ في العديد من الخطوات التي عكست بُعد النظر والفكر المستنير لجلالته، من بينها إنشاء وزارة تُعنى بالتراث والثقافة ألا وهي “وزارة التراث والثقافة” وتخصيص عام للتراث، وإقامة ندوات خاصة بالتراث الثقافي ومهرجانات شعبية، وتسجيل تجليات هذا التراث في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
      ولم تتوقف حركة الاهتمام بالتراث، فلا تزال وتيرتها تسير وفق المراد وبما يتناسب مع قيمته ومكانته الكبيرتين في الوجدان والضمير العماني، فقد جاء اعتماد هيئة مجلس البحث العلمي لوثيقة إنشاء البرنامج الاستراتيجي حول التراث الثقافي دليلًا على هذا الاهتمام، حيث يهدف البرنامج إلى المساهمة في تعزيز الجهود المبذولة في السلطنة لدراسة ورصد التجليات المادية والمعنوية للإرث الثقافي، بغية المحافظة عليه ودعمه من ناحية والمساهمة في تطويره بما يتناسب والرؤية المستقبلية الوطنية. وهو ما يعطي رسالة قوية بالمضي قدمًا في الحفاظ على هذا التراث وعدم التفريط فيه، فهو الضمير الحي للشعب العماني والذي يعيش لآلاف السنين بعد رحيل الجيل الذي ترك هذا التراث. فتراثنا نحن العمانيين حافل بكل ما نفخر به من إنجازات وابتكارات.
      على الجانب الآخر لم تغفل السلطنة عن أهمية التحرك نحو التطوير والتحديث بما يواكب روح العصر والحياة العصرية الحديثة، ونحو التغلب على تحدياتها، حيث مظاهر الازدحام، وطغيان العمران والإسمنت على البساط الأخضر والمتنزهات والمناطق السياحية التي تمثل متنفسًا وواجهة حضارية وعصرية. فقد اعتمدت هيئة مجلس البحث العلمي خلال اجتماعها أمس الأول تأسيس البرنامج الاستراتيجي في مجال المدن الذكية والذي يهدف إلى إيجاد حلول لبعض التحديات التي تواجهها المدينة مثل الازدحام المروري وشح مواقف السيارات وندرة الخدمات السياحية الذكية، وكذلك رصد تطورات المدن الذكية وتهيئة البيئة الممكنة لابتكار الحلول الذكية التي ستسهم مباشرة في تنفيذ الخطة الطموحة الموضوعة من قبل بلدية مسقط لإعادة تأهيل مدينة مطرح لتكون نموذجًا للمدن العصرية.
      فالمدن الذكية تعد إحدى ثورات الحياة العصرية ـ إن جاز التعبير ـ وذلك لجهة التوظيف الدقيق والمتقن للتقنيات الحديثة في مجالات النقل والاتصالات كالألياف البصرية وخدمات “الواي فاي”، والشبكات العالية السرعات المتمثلة في الاتصالات السلكية واللاسلكية والاستشعار، والطرق المزدوجة والجسور المتعددة والقطارات والأنفاق، والأسواق والمتنزهات والمصانع، وطريقة توزيعها وإنشائها، بما يمنع الازدحام المروري والتلوث، ويواكب النمو السكاني ويقدم في الوقت ذاته أفضل الخدمات، بمعنى وضع بنية أساسية متكاملة تأخذ في الاعتبار المستقبل وتحدياته.

      Source: alwatan.com/details/178188