رجل قال لزوجته إن أكلت تمراً ثم خبزاً ثم لحماً فأنت طالق فأكلت الجميع على الترتيب من غير مهلة .. هل تطلق أم لا؟ .
لا تطلق حتى تكون هنالك مهلة أو قصد منه إلى تعقيب أو تشريك في الحكم لأن ثم هذه موضوعة للتراخي الشامل للترتيب وللمهلة معاً كما في قوله تعالى:(ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) لايقال: إن ثم هذه كما تكون للتراخي تكون أيضاً بمعنى الفاء أي للترتيب بلا مهلة، وتكون بمعنى الواو كما في قوله تعالى:(ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، وقوله تعالى:(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها)، فلما احتملت هذه الأوجه كان الأخذ بالاحزم أسلم والعمل بالاحتياط أولى لا سيما في باب الطلاق لأن جده وهن له جد فتجعل هنا بمعنى الفاء، لأنا نقول بعد تسليم أنها تكون بمعنى الفاء والواو مع أنه أجيب عن الآيتين والبيتين بأجوبة مقبولة إن (ثم) لها استعمالان حقيقي ومجازي .
فالحقيقي هو استعمالها في التراخي لأنها وضعت له فهي حقيقة فيه كما صرح به الدسوقي في حواشي المغني وصاحب المرقاة في المرقاة والمرآة وقطب الأئمة في الهميان عند قوله تعالى:(ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب)، والازهري في أزهريته وشرحها والعطار في حواشيه عليها وسليمان الجمل في حواشيه على الجلالين عند قوله تعالى:(ثم استوى إلى السماء) وهو ظاهر كلام ابن مالك في خلاصته وابن عقيل وحواشي الخضري عليه والاشموني وحواشي الصبان عليه ونجم الأئمة الرضي على الكافية بل هو ظاهر كلام جمهور المتأخرين، والمجازى هو استعمالها بمعنى الفاء والواو لأنها حينئذ مستعملة في غير ما وضعت له وعند إمكان الحقيقة لا يصار إلى المجاز إلا بقرينة يترجح بها المجاز على الحقيقة كما صرح به الأصوليون .
لا يقال أن الأخذ بالأحوط هو القرينة المرجحة للمجاز على الحقيقة، لأنا نقول أن محل الأخذ بالأحوط فيما إذا لم يكن في المسألة تعلق حق للغير فأما إذا كان فيها ذلك وجب على الحاكم أو المفتي أن يترك الأحوطية إلى ما يرى أنه هو الظاهر في هذا المقام في حكم الله تعالى .
ثم إنا لا نسلم في جعل ثم بمعنى الفاء في هذا المقام أحوطية أصلا لأنها إنما تكون أحوطية إن لو قصد ذلك المعنى والغرض أنه لم يقصد فكيف تكون أحوطية فيما يقصد بالقلب ولم يدل عليه اللفظ إذ لو صح ذلك لتمشي إلى أشياء يطول ذكرها، منها: لو أن رجلاً قال لزوجته إن دخلت دار عمرو فأنت طالق فدخلت دار زيد ولم يقصده فالأحوط على قياده أن تطلق زوجته وهلمَّ جرّاً ولا فرق بين وضع عمرو مكان زيد بلا قصد ولا قرينة وبين وضع ثم بمعنى الفاء بلا قصد ولا قرينة أيضا لأن كلا منهما لفظ دل على معنى لم يدل عليه الآخر وكما توضع ثم بمعنى الفاء تجوزا كذلك يوضع عمرو مكان زيد تجوزاً لنكتة قصدت ولا يَرِد عليه أن الاعلام لا تستعار لأنه قد بقي المجاز الارسالي لا مانع من استعمالها فيه لعلاقة ما، وأيضاً لا نسلم أن الأحوطية قرينة كافية في ترجيح المجاز على الحقيقة ولو سلمنا لكنا لا نسلم أن الأحوط في هذه الصورة جعل ثم بمعنى الفاء بل الأحوط جعلها بمعنى الواو وعليه فيلزم حنث الطلاق من هذا القائل مهما فعلت الزوجة ذلك الفعل ولو مع تقديم وتأخير كما هو شأن الواو مع معطوفاتها وهذا مخالف لنصوص الآثار بل لا قائل به فيما علمنا، فإن قيل: إنه لما اقتضت ثم الترتيب والمهلة مع أن الترتيب معلوم والمهلة مجهولة أسقطنا المجهول لكونه لا حكم له وأثبتنا المعلوم إذ لا سبيل إلى دفعه فتعين جعلها بمعنى الفاء، قلنا لا نسلم أن المجهول لا حكم له بل له حكم وهو الموقوف لقوله:(وأمر أشكل عليك فقف عنه) فيلزمكم الوقوف عن الجواب في مثل هذه الصورة وأيضاً لا نسلم أن المهلة مجهولة بل المجهول غايتها وإنما تصدق على أدنى وقت بين الفعلين لم يكن لأحدهما تعلق به كما صرح به الباجورى في فتح البرية وأبو النجا في حواشيه على الأزهري فمتى ما وجدت تلك الصورة صح وجود المهلة فتعطى حكمها .
فإن قيل :ما ذكرته لا يتم إلا على أصل العربية والفقه مبني على العرف والتعامل فلعل العرف نقل ثم عن معناها الأصلي فوضعها بمعنى الفاء أو وضعها لمطلق الترتيب باصطلاح جديد .
قلنا :لا نسلم أن الفقه مبني على العرف والتعامل فقط بل هو مبني عليهما مع اللغة وأيضاً لا نسلم أن العرف قد نقل ثم عن موضعها الأصلي إلى ما ذكرت إذ لو كان ذلك لاشتهر بين أهل ذلك العرف كما اشتهر استعمال الدابة في ذوات الأربع خاصة .
وإن قيل :أن ظاهر كلام القاموس والمصباح وجمع الجوامع مشعر بأن ” ثم ” مشتركة بين المهلة وغيرها وعلى هذا يلزم التوقف عن حملها على أحد معانيها إلا بقرينة تعين المقصود .
قلنا :لا نسلم اشتراك ثم بين المهلة وغيرها للنقل المتقدم المصحح لوضعها للتراخي حقيقة فيحمل كلامهم على الاجمال كما هو ظاهر فيه ويحمل ما تقدم آنفاً على التفسير والبيان وإذا توارد المجمل والمبين وجب العمل بالمبين، هذا وأما إذا كان قد قصد تشريكا في الحكم أو تعقيباً للفعل ولم ينصب لها قرينة تدل على مقصوده منها فهل تطلق زوجته إذا طابق فعلها قصده أو لا؟ قولان منشأهما هل الإيمان ثبتت بالنية وإن لم يدل اللقط عليها وإنما قلنا ذلك كذلك لأن وضع ثم بمعنى الواو والفاء لا يصح إلا بقرينة وبدون القرينة يتبادر الذهن إلى الحقيقة من وضعها فقصد القائل بها جعلها بمعنى الفاء أو الواو من غير قرينة قصد باللفظ لغير ما يدل عليه وذلك لأن القرينة في المجاز جزء الدلالة وعلى هذا فلو أقر عند المفتي أو الحاكم بمقصوده من ذلك اللفظ كان على المفتي أو الحاكم أن ينظر في القولين فيفتي أو يحكم بارجحهما، وأما إذا نصب قرينة لمقصوده منها فلا قول لنا حينئذ إلا الحنث لكن ليس هذا مما نحن فيه وإنما جئنا به توسيعاً لدائرة البحث ومزيداً للفائدة.
Source: alwatan.com/details/185218Alwatan كتب:
في الدين الحياة 7 أبريل,2017
نسخة للطباعة
