تأسست سياسة السلطنة التي خط نهجها الحكيم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على ركائز قوية ومتينة، عمادها إقامة علاقات حسنة مع دول العالم تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتماد الحوار والدبلوماسية طريقًا لحل الخلافات، وتعزيز وشائج القربى مع جيران السلطنة، الأمر الذي أرسى دعائم علاقات متينة وبنى سمعة دولية طيبة. أما داخليًّا
فقد كان اختيار عامل النجاح الذي دلل على الفكر الحيوي المتقد والمتجدد لجلالته ـ أيده الله ـ حاسمًا في وضع أهداف التنمية للنهضة المباركة، وفي رسم ملامح الدولة العصرية التي أرادها قائد هذه المسيرة المباركة، الأمر الذي أعطى تجربة فريدة في التاريخ المعاصر في كيفية بناء الإنسان ومن ثم بناء الدولة العصرية، ذلك أن إقامة أركان هذه الدولة لم تكن بالأمر السهل، وإنما اكتنفتها صعاب في ظل قلة الإمكانات والمُعِينات في البداية، ولكن حين تكون الإرادة أكبر والعزيمة أعلى والنيات أصدق فإن المستحيلات تقزم أمامها، وتكون الهمم أدعى إلى بناء جبهة داخلية متراصة موحدة خلف هدف واحد وهو البناء العصري للوطن والمواطن، هذه الجبهة كان لها ما يميزها ويعطيها فرادة في العمل الوطني، حيث جاءت فرادتها من الرغبة الصادقة في إشراك الجميع ذكورًا وإناثًا في البناء وعدم تغليب أحد هذين الجناحين للمجتمع على الآخر، ما أوجد تناغمًا عاليًا، وتجاوبًا وانسجامًا كبيرين، وشكل رافعة سهلت حرية الحركة لتختزل دقائق الزمن.
وإذا كانت هذه الصورة المشرقة للجهود التي يبذلها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من أجل ترسيخ دعائم الاستقرار وتوفير العيش الكريم للمواطن وتطوير المجتمع انطلاقًا من الثوابت والاستفادة مما يفرزه العصر من علوم وتقنيات وابتكارات واختراعات، فإن الصورة المشرقة ذاتها تعبِّر عن الاحترام والمكانة التي تحظى بها السلطنة دوليًّا، بناءً على النهج الحكيم في سياسة السلطنة القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وجعل أسلوب الحوار والتفاهم خيارًا في حل قضايا العالم، والحرص على بناء جسور متينة من العلاقات مع دول العالم وفق هذا النهج وتبادل المصالح المشتركة، ونصرة القضايا العادلة للشعوب.
لذلك فإن محافظة السلطنة على المركز الثالث عربيًّا للعام الثاني على التوالي في مؤشر الدول الأكثر استقرارًا والأقل هشاشة في العالم لعام 2017، وفق التقرير الذي أصدره صندوق السلام العالمي الليلة قبل الماضية وهو مؤسسة غير ربحية يتخذ من واشنطن مقرًّا له، تأتي ثمرة للجهود المبذولة في سبيل بناء الدولة العمانية العصرية، وما تأسست عليه سياستها الحكيمة داخليًّا وخارجيًّا. فتطور عملية المشاركة بين الحكومة والمواطن لتصل إلى مرحلة متقدمة وفق هذا النحو المشاهد كان عمادها بناء المؤسسات التي تستقطب الأفكار الناضجة والخبرات المتراكمة، حيث جاء مجلس عُمان ليوفر القبة المؤسسية المعبِّرة عن المشاركة الجماعية والانسجام التام بين الحكومة والشعب. هذا التضافر للجهود أعطى أبعاده الوطنية وأشاع أجواء تنافسية بين المواطنين بمختلف فئاتهم ومناصبهم ومكانتهم الاجتماعية، من أجل خدمة هذا الوطن العزيز، من منطلق شعورهم بالعدالة والمساواة، وأن رفعة الوطن وتقدمه وتطوره يتوقف على سواعد أبنائه وإخلاصهم وتفانيهم، والتكاتف مع القيادة الحكيمة والالتفاف حولها، وهو ما أسهم في إرساء عوامل الاستقرار.
وبالنظر إلى المؤشر الرئيسي الذي وضع لرصد مدى ابتعاد الدول أو اقترابها من حافة الانهيار، وليكون صيحة تحذير لتفادي الأخطاء وإنهاء الصراعات الداخلية والخارجية، فإنه يستند إلى 12 مؤشرًا فرعيًّا من بينها التدخلات الخارجية والظلم الاجتماعي وأجهزة الأمن، وأوضاع حقوق الإنسان وتصدع النخب، والخدمات العامة والهجرة الخارجية واللجوء والنزوح الداخلي والضغط الديموغرافي، وبالتالي فإن جهود السلطنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإرساء قواعد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وخططها التنموية حافظت على أن تؤدي الأهداف السامية المتوخاة منها لتحقيق استراتيجية بناء الإنسان والتي جاءت النهضة المباركة من أجلها، مسخرة كل إمكاناتها لبلوغ أسمى مراتب الحياة العصرية في جميع نواحيها.
Source: alwatan.com/details/194165Alwatan كتب:
في آراء 17 مايو,2017
نسخة للطباعة
