Source: alwatan.com/details/324702Alwatan كتب:
انتهينا من صلاة الجمعة في جامع مرباط، كنت أنتظر رجلا وقورا يجلس في الصف الذي أمامي أن ينتهي من قراءة أذكار ما بعد الصلاة بصوت ودود، كنت أجلس خلفه مستمتعا، لا أريد أن أقطع استمتاعي بوجودي خلفه بالسلام عليه، فهو لا يعرفني، ويكفيني أنني أعرفه وأدعو له بطول العمر وللشاب الذي يجلس على يمينه وملامحه التي تشبهه كثيرا ويبدو أنه ابنه أو حفيده، كان بمقام المساعد له. هناك تبرعمت في داخلي مشاعر استنارة وطمأنينة وخالجني شعور بالسكينة والرضا، واستمتعت بالصلاة، وبالأذكار، وشعرت فعلا بوحدة إدراكي لجميع حركات الصلاة الجسدية منها والعقلية والروحية وتمدد ذلك الشعور كما لو أن المكان صار جزءا من عقلي وقلبي، واتسع نطاقه ليجعلني في يقظة كونية، هذه اليقظة الكونية هي الاستنارة في أسمى معانيها، وهي التي تجعلني أشعر بأن كل شيء متصل بكل شيء، وأن الله معي ومع كل شيء، وأن نوره هو الوعي الذي يجمع الكون في معنى متصل، وأن من أراد الاستنارة فعليه أن يتصل بهذا النور وأن يلتحم معه، وأن يسير وفق هداه، وأن يتصل به متى شاء وكيف شاء، فليست هناك شروط أو حواجز أو طقوس يمارسها من يريد أن يتصل بالنور، فقط عليه أن ينوي ويقرر ويصبح متصلا، فعندما نوجه وعينا باتجاه الخالق عز وجل ونذكره بشفاهنا وعقولنا ونستحضر جلاله في نفوسنا، فإننا نفتح رحاب الوعي الكوني غير المحدود ونحضر الكون بكل موجوداته إلى هنا، إلى وعينا، وهناك يكون الاتصال فعلا وتصبح الاستنارة قوية جدا، وبها نعالج جميع مشاكلنا.![]()
أحمد المعشني
خرجت من المسجد وأنا أشعر بتلك اليقظة الروحية، نظرت إلى البحر والسماء وجبل سمحان وضريح ابن علي، وجعلت أقلب التاريخ في عقلي بين لحظة وأخرى وأجمع خيوط الحياة بوعي جديد، ثم حركت سيارتي متجها شرقا، فتحت جهاز هاتفي المتحرك، فلم أقرأ تباشير لحاق رفاقي بي. اشتريت بعض الفاكهة وعلبة شاي وكرتون مياه، ثم تابعت مشواري. لم أكن أقصد جهة محددة، لكنني في الطريق تذكرت رغبتي في طلوع رأس جنجري التابع لولاية سدح، ففي العام الماضي حاولت مع زميلي الدكتور مسلم بن أحمد المعشني أن نصعده من جهة الغرب، وبعد أن قطعنا مسافة سير على الأقدام بلغت19 كيلومترا، استطعنا أن نصل إلى سفحه ثم سلكنا طريقا وعرا لم يوصلنا إلى قمة رأسه، لم نكن نمتلك خبرة كافية بالممرات والمسالك التي تؤدي إلى قمة رأسه، كانت الشمس في ذلك اليوم من شهر فبراير حارقة جدا، فاكتفينا بالوصول إلى أعلى مكان يمكن الوصول إليه من الجهة الغربية، وبعد أن عدنا من الرحلة وأخبرنا زملاءنا الذين يمتلكون معلومات أكثر علمنا أن المسلك الذي يؤدي إلى رأس الجبل يقع إلى جهة الشرق وأنه يمر على أطلال مدينة قديمة، ولم تسنح لنا الظروف منذ ذلك التاريخ أن نذهب مرة أخرى إلى هناك، لكنني الآن أستطيع بمفردي أن أكتشف الطريق الصحيح وأستمتع بصعود “جنجري” الذي يمكن تقطيع مفردته إلى “جن جريء” الجن الشجاع إذا صح التعبير! قررت أن أسلك طريق ولاية سدح، عملا بنصيحة أحد أبناء المنطقة أخبرني بأن الذهاب إلى الجبل من ناحية سدح أسهل من الطرق الأخرى المؤدية إليه، لكن الطريق لم يكن سهلا كما أخبرني الشاب، كان ضيقا ومنحنيا، لكنه لم يخل من جمال ومتعة، فبالرغم من تعرجاته وانحناءاته إلا أنه يمر عبر تلال ومرتفعات وشعاب مكسوة ببساتين أشجار اللبان التي كانت لا تزال خضراء. كان مروري في تلك الشعاب والمنحدرات والهضاب والتلال متعة غير مسبوقة، التقطت صورا لأشجار اللبان، واستمتعت كثيرا بصوت حفيف أوراقها على إيقاع الرياح الجنوبية الشرقية، كما أن الأمطار التي شهدتها المنطقة منذ إعصار “مكونو” وما تلاه من خريف وهطول أمطار أخرى في شهر أكتوبر الماضي حفظت المنطقة خضراء، وحولت وديانها وشعابها إلى جداول مياه رقراقة تكوّن بركا وأحواضا؛ حولت التلال والهضاب والمنحدرات خضراء إلى محمية طبيعية خضراء تجتذب حيوانات كثيرة أليفة وغير أليفة، فترى الإبل والأغنام والغزلان وتسمع زقزقة العصافير وتشاهد أسراب طيور الحجل، كانت تلك المشاهد مثيرة ومدهشة، فكنت أتساءل: كيف سيكون رأس جنجري؟!د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية
رحاب : رحلات التأمل والاستنارة (1)
- خبر
-
مشاركة