رأي الوطن: قول تناقضه الأفعال

    • خبر
    • رأي الوطن: قول تناقضه الأفعال

      Alwatan كتب:

      بقدر ما مثله المؤتمر الاقتصادي الأميركي المسمى “الازدهار من أجل السلام” من أهداف صهيو ـ أميركية بحتة لتكريس التطبيع المجاني، بقدر ما كان المؤتمر بحد ذاته عنوانًا كبيرًا للصورة القاتمة لمستقبل القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي برمته، حيث كشف الشق الاقتصادي الذي أفصح عنه جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعرَّاب ما يسمى بخطة السلام في المنطقة والمسماة بـ”صفقة القرن” عن الشق السياسي الذي قال العرَّاب ومن معه إنه لن يتم الكشف عنه في الوقت الحالي، وإنما تفضيل تأجيله لفترة ما. ذلك أن الشق السياسي مما يسمى بـ”صفقة القرن” لن يكون مختلفًا عن الشق الاقتصادي من الصفقة من حيث إنه على الفلسطينيين والعرب معًا أن يتنازلوا عن حقوقهم، وعن أرض فلسطين التاريخية عن قدسها وعن مسجدها الأقصى وعن جميع مقدساتها، وجميع أراضي فلسطين، مثلما كان على العرب أو بعض العرب أن يقبلوا بالإملاءات الصهيو ـ أميركية بتمويل “صفقة القرن” لتنفيذها على أرض الواقع.
      لقد أبان المؤتمر الاقتصادي الأميركي أو الشق الاقتصادي للصفقة حجم الإجحاف والظلم المقصود والمراد إلحاقه بالشعب الفلسطيني، فلم يكتفِ المؤتمر بتصوير الفلسطينيين بأنهم مجرد عبارة عن جياع وأنه يسعى إلى انتشالهم من بين أنياب الجوع والفقر والمرض، وإنما أراد أن يسلبهم حقوقهم كافة مقابل ما يتصدق عليهم به من أموال ورفاه اقتصادي، دون أدنى تقدير واعتبار أو حتى مجرد تفكير بأن هذه الحقوق (الأرض الفلسطينية كلها، القدس، المسجد الأقصى، عودة اللاجئين، إطلاق سراح الأسرى) غير قابلة للبيع أو نقل الملكية أو التنازل عنها، كما لا يمكن لأي فلسطيني أو عربي أن يتصرف فيها، بل لا يملك الحق في ذلك.
      لذلك، من هنا الحديث عن السلام وصفقاته ومبادراته، وخصوصًا المبنية على الرؤى والمشروعات والأجندة الصهيو ـ أميركية والغربية هو حديث لن يتعدى الخطابات الإنشائية التي تُملأ بها وسائل الإعلام ويُشغل بها الإعلاميون والمحللون السياسيون، فتتحول إلى مادة إعلامية دسمة تأخذ الوقت الذي يريده مطلقو أحاديث السلام لإنجاز ما اعتمل في جعبتهم من أفكار ومشروعات وتوجهات، واستغلال هذا الوقت لتغيير المزيد من الوقائع على الأرض، والاستفراد بالشعب الفلسطيني وحقوقه، والاستيلاء التام على القدس والمسجد الأقصى، والإسراع في تسمين المستعمرات الاستيطانية بمواصلة النهب والسرقة لما تبقى من أراضي الضفة الغربية مع الاستمرار في محاصرة قطاع غزة، والإطباق على سكانه، ومواصلة حملات الاعتقال العدواني والإعدامات الميدانية.
      المثير للسخرية ما جاء على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الفلسطينيين والإسرائيليين لن يتوصلوا إلى اتفاق سلام بينهما إلا في ظل ولايته كرئيس للولايات المتحدة، حسبما نقلت عنه وسائل إعلام إسرائيلية مساء السبت، مدعيًا أنه قرر “قطع المساعدات المالية عن الفلسطينيين بهدف الضغط عليهم وتقريبهم من المحادثات مع “إسرائيل” فيما يتعلق باتفاقية مستقبلية”.
      إن من ينظر إلى واقع الحال اليوم وطبيعة المواقف الأميركية الصادرة عن الرئيس ترامب وأركان إدارته، والممارسات الإسرائيلية العدوانية والإرهابية ضد الشعب الفلسطيني يدرك حجم التناقض فيما قاله ترامب. فأي سلام هذا يمكن التوصل إليه والتوقيع عليه في ظل عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني أساسًا؟ وأي سلام هذا يمكن الحديث عنه في ظل اغتصاب القدس والمسجد الأقصى، وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس؟ فقد أكد صهره كوشنر أن التوصل لاتفاق “إسرائيلي ـ فلسطيني” على غرار مبادرة التسوية العربية لن يكون ممكنًا، في إشارة إلى “رفض حكومة الاحتلال إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية وحق العودة للاجئين”. لذلك يبدو أن حديث ترامب عن الاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين حديث موجه إلى الداخل الأميركي وإلى اللوبي الصهيوني، فهو له علاقة مباشرة بالانتخابات الرئاسية وسعي ترامب إلى الفوز بها لولاية ثانية؛ لأن السلام له شروطه وله إرهاصاته ومقدماته وكذلك له رجاله.

      Source: alwatan.com/details/338725