محمد الوهيبي يكتب: الأستاذ خير سرحان وزمن التعلم

    • خبر
    • محمد الوهيبي يكتب: الأستاذ خير سرحان وزمن التعلم

      Atheer News كتب:

      محمد بن علي الوهيبي- كاتب عُماني

      في رسالته الأخيرة لصديقه “سميح القاسم” قال محمود درويش: “بين عاصفةٍ وعاصفة، قد نجد مَقعدا للحنين أو للوداع طوبى لهذه السُّكنى القصيرة المُسَوّرة بالرّيح”

      “الأستاذ خير سرحان في ذمة الله” هكذا وصلني خبر رحيله عن عالمنا في شهر يونيو الماضي، وعبر رسالة في الـ (واتس اب ).

      خير عاطف سرحان الذي عايش أزمنة وأمكنة مختلفة وحمل بذور الخير ونثرها في دروب العلم، وهو الذي كان له من اسمه نصيب.

      وُلِد الأستاذ خير في عام 1927 ميلادي في قرية اسمها الكابري وهي من قرى فلسطين
      ويبدو أن اسمها اشتق من معنى الأكابر كما تشير بعض المصادر إلى ذلك.

      وتبعد قرية الكابري مسافة 13 كيلومترًا من الشمال الشرقي لمدينة عكا الفلسطينية، وتقع عند سفوح الجليل الغربي، وترتفع 75 مترًا عن مستوى البحر، واشتهرت بعذوبة وغزارة مياهها؛ ومن يمتلك عيون المياه فهو لا شك من الأكابر . وقد احتل اليهود الكابري في عام 1948 وهجّروا سكانها.

      انتقل الأستاذ خير بعد ذلك مع عائلته المهجرة إلى لبنان لترتب له أقداره السعيدة بعد أقل من سبع سنوات، تحديدًا في عام 1956 السفر إلى عُمان وهي البلاد التي كانت شديدة النأي في تلك السنوات، وستكون عُمان له الوطن الذي عشق ترابها وأرضها وأهلها ، وسيطيب له المقام فيها، وإن ظلت الكابري الفلسطينية عالقة في جفنيه حلمًا يلازمه طوال السنين .

      لقد كان الأستاذ خير يسرد علينا بلا ملل قصة مجيئه إلى مسقط ممتنًا لتلك اللحظات السعيدة التي مكّنته من اتخاذ أجمل قرارات العمر فيقول: أتيت من لبنان عندما قرأت إعلانا يطلب معلمين لسلطنة مسقط وعمان، فتقدمت وأجريت المقابلة في المركز الثقافي البريطاني ببيروت، وتوجهت بعد اجتياز الاختبارات إلى مسقط عن طريق البر، لعدم وجود طائرات آنذاك، واستغرقت تلك الرحلة الشاقة أسبوعا كاملا ، حيث بدأت الرحلة من بيروت إلى دمشق ، ثم إلى بغداد وصولا للبصرة ومن ميناء البصرة اتجهنا إلى أكثر من ميناء لتعانق عيناي بعدها سمرة جبال مسقط وأرى المدينة التي حضنت أجمل سنين العمر .

      عمل الأستاذ خير بالمدرسة السعيدية بمسقط مدرسًا لمواد اللغة العربية، والاجتماعيات، والعلوم، وعلى يديه تخرجت أجيال عديدة، ومن ضمن طلاب تلك المرحلة أبناء صاحب السمو السيد طارق بن تيمور وهم أصحاب السمو السيد أسعد والسيد هيثم والسيد شهاب. وكان من طلابه أيضًا السيد بدر بن سعود بن حارب، والسيد سيف بن حمد البوسعيدي. ومن طلابه كذلك الشيخ والأستاذ حمود بن سالم السيابي.
      ومن المعلومات التي سردها عندما سألته عن تلك المرحلة المبكرة في التعليم النظامي ذكر أنه زامل صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب في مهنة التدريس بالمدرسة السعيدية، وعبدالله بن صخر العامري، وذياب بن صخر العامري، وعبدالله بن سيف الكندي، وأحمد بن سالم آل جمعة، وعبدالله بن هاشل الجرداني (أبو سليمان)، وعلي بن سيف الوهيبي.

      وفي أوائل الثمانينات من القرن الماضي كان لي شرف اللقاء به والعمل معه، حيث كان الأستاذ خير في تلك الفترة مديرًا لمدرسة دارسيت، وهي المدرسة التي تم تعييني فيها مدرسًا بعد تخرجي من معهد المعلمين فقابلته وأنا أخطو أولى خطواتي في مهنة التعليم، وكان هذا الرجل لا يبخل في إسداء النصح والمشورة، وعرض خبراته الحياتية والتربوية التي كانت خير زاد ومعين لمن أراد المضي والإجادة في سلك التعليم.

      ومن المواقف التربوية التي لا أنساها لهذا المربي الفاضل، والتي حدثت في نهاية أحد الأعوام الدراسية عندما اتصل به أحد المسؤولين بالوزارة، وتصادف وجودي في مكتب الأستاذ خير ودار بينهما الحوار التالي :
      المسؤول: راجعني ولي أمر الطالب الفلاني، وهو من المعروفين لدينا آملا في إعادة النظر في نتيجة ابنه (الراسب)، وسأبعثه إليك لتعدل في نتيجة شهادته، وتنقله إلى الصف الأعلى، وليحسب من ضمن الناجحين خلال هذا العام الدراسي.
      فما كان من الأستاذ خير إلا أن جاوبه على الفور:
      أرجو المعذرة، ولي أمر الطالب عندك والشهادة عندك وعدّل بها كما تشاء، فأنا لا أعدّل في قرار اتخذته هيئة التدريس بالمدرسة بعد تأكد ومراجعة في أحقية هذا الطالب بالنجاح أو الرسوب، وعليك أن تعرف أننا هنا دائمًا نقف في صف الطالب طالما كان مجتهدا وحريصا على النجاح.

      رحم الله الأستاذ خير، ورحم الله تلك الأيام التي كانت شديدة الدقة والحرص في تقدير واحترام الواجب تجاه الوطن وأبنائه، ورحم الله من قُدر له حمل أعباء الأمانة وقام بها كما يجب، ورحم الله من عرف أن السفر طويل والزاد قليل.

      Source: atheer.om/archives/502952/%d9%…d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%b2/