في العمق : عضوية مجلس الدولة: تكريم ومسؤولية

    • خبر
    • في العمق : عضوية مجلس الدولة: تكريم ومسؤولية

      Alwatan كتب:

      د. رجب بن علي العويسي

      نظرا لما يعيشه مجتمع السلطنة من خصوصية ثقافية واجتماعية وفكرية، لها أطرها وخصائصها وسماتها التي يتميز بها عن غيره من المجتمعات، وهي خصوصية نابعة من الموقع الجغرافي وتنوع التضاريس بين السهل والجبل والساحل، والتي فرضت واقعا متجددا وسلوكا متناغما مع طبيعة هذا الواقع، بما انعكس على سلوك الإنسان العماني ذاته وما اتسم به من سماحة وتسامح وألفة وتآلف، وحب الآخرين، والتعايش معهم، ولين الجانب وعمق التواصل، والاتزان الفكري، والاعتدال المذهبي، والروح الراقية، في طيب المعشر وحسن الصحبة، وثقافة التعاون، وحس الأخوة، فأصبحت مثالا يبرز طبيعة الشخصية العمانية في نظرتها المتسعة والشمولية للمنتج الإنساني وقراءتها الواسعة للفكر البشري الرصين الذي لا يحده زمان أو مكان أو أشخاص، فتعايشت مع الشخصية العمانية كل المذاهب الفكرية والدينية، فكانت قيمة مضافة لبناء مسارات التطور وموجهات التحول التي يعيشها، كما شكلت الصورة الإيجابية التي يحملها الإنسان العماني حول نفسه والعالم منطلقا لقناعته بأهمية الحوار والسلام ومنطق العمل معا، في سبيل بناء مجتمع الشراكة والمودة والتعاون والتكامل، فارتبطت بمفهوم التعايش الفكري والتسامح المذهبي والتعاطي الواعي مع كل التحديات والمتغيرات الفكرية والثقافية والمواقف التي برزت في واقعه بعيدا عن الاندفاعات السلبية، حتى عاش الناس في ظلال التسامح حياة الأمن والأمان والتنمية والاستقرار؛ وعكست صورة الشخصية العمانية ممارسة أصيلة التزمت بها الدولة في خططها وسياساتها التنموية وبنيتها التنظيمية والتشريعية والمؤسسية، وهو نهج وطني قائم على الوفاء للإنسان وتقدير وجوده ومكانته الوطنية، فهو شريك الحكومة وهدف التنمية وغايتها ووسيلة تطورها وتقدمها، وهو نتاجها الذي تصب خلاله كل الجهود، لذلك ترجمة نهضة عمان هذا السلوك منذ بداياتها، سواء في استراتيجيات التنمية التي وسعت الأرض العمانية في السهل والجبل والسهول والوديان والبراري والقفار والمدن والقرى، وركزت في أولويتها على أمن الإنسان وتعليمه وصحته ووصول كل الاحتياجات الغذائية والتموينية له عبر مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، كما أثبتت الأنواء المناخية والحالات المدارية التي مرت بها عمان حجم الوفاء للإنسان والسعي لتوفير مظلة الأمن والأمان له وحمايته من المخاطر، بما يصنع منه قيمة مضافة في حياته الشخصية وكفاءة حضوره وعظم مسؤولياته في وطن يحبه وقيادة تسهر من أجله.
      لقد انطلقت من مفهوم التعددية في الفكر والتنوع في وجهات النظر رؤية الشورى العمانية باعتبارها طريق العمل الجمعي الأكثر نضجا للوصول إلى رأي رشيد وفكر سديد ومنهج يرتقي بالإنسان ويضمن قدرته على السمو الفكري، وهو ما عبرت عنه المراسيم السلطانية السامية والقوانين وأدلة العمل والإجراءات الشوروية والبرلمانية لمجلس عمان عامة ومجلس الدولة على وجه الخصوص، بما يمثله من شخصية اعتبارية مستقلة ومؤسسة شورية ينظر له كواجهة رسمية لها مكانتها الرسمية والاجتماعية على الصعيد الوطني والعالمي في ظل ممارسة المجلس لاختصاصاته التي حددها النظام الأساسي للدولة، والمادة (17) من المرسوم السلطاني رقم (86/97) في شأن مجلس عمان والمعدلة بالمرسوم السلطاني رقم (74/2003) حيث أشارت إلى: “يقوم مجلس الدولة بكل ما من شأنه المساعدة في تنفيذ الخطط التنموية والإسهام في ترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع العماني والمحافظة على منجزاته وتأكيد المبادئ التي نص عليها النظام الأساسي للدولة”.
      ولما كانت نظرة المجتمع إلى من يتولون المناصب العامة أو المكلفين بالخدمة، نظرة إكبار وإجلال، لذلك ما يقبل من المواطن العادي لا يقبل من المكلف بوظيفة رسمية أو خدمة عامة وبالذات أعضاء المجالس الشوروية وعلى وجه الخصوص مجلس الدولة باعتباره يمثل صفوة المجتمع للفئات التي يتكون منها المجلس والتي حددتها المادة (58) مكرراً (1، 2، 3، 4، 5، 6،7) من النظام الأساسي للدولة (101/96) حيث تضمن أحكاماً خاصة بمجلس الدولة، تم خلاله تحديد عدد أعضائه، وآلية تعيينهم، والفئات التي يتم اختيار الأعضاء من بينها، وشروط العضوية، وحسب ما نصت عليه المادة “58″ مكرراً “1″ يتم اختيار أعضاء المجلس من بين الفئات التالية: الوزراء ووكلاء الوزارة السابقين ومن في حكمهم، ومن السفراء السابقين، وكبار القضاة السابقين، وكبار الضباط المتقاعدين، والمشهود لهم بالكفاءة والخبرة في مجالات العلم والأدب والثقافة وأساتذة الجامعات والكليات والمعاهد العليا، والأعيان ورجال الأعمال، والشخصيات التي أدت خدمات جليلة للوطن، ومن يرى جلالة السلطان اختياره من غير الفئات السابقة. وأشار إلى عدم جواز الجمع بين عضوية المجلس والوظيفة العامة، وأستثنى بعض الفئات من هذا الحكم، حيث أجاز للمشهود لهم بالكفاءة والخبرة في مجالات العلم، والأدب، والثقافة، وأساتذة الجامعات، والكليات والمعاهد، ومن يرى جلالة السلطان المعظم تعيينهم، الجمع بين عضوية المجلس ووظائفهم، وهذا ما نصت عليه المادة “58″ مكرر “7″ من النظام الأساسي للدولة؛ كما تضمنت المواد من “58″ مكررا”20″ إلى “58″ مكررا “24″ أحكام العضوية، ونظمتها تنظيما يكفل للعضو حرية الرأي، وضوابط ممارسة هذا الحق، وما يجب على العضو وما يحظر عليه، وحصانته وإجراءات رفعها، وفوضت المادة “58″ مكررا “25″ المجلس بتحديد نظام سير العمل بالمجلس ولجانه وحفظ النظام به، وأصول المناقشة والتصويت والجزاءات التي يجوز توقيعها على العضو في حالة مخالفته لنظام سير العمل بالمجلس أو تخلفه عن حضور جلسات المجلس أو لجانه بدون عذر مقبول وغير ذلك من الصلاحيات المقررة للأعضاء.
      كما أن إجراءات العمل البرلماني الواردة في “دليل العمل بمجلس الدولة” شكلت إطارا مرجعيا محكما في نقل السلوك البرلماني إلى واقع الممارسة البرلمانية وعبر جلسات المجلس وما يصار فيها من مناقشة مشروعات القوانين المحالة من الحكومة أو المقترحة من المجلس أو المرتبطة بتعديل قوانين نافذة والمقترحات أو الدراسات البرلمانية الأخرى، وأعطت هذه المناقشات في موضوعيتها وكفاءة إدارتها، والتزامها معايير المناقشة وأصول طلب الكلمة، حكمة في إبراز نهج التوازن في بناء الرأي والرأي الآخر وتداول الأفكار والمشاركة بالفكر المستنير والرأي البناء في اقتراح الأحكام والسياسات الداعمة للعمل الوطني، ليستمر هذا النهج في كل إجراءات العمل ومسارات الإنجاز، حتى مع وجود اختلاف في رأي مجلس الدولة مع رأي مجلس الشورى حول مشروع القانون أو في بعض مواده، من خلال تشكيل لجنة عمل مصغرة تدرس مشتركات التقارب في الرأي والتوافق في طريقة مناقشة أوجه الاختلاف للتوصل إلى حلول مناسبة لها من خلال طرح أفكار موضوعية وواقعية عميقة، أو عقد جلسة مشتركة بدعوة من رئيس مجلس الدولة، التي تسري عليها الأحكام والقواعد المنظمة لسير الجلسات في مجلس الدولة ويصدر القرار فيها بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين؛ لتمثل بدورها شواهد إثبات على فلسفة العمل الراقي التي اعتمدها المجلس في أجندته وقراءته للواقع واستشرف المستقبل بروح الفريق الواحد ونهج الحكمة وحس الوطن ورقي المنهج وسمو الفكرة وعلو الهمة وهدوء الشخصية ومبدأ الثقة، وبالتالي ما يضيفه هذا التناغم في الأفكار ووجهات النظر الداخلية وأرصدة التميز التي يمتلكها، من قيمه مضافة تظهر تجلياتها على مسارات عمل المجلس ونجاحاته وقدرته على احتواء المواقف، وتوظيف الفرص وتوجيهها لصالح تفعيل دور المؤسسات بالتزام المهنية والجودة والشفافية في تعاملها مع قضايا المواطن، فإن المحددات التي أشرنا إلى بعضها منطلق لتأطير نهج إنتاج القوة في السلوك البرلماني.
      ويصبح السلوك البرلماني بذلك إطارا مهنيا وقيميا يعمل فيه أعضاء مجلس الدولة على اختلاف تخصصاتهم واهتماماتهم ومواقعهم السابقة لتحقيق رسالة المجلس الوطنية على صعيد تعزيز التعاون بين الحكومة والمواطنين من أجل مزيد من الازدهار والتقدم والتطور، وفق مسار يلتزم منهجيات وقواعد العمل البرلماني المحددة في النظام الأساسي للدولة والأوامر السلطانية واللوائح التنفيذية الداخلية بما ينعكس إيجابا على صورة عمل المجلس في المجتمع وآلية تحقيقه للأدوار التشريعية والرقابية، ويأتي مؤكدا لفلسفة العمل التي يراد من مجلس الدولة تحقيقها في أجهزته ومن خلال بناء شخصية أعضاء المجلس الذين يلتمس فيهم الوطن النزاهة والمصداقية والتجرد من المصالح الشخصية، في ظل ما اشترطته المادتان (1- 2) مكررا، من انتفاء حالة المصلحة الشخصية التي قد تؤثر على عملهم، بالإضافة إلى ما يحمله وجود هذا التنوع في الفئات وحضور المرأة في عضوية المجلس من تعزيز الخبرة الوطنية وحسن استثمار الكفاءات وتقدير التنوع في المواهب والخبرات والقدرات، وتأصيل منحى التكامل بين هذه الفئات بما تمتلكه من فقه المعرفة وإدارة الأزمات والتجربة في تعاملها مع الكثير من المواقف في عملها السابق للفئات التي حددها المرسوم السلطاني من غير أساتذة الجامعات والكليات والمعاهد التعليمية، وما يحققه هذا التنوع من فرص البحث والجدية في استنطاق الأفكار المطروحة، فيؤسس لمرحلة البحث في الدراسات البرلمانية المعمقة في ظل ما أقرته لوائح المجلس من حق الأعضاء في تقديم مقترحات الدراسات التطويرية التي تعدها لجان المجلس وفق إجراءات وآليات مقننة وتناقش ضمن جلسات المجلس الاعتيادية العامة بعد استكمالها المراجعات والملاحظات التي يبديها مكتب المجلس، والتي تستهدف تطوير قطاعات التنمية وتساعد المؤسسات في تحقيق اختصاصاتها.
      ولما كان العمل بمجلس الدولة يتميز بإطاره الجمعي القائم على اعتبار أن ما يصدر عن المجلس من قرارات وتوصيات يأتي معبرا عن رأي المجلس وليس عضو من أعضائه مع وجود آليات وضوابط محددة وأدوات مقننة تحفظ لعضو المجلس حقه في التعبير عن رأيه بحرية، وهو ما يؤكد أن ممارسة هذه الصلاحيات، يستدعي أن يكون عضو المجلس على مستوى عالٍ من المسؤولية والثقة التي تضع جهوده في القيام بمهامه، محل تقدير واستحسان وثقة من الحكومة والمجتمع على حد سواء ويضيف إلى طبيعة الدور الذي يمارسه أو المهام التي يقوم بها دورا آخر تضعه في مقام القدوة التي ستنعكس على طريقة بلوة آرائه والمقترحات التي يبديها، أو في قدرته على بناء منصات تواصلية مع المجلس، يعزز من هيبة المجلس وموقعه المؤسسي والمجتمعي، وبالتالي ما يستدعيه ذلك من التزامه المعايير والمبادئ والأخلاقيات وإحاطته بالواجبات التي عليه أن يستحضرها في أداء مهمته في المجلس والتزامه بما نص عليه النظام الأساسي للدولة والقوانين ولوائح العمل بالمجلس، والتي فصلت في موادها واجبات عضو المجلس كما بينت حقوقه، وحددت ما يجوز له وما يجب عليه من الالتزام بأحكام النظام الأساسي للدولة والقوانين ولوائح العمل بالمجلس، وما ينبغي أن يلتزم به عضو المجلس وهو يمارس مهامه، سواء داخل المجلس أو خارجه بالشكل الذي يضمن أهمية استصحاب العضو المكرم صفة العضوية أينما كان وحيثما حل، وعليه يدرك أن الأنظار موجهة عليه، وما يستدعيه ذلك منه من التزام بالمعايير والقواعد المنصوص عليها فيحسب لتحركاته وسكناته وتصرفاته ألف حساب ويقيس سلوكه ويزنه بمعايير القيم والأخلاقيات التي اكدها النظام الأساسي والقوانين واللوائح النافذة، ويعطي الكلمة وزنها ويقدر قيمتها قبل أن يتفوه بها، كما يضع في مسؤولياته التزامه المظهر العام الذي يجب أن يظهر به في الأماكن العامة لما يعبر به عن شخصية عضو مجلس الدولة، بالإضافة إلى ظهوره الإعلامي وفي منصات التواصل الاجتماعي وأمام الشاشات الفضائية وكاميرات التصوير، وحضوره الاحتفالات ومشاركته أو رعايته للمناسبات المجتمعية وحديثه الصحفي لوسائل الإعلام، ونقله لأخبار المجلس أو تصريحه بها في ظل ما حددته اللائحة الداخلية للمجلس في هذا الشأن؛ ويمكنه أن يرجع إلى المختصين في المجلس إذا التبس عليه الأمر بما يجنبه الإشكاليات أو المساءلة أو النقد في ظل سرعة تداول هذه الأخبار أو نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي والواتس اب وغيرها من المنصات التي باتت تبحث عن فرص لترويج الأخبار وتهييج وإثارة الرأي العام بما يضر بالمكرم عضو المجلس وهيبة مجلس الدولة عموما.
      ومع ما أشرنا إليه في من قواعد للسلوك الموجهة لعمل عضو مجلس الدولة، فإنه يمكن القول بأن النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (101/96)، والمرسوم السلطاني(86/97) بشأن مجلس عمان ولائحة نظام ودليل العمل بمجلس الدولة، قد تضمنت الكثير من النصوص المتعلقة بالسلوك البرلماني وأخلاقياته والقواعد السلوكية الداعمة لها بطريقة صريحة أو ضمنية التي ينبغي على عضو مجلس الدولة العمل عليها، سواء داخل المجلس او خارجه؛ إذ تشكل المبادئ الأخلاقية العامة لعضو مجلس الدولة القائمة على: تحقيق الصالح العام وإيثاره على أي مصالح شخصية، والمسؤولية عن قراراتهم والتزام الدقة والمصداقية والإخلاص في أداء واجباتهم، والأمانة والثقة والنزاهة والفضيلة في تعاملهم مع الواقع، الإطار المرجعي العام الذي على أساسه تحدد القواعد السلوك البرلماني، فإن من شأن هذا التكامل في التعاطي مع الأولويات الوطنية في فقه البرلمان والتفاعل الحاصل بين أجهزة المجلس (الرئيس ومكتب المجلس واللجان والأمانة العامة للمجلس) أن يؤسس لمسارات القوة في عمل المجلس والحكمة في التعامل مع قضايا المواطن، والمشاركة الفاعلة في خلق بيئة عمل ناجحة وتكوين قدوات ونماذج برلمانية إيجابية مؤثرة تؤصل لشخصية عضو البرلمان في قراءاته ودراساته ووجهات نظره وحواراته ونقاشاته وتواصله مع المنصات الإعلامية المتنوعة والمجتمع والرأي العام بما يكسبه هيبة رجل الدولة الذي عليه أن يقرأ مسؤوليته البرلمانية في مبادئ وأخلاقيات العمل الوطني وقواعد الذوق والسلوك العام.
      إننا نبارك لكل من نال الثقة السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بصدور المرسوم السلطاني السامي رقم (77/2019) بتعيين أعضاء مجلس الدولة؛ وشرف انتسابه لعضوية المجلس للفترة السابعة (2019- 2023)، سائلين الله لهم مزيدا من التميز في عطائهم وإنجازاتهم التي ستكون واقعا مشهودا وإنتاجا ملموسا وعملا محمودا يضيف لمجلس الدولة استحقاقات تنموية قادمة.

      د. رجب بن علي العويسي
      Rajab.2020@hotmail.com

      Source: alwatan.com/details/358725