[B]
موضوع منقول
يمثل الدين مظهرًا من مظاهر لطف الله تعالى بالإنسان ، وأثر من آثار الرحمة التي احتضنت المجتمع البشري- برجاله ونسائه - ومهدت له سبل العيش بسعادة واستقرار.
فرسل الله وأنبياءه واكبوا البشرية منذ فجر التاريخ من عهد آدم وحتى عصر خاتمهم محمد بحيث تدرجت التعاليم الإلهية بما يتناسب وعملية تطور المجتمعات ، وصولاً إلى مرحلة النضج البشري وظهور الرسالة الخاتمة التي أكدت في تعاليمها :
من جهة . على وحدة الرسالات وترابط مسيرة الرسل . قال تعالى: ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط 0 وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيوّن من ربهم 0 لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون 0 ﴾ [1]
- ومن جهة ثانية أكدت على وحدة النوع الإنساني 0 وبأن الناس جميعًا ينتمون إلى أصل بشري واحد ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ [2] ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) [3] فلا تمايز لجنس أو عرق أو طبقة باعتبار أن النوع البشري على إطلاقه أختصه الله عز وجل بالتكريم والاستخلاف 0 وجعل مهمته المشتركة أعمار الأرض واستثمار خيراتها 0
- ومن جهة ثالثة أكدت بأن حقيقة إنسانية الإنسان ليست بجسده بل بروحه التي لا تخضع للمذكر والمؤنث 0 فالروح منزهة 0 والذكورة والأنوثة لا أثر لها في الفضائل والمعارف 0 والله عز وجل نسب البدن - بتعبير- إلى التراب والطين ( كما يقول العلامة آملي ) ونسب الروح التي هي الأصل إلى نفسه جل وعلا 0
وعليه فلا شيء ماديًا يمكن أن يكون غذاء لروح الإنسان ، إلا غذاء عالم القدس وقرب الله 0
- من هذا المنظور 0 نتجه للحديث عن مكانة وموقع المرأة في تاريخنا الديني، مستندين على ما حفلت به الرسالة الخاتمة من نصوص ، وسنحاول:
أولاً : استعراض مواقف وأدوار نسائية فذة من تلك الفترة المدهشة من تاريخ البشرية . الفترة التي يعيش فيها الناس مع السماء . والسماء تتدخل في أمرهم علانية وتفصيلاً 0
ثانياً : الوقوف على حركة الرسالات السماوية وحيوية حضور المرأة فيها .. معاينين المساحة التي أفردها - كتاب الله للحديث عن المرأة الصالحة والمقدسة والمصطفاة بصفتها أحد صناع التاريخ 0
ثالثًا : التأمل فيما يريده الإسلام من المرأة سواء على مستوى الكيان الشخصي أو الدور العام ، ملتفتين إلى الأسس التي قام عليها تاريخنا الديني الذي صنع على يد الرجل كما على يد المرأة في إطار ثنائية تكاملية ميز بها الله تعالى التوازن الإنساني 0
- من هنا كان خيار بحثنا عنوانين محددين نحاول من خلالهما رصد مساحة حضور المرأة في التاريخ الديني0
المرأة كأنموذج أم 0
المرأة كأنموذج عام 0
1- موقع ومكانة الأم في التاريخ الديني :
بالعودة إلى الأديان السماوية الكبرى . يستوقفنا دور الأمهات في حياة الأنبياء - إسماعيل وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم - إذ نلاحظ أنه عهد بهم في طفولتهم إلى الأمهات وحدهن دون مشاركة الآباء0
أ- أم إسماعيل : التي أراد الله سبحانه أن يؤثرها برعاية طفلها الوحيد إسماعيل فتركه لها وحدها في واد قفر غير ذي زرع .. و كان أن نهضت هاجر وخلدت ، وجعلت خطواتها في صميم فريضة الحج التي هي من أهم وأكبر فرائض المسلمين قال تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ ، قرار إلهي يلزم المؤمنين رجالاً ونساء بتمثل خطوات تلك الأم متذكرين سعيها ودورها الجليل0
ب- أم موسى : القرآن الكريم لا يذكر لنا شيئاً عن والد موسى وإنما يخص بالذكر أمه . ويكل إليها أمر حمايته وليداً ورضيعاً . حين أستبد فرعون بقومه. وذبح سبعين ألف طفل - كما قيل خوفاً على ملكه - وولد موسى خفية . فارتجفت أمه لكن الوحي نزل ليطمئنها ولتعهد إليها السماء بمهمة إنقاذ الوليد المذخر لإحدى الرسالات الكبرى قال تعالى " وأوحينا إلى أم موسى إن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم . ولا تخافي ولا تحزني أنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " 0
ج- أم المسيح عيسى : لا يذكر القرآن الكريم له أباً .. وإنما هو عيسى أبن مريم - كما دعاه - كتاب الله .
ومن حق الأمهات أن تفخر بهذه النسبة .. وقصة أمومة- مريم - كما روتها كتب السماء بالغة التأثير . ذلك أن هذه الأم التي طهرها الله واصطفاها وجعلها وأبنها آية للعالمين تعرضت لأقصى ما تتعرض له أنثى . وهذا ما سنعود إليه 00
د- أم محمد آمنة بنت وهب : التي جاء دورها في ختام هذا الموكب . لتكون أمًا لمحمد الذي شاء الله أن يتوفى أبيه قبل أن يبصر النور . فتحتضن الأم وحيدها اليتيم باذلة له أقصى ما يستطاع من عناية ورعاية . وقد عرّف كتاب السيرة بما كان لهذه الأم من أثر جليل في هذه المرحلة من عمر نبي الإسلام 0
الذي ترك للإنسانية شعاراً وقولاً بليغاً هو " الجنة تحت أقدام الأمهات " .
هكذا نظرت الرسالة الخاتمة إلى المرأة الأم مرتفعة بدورها ومهامها ومسؤولياتها مبينة بأن السماء عهدت لها بمفردها بأعداد فريق من الأنبياء دون مشاركة الآباء .
هذه اللفتة المؤثرة التي كشفت عنها الرسالة الخاتمة . رافقها أيضا" التفاته أخرى من الرسول الخاتم محمد وتتمثل بتقديم الأنموذج القدوة لنساء العالم . الأنموذج الذي جسدته نساء أربع كان لكل منهن تأثيرها الكبير في هذا التاريخ 000
2- المرأة كأنموذج عام :
روايات كثيرة متشابهة وردت عن النبي تشير لأفضل النساء . وأنه لم يكمل من النساء إلا أربع . وأن الجنة اشتاقت إلى أربع نساء . وأن الله أختار من النساء أربع ..
ففي الدر المنثور أخرج أحمد والترمزي وأبن منذر والحيان والحاكم عن أنس عن النبي 0
- كما أخرج أبن مر دويه والسيوطي وأبن أبي شيبة عن الحسن 000
- وقال شهاب الدين الألوسي 000
- وأخرج أبن عساكر عن طريق الضحاك عن أبن عباس عن النبي قال : ( أربع نسوة سادات عالمهن . مريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وأفضلهن عالمًا فاطمة ) [4]
الحديث الشريف يظهر حرص النبي على إبراز النموذج القدوة في عالم المرأة ، والدعوة إلى التأسي بهذه النماذج التي أرست بحضورها العملي وسموها الروحي دعائم الأسوة الصالحة لنساء العالم 0
وهنا سنحاول وباختصار تلمس معا لم تلك الأدوار :
أولا" :مريم المرأة المصطفاة :
قال تعالى ﴿ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾
بهذا السموّ تحدث القرآن الكريم عن كمال السيدة مريم وحياتها المليئة بالأسرار شاهدًا لها مباهيًا بها وبالجو العائلي الذي مهد لتربيتها .. مشيرًا إلى والدها عمران الذي شغل دورًا معنويًا كبيرًا وعاش حياته لخدمة بيت المقدس وإلى أمها التي عرفت بالانقطاع والتجرد فكانت تخلو إلى ربها تناجيه بخشوع وتذلل رافعة إليه شوقها إلى ولد صالح تتقرب به إليه .
إلى أن استجيبت الدعوة 00 ﴿ إذ قالت امرأة عمران رب أني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ﴾ [5]
وأنه في اليوم المرتقب ، حدثت المفاجأة التي تركت امرأة عمران في حيرة فالمولود أنثى . والأنثى لا تصلح للخدمة الدائمة في المعبد فهتفت مربكة ﴿ رب أني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى وأني سميتها مريم وأني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ [6] ومضت تعرض واقعها وحيرتها في مناجاة لذيذة مع خالقها ، أنها تخاطبه وكأنها تخاطب قريبًا ودودًا سميعًا مجيبًا.. معلنة بأنها اختارت لها أسم - مريم أي العابدة - لتكون مطيعة لكل ما يأمر به سبحانه وينهى عنه ، راجية أن يحضنها وذريتها من مكائد الشيطان .
وبعد أن أستقر الوضع ذهبت الأم بابنتها إلى المعبد . فتنافس الأحبار في كفالتها . فجاءت الكفالة من نصيب زكريا النبي زوج خالتها الذي شعر بالارتياح لتوليه هذه المهمة .. فقام برعايتها على أكمل وجه 0
وحين بلغت مريم التاسعة من العمر - قيل أنها باتت من أعبد أهل عصرها - إذ كانت تصوم النهار وتقضي الليل في العبادة وتأبى أن تفارق محرابها لتأكل ، لأنها لا تريد أن يشغلها شيء عن هذه الأجواء الأنيسة والحبيبة إلى قلبها .. فكان الرزق الهنيّ يأتيها من الله سبحانه وهذا ما جعل كافلها وهو- نبي- يتعجب ويسألها مستفسرًا ﴿ يا مريم أنّى لك هذا ﴾ فتجيب بخشوع العارفين وصفاتهم " أنه ﴿ من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ 0
وهكذا راحت مريم تصعد في مدارج العبودية لتعبر منازل مقام المحبة والقرب الذي لا يرى العبد فيه سوى الله 0 بحيث ترتفع الحجب وينزاح الستار ... وتعاش تلك اللحظات التي انكشفت فيها الحجب وتغيبت العلل والأسباب.
هذه الأمور كانت من البديهيات التي عاشتها مريم . وتحدث عنها القرآن الكريم مقدما" للإنسانية ذاك المقطع التاريخي الذي انزاحت الحجب والأستار فيه عن عالم الملك لتظهر لمعة من لوامع الملكوت . والمتمثلة فيما كان يراه زكريا من موائد ممدودة أمام مريم ، فالرزق من جهة كان باطنيًا معنويًا - علمًا لدنيًا - ومن جهة كان ظاهريًا إذ ذكرت الأخبار أغذية و فواكه في غير وقتها و في غير مكانها كانت تأتيها لتبسط أمامها مائدة فردوسية من عند الله مباشرة0
وهذا ما يدل على أن مريم قد تخطت الوسائط و الأسباب و استطاعت الولوج في عالم القرب والسعادة الأبدية 0
السيدة مريم ومقام الاصطفاء :
مما اختصت به مريم (س) كان مقام الاصطفاء ,إذ اصطفاها الله عز و جل و كرمها بولادة السيد المسيح من غير أب و لم تعرف هذه الكرامة لامرأة على وجه الأرض0
- قال تعالى ﴿ و إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ [7]
فهي في هذا الأمر مميزة فريدة . ولذا كانت مواكبة الملائكة لها والحديث إليها . كي تعيش الإحساس العميق برعاية الله كمقدمة لذاك الحدث الفريد .
- ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى أبن مريم وجيها ﴾ في الدنيا والآخرة ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين ﴾
- ﴿ قالت رب أنّ يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ ﴾ 0
- قال: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء . وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ [8]
- فالله سبحانه وتعالى في هذا المشهد العجيب الذي تغيب فيه العلل تتجلى مشيئته لمريم (س). ليكون الوجود المقدس المدخل الساتر للخلق من نوع - كن يكون-
ولنتأمل هنا المعاناة التي عبرتها (س) وكيف كان حالها حين آن آوان الوضع واضطرتها آلام الولادة للإلتجاء إلى جذع النخلة لتستتر به وتعتمد عليه ثم كيف هزّها الحياء حين تذكرت قسوة وجهل قومها قال تعالى : ﴿ فحملته فانتبذت به مكانًا قصيا فاجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ﴾ [9]
- ﴿ فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا . وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيا . فكلي واشربي وقرّي عينا . فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صوما . فلن أكلم اليوم أنسيا " [10]
- بنداء المولود . شاء الله سبحانه أن يسكّن من روع مريم ويهدئ نفسها لتعلم أن من أوجد لها الرطب من النخلة وأوجد لها الماء الجاري في تلك الهضبة التي كانت عليها في الجبل قادر أن يرد عنها لوم اللائمين .
- وهكذا استجمعت - المقدسة - أفكارها بعد أن رأت رحمة ربها بها وبمولودها فاطمأنت إلى حجتها وأحست بشعور قوي يدفعها إلى النهوض .
صمود مريم : لنتصور الوضع الذي استقبلت به البتول من قومها حين أتت وعلى يديها (عيس) تحمله 0
إذ انطلقت الألسن من حولها بأسوأ حملة نفسية يمكن أن تتعرض لها إنسانة في هذه الأرض , فمن التعنيف و التهكم الجارح إلى الشائعات الساخرة التي راحت تتحدث ﴾
لكن مريم المقدسة كانت قد خرجت بصفائها من معاناتها ومتاعبها الشخصية و باتت تعيش مشكلة الناس من حولها و هموم المشروع الإلهي الذي يهيئ للخروج بهم من ظلمات واقعهم السيئ إلى أنوار اللطف و الرحمة الإلهية0
و كان أن لاذت بنذرها و مضت بكل ما تملك لتداري الموقف بصبر مطمئن لا يشوبه أي اضطراب ﴿ فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دوت حيا و برا بوالدتي و لم يجعلني جبارا شقيا و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت ويوم أبعث حيا ﴾
و هكذا شرع - بن مريم- بالجواب الدال على براءة أمه دون أن يمهلهم بحيث جثم على الجمع صمت رهيب , فمعجزة نطقه و ما أخبر به لا يدع ريبًا لمرتاب في أمره00
فوز مريم..
وإنه لجزاء هذا التوجه و التجرد كان الفوز , بحيث استحقت - مريم- المرأة المقدسة من الله سبحانه أن يثني عليها باسمها - مريم- مع أنه تعالى لم يذكر في كتابه العزيز اسمًا نسائيًا غير اسمها 0 و مع ذلك تكرر أسم مريم في القرآن الكريم في حوالي ثلاثين موضعا" و ما يقارب العشرين سورة و في كل موضع ثناء عليها و على عفتها و ما أدته من دور و تحملته من معاناة . كما خصص القرآن الكريم سورة كاملة للحديث عنها بأسم (سورة مريم)0 و هذا كله لإلفات نساء العالم إلى ذاك المستوى العظيم وإلى تلك المنزلة الرفيعة من العبودية0
ثانيا" آسيا بنت مزاحم :
لننظر إلى نموذج نسائي آخر من سيدات نساء العالمين إلى آسيا بنت مزاحم وكيف أتى القرآن الكريم على ذكرها إذ قال تعالى: ﴿ وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب أبني لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾ [11]
- بهذا الإيجاز البديع يلخص- كتاب الله - إيمان وجهاد امرأة نهضت لتواجه طغيان الزوج الذي يدعي الربوبية . لتواجه فرعون أعظم ملوك الأرض يومذاك في الوقت الذي كان فيه جميع الناس من حولها خاضعين لسلطته وتعسفه ويركعون أمامه طوعا" أو كرها ويسجدون له
- نهضت ملكة مصر- آسيا- لا لترفع إلى ربها مبررات الواقع الصعب . وإنما لتطلب النجاة من فرعون وعمله بعد أن دعته للاهتداء برسالة موسى والكف عن ظلم الناس . ودعاها لأن تختار بين طاعته كملكة لمصر ، أو تستعد لمواجهة التعذيب . ولكن آسيا التي أحاطها فرعون بطوفان من المغريات .. غضت النظر عن كل شيء .. ونهضت لتتخذ موقفا" من الملك الذي هو زوجها وملكه ومملكته . ولتضرب لمجتمعها المستضعف مثلا" في كيفية صنع القرار . ونصرة الحق والخروج على طاعة المستبدين 0
جموع شعب . خرجت من بينهم امرأة لتكون لهم مثلا"- بعد أن سمعت من نبي الله موسى ما سمعوه - امرأة لم يعز عليها ككثير من النساء أن تتخلى سريعا" عن كل ما كانت تنعم به من ترف وراحة . ومضت تواجه أشرس ألوان التنكيل والاضطهاد. إلى أن دقت يديها وقدميها بالمسامير .. وانه في تلك اللحظات التي أشرفت فيها على الشهادة سجل لنا كتاب الله ما كان يدور في ذهنها من مطالب رفعتها لربها عبر دعاء صغير جعلته شاملا" لكل أشواقها وهمومها 0﴿ رب ابني لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾
- هذا هو الرجاء وهذه هي الأمنية الوحيدة التي توجهت بها إلى الله 00
- أنه موقف امرأة عاشت في عصور الفراعنة القديمة . ومع ذلك رفع لان يكون منارة للعصور المتقدمة . واستحقت صاحبته أن يباهي بها الله عز وجل وبإرادتها ووعيها وبموقفها الإيماني العظيم .. مبينا" من خلال آسيا النموذج بأن الاستضعاف مرفوض . وان الإنسان رجلا" كان أم امرأة بإمكانه أن لا يكون فقط صانعا" لقرار بل صانعا" لتاريخ .
ثالثا" خديجة بنت خويلد (س)
لقد كان من بركات الله تعالى لهذه المرأة أن منّ عليها بأن أختارها لتكون أول النساء إسلاما، وأسبقهن إيمانا" وتصديقا" برسول الله ودعوته 0
وقد تحدث القرآن الكريم وباعتزاز عن الثلة الأولى التي جاهدت مع النبي بالأموال والأنفس - والتي تقدمتها خديجة - قال تعالى ﴿ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ﴾ [12] كما بيّن في سورة الواقعة منزلة السابقين - من هؤلاء - وعلو مقامهم قال تعالى : " السابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ... " الواقعة 10
فالحديث عن خديجة إذن هو حديث عن الإسلام في نشوئه وارتقائه . فهي أول امرأة لبت دعوة رسول الله واستجابت لنداء السماء ووقفت بجانب الرسول بكل ما تملك بحيث اتبعت إسلامها بتقديم ثرواتها الطائلة وإمكاناتها المالية الكبيرة في سبيل الإسلام 0
- ولقد صبرت خديجة مع رسول الله وأصابها الضّر في شعب أبي طالب أثناء حصار قريش للمسلمين لكنها لاذت بالصبر ووقفت إلى جانب النبي موقفا" يندر أن تقف مثله امرأة .. وكان لشخصيتها ومكانتها وهيبتها في النفوس أثر كبير 0
وقد عاش النبي مع خديجة خمسا" وعشرين سنة بأحسن حال وبقيت صورتها بمخيلته حتى بعد وفاتها 0
فكلما ذكرت لم يكن يسأم من ثناء عليها واستغفار لها . وورد عنه محدثا" بمنزلتها " إن جبرائيل قال يا محمد اقرأ على خديجة من ربها السلام . فقال النبي يا خديجة هذا جبرائيل يقرئك السلام . فقالت خديجة الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام 0
- وقد تسالم العلماء والمؤرخين والكتاب على تمجيد خديجة وتقديسها وذكرها بكل جميل لما مثلته من عقيدة صادقة وإيمان قويم وتفان في سبيل المبدأ ونصرة الحق 0 إذ ورد عن أبن إسحاق إنها كانت " وزيرة صدق للإسلام "
كما جاء بأن عام رحيلها كان عام الحزن عند رسول الله 0
رابعا" فاطمة الزهراء(س)
الحديث عن إبنة النبي هو حديث شامل جامع 00
فالزهراء (س) هي مرآة الإسلام التي تنعكس فيها أحكامه وتشريعاته ومفاهيمه ونظرته للكون والحياة بكل ما فيها 00إذ أقترن أسمها (س) بالعبودية الخالصة لله وشهد لها القرآن الكريم في سورة الدهر على كمال إخلاصها وإيمانها وخشيتها لله سبحانه . 0وشهد لها الرسول قائلا" : ( أن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانًا إلى مشاشها ففرغت لطاعة الله ) [13]
- وقد أشاد النبي بعظيم منزلتها ودورها إذ دعاها - بأم أبيها - وأحاطها بالتكريم والاحترام والتبجيل 0
وقد روي أنه ما قبّل إلا يدين اثنتين ، يد عامل اخشوشنت يده من جراء العمل فقال بعد أن قبل يده ( هذه يد يحبها الله ورسوله )
واليد الأخرى هي يد أبنته فاطمة عندما كانت تدخل عليه 0
ولقد روى البخاري في صحيحه ومسلم والترمزي وأبو داوود وأحمد وأبن حجر في صواعقه والكنجي في كفاية الطالب في مناقب فاطمة أن رسول الله قال:( فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل )
- وقال ( فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبيّ )
- وجاء في الاستيعاب عن أبن عمر أن النبي ( كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا" به فاطمة وإذا قدم من سفر كان أولى الناس به عهدًا فاطمة )
- فالزهراء التي كانت - الأفضل عالما- كما جاء عن النبي أدت دورا" شموليا" يتناسب وعالمية الرسالة الخاتمة . إذ معها تلتقي النساء في كل عصر0
بإنموذج الابنة التي تعالت على كل أسباب الضعف بعد وفاة أمها . بحيث بلغت بعمق العلاقة وسموها لأن تكون - أم أبيها - .
تلتقي بإنموذج الزوجة التي عاشت في بيتها روحانية الإيمان وبساطة العيش وحيث صور لنا كتّاب السير صورة للحياة العائلية الفريدة التي عاشتها في بيتها. كما يصور أمير المؤمنين مستوى تلك العلاقة النموذجية ( فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرا. ولقد كنت إذا نظرت إليها انكشفت عني الهموم والأحزان )
تلتقي بإنموذج الأم التي أنجبت للأمة الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وبطلة كر بلاء زينب (س) 0
تلتقي بإنموذج العالمة المعلمة التي جعلت من بيتها أول مدرسة في تاريخ المرأة العربية والمسلمة 0
تلتقي بالعابدة الزاهدة التي كانت تقوم الليل حتى تتورم قدماها . إذ تقول زوج النبي عائشة " ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة إلا الذي ولدّها "
نلتقي بالثائرة للحق التي حملت هموم الرسالة وهموم الناس . فخطبتها الطويلة في مسجد رسول الله . لا زالت محفوظة وقيل أنها أوردتها و هي في عمر الثمانية عشر عاما" 0وهذه الخطبة الواحدة - بحد ذاتها - كافية لتبين لنا عظيم المنزلة والدور ..
فبعد وفاتها (س) انبرى التاريخ ليسطر لذريتها أعز الصفحات ولا زال .. فكانت بحق - كوثرا" - كما جاء في القرآن الكريم كانت عالما" من الخير والعطاء الإلهي
تعقيب
هذه هي نظرة الدين للمرأة وهذه هي المرأة في تاريخنا الديني 00
ترى لو تنافست النساء في عصرنا باتجاه تلك القمة السامقة من السمو الروحي الذي مثلته مريم0
- أو باتجاه آسيا التي تسنّمت أرفع مواقع صنع القرار 0
- أو باتجاه التفاعل الإيماني الذي اتبعته خديجة بتقديم كل ما لديها من ثروات طائلة وقدرات 0
- أو باتجاه إنموذج الإنسان الكامل الذي جسدته فاطمة (س) 0
هل كان من الممكن أن تنسحب الفضائل والقيم من مجتمعاتنا .؟
وهل كان من الممكن أن تصل الأمور بوفد نسائي في أحد جلسات مؤتمر- بكين - أن يتجرأ على اقتراح إلغاء كلمة - أم – لأنها بحسب زعمهن تشكل امتهانا" للمرأة وتجعلها أقرب إلى حيوان مهمته الأساسية أن يلد ويرضع ويسهر على نظافة الوليد . ؟ 0
هذا الاقتراح حينها وجد من يقاومه في تلك الجلسة . لكن ذلك يكشف عن عمق الهوة التي يمكن أن تنحدر إليها الإنسانية في المستقبل إذا بقي الإلحاح المنظم على الفساد والانحراف 0
وعليه فإن المتأمل في مسيرة هذا التاريخ وفي حياة هذه النخبة من النساء يصل إلى أن الدين ليس إلا مظهرا" من مظاهر لطف الله وأثر من آثار الرحمة التي احتضنت كافة عناصر المجتمع البشري 0
ويصل إلى أن حقيقة إنسانية الإنسان ليست بجسده بل بروحه التي لا تخضع للمذكر والمؤنث . وأن هذه الروح لا شيء ماديا" يمكن أن يكون غذاؤها كما بينت- سيدات نساء العالمين - سوى عالم القدس وقرب الله 00
ويصل إلى أن التاريخ الديني . هو تاريخ يضج بحركة الحضور الإنسان الواحد وحيوية الدور المشترك المتكامل . وبالتالي فهو تاريخ صنع على يد الإنسان - الإنسان الرجل والإنسان المرأة 0-
- يصل إلى أن الرسالات السماوية التي أكدت على تمسك الفرد بالكمالات المعنوية والروحية وبينت بأن المجتمعات إنما تموت بموت القيم وغياب الأخلاق وانتشار الفساد 0
بينت بأنه لا شيء في هذا الكون يستطيع أن يحل محل الدين في حياة الإنسان . في إرضاء طموحه واهتماماته وضميره . ولا شيء يستطيع أن يحقق شخصية الإنسان وكماله الإنساني الخاص به . وقيمته الحقيقية في هذا الكون كالدين والإيمان بالله سبحانه وتعالى . وقد عبر فيكتور هيجو في - البؤساء - قائلا": " كمال الإنسان ينطوي فقط في اهتماماته وطموحه . والاهتمام الحقيقي في حياة الإنسان هو الله "
وقال اللكسس كارل " إن الشعور الديني ينبع من أعماق الفطرة. .. وكما يحتاج الإنسان إلى الماء والهواء كذلك يحتاج إلى الله " الدعاء ص16
وقال ريمونديج : " ليس في مقدور الإنسان أن يسلك طريقا" إلى الفضائل الأخلاقية بمعزل عن الدين . والأخلاق من دون دين جسد بلا روح " تعاليم كبار الفلاسفة ص16
ويقول - دويد هيوم – أنه على كل إنسان " أن يكون مؤمنا" بالله فإن الإيمان بالله هو منطلق كل الفضائل والغايات السامية في حياة الإنسان ومبدأ كل الفضائل الأخلاقية والإنسانية " تعاليم كبار الفلاسفة ص 166
- يبقى ما ينبغي التوقف عنده هو أن الدعوة العالمية - التي بتنا نسمعها- للعودة لمنابع الدين والبحث عن حضارة متوازنة معتدلة تجعلنا جميعا" أمام المسؤوليات الكبرى التي يتطلع إليها مجتمعنا الإنساني الكبير وأمام النداء المتمثل بوحدة الرسالات السماوية والذي أكدت عليه الرسالة الخاتمة ...
- فنحن من جهة نعتقد بأهمية وضرورة توحيد جهود المؤمنين في العالم من أجل الصالح الإنساني العام 0 وقد أثبتت تجربة مؤتمري - بكين والسكان - إن بوسع قوى الخير أن تفعل الكثير حينما تضامنت الوفود الإسلامية مع وفد الفاتيكان للتصدي لهذه الموجة الخبيثة .. بما يؤكد الحاجة إلى التعاون والتنسيق..
- ومن جهة ثانية نعتقد أن لدى المسلمين من مبادئ دينهم وتراثهم ما يقدمونه للإنسانية في هذا العصر 0
- وأن أحد أهم الميادين التي يمكن للإسلام أن يسهم في علاجها هو ميدان المرأة . ليس لأنها نصف المجتمع الإنساني فحسب . ولكن لأنها النصف المؤثر في صياغة ذلك المجتمع وتوجيهه 0
خصوصا" ونحن نرى الدلائل على المستوى العالمي تشير إلى غلبة تيارات فكرية واجتماعية تعمل على إخراج المرأة عن دورها البناء في استقرار البيت والمجتمع ، إلى دور سلبي يضعف الأسرة ويشيع فيها أسباب الخلل والتردي 0
أخيرا" ما بيننا وبين الغرب
إن النظرة السائدة في الغرب . وقد يكون في غيره من بلاد العالم . بأن المرأة في الإسلام مهدورة الحقوق ولا تملك الحرية في أداء شؤونها 00
مما لا شك فيه إن هذه النظرة ناجمة عن قلة معرفة بالإسلام. وعدم فهم سليم للنصوص القرآنية 0فمن ينظر إلى مفاهيم الإسلام عن المرأة وتشريعاته بشأنها . لا يبقى لديه شك بأن الإسلام تضمن مبادرة إنقاذ ومشروعا" عالميا" لتحرير المرأة 00
إذ من جهة بادر إلى تقديم أطروحة لإنقاذها وانتشالها .. بنيت على أعدل أساس 0
- ومن جهة ثانية شرع لها من الحقوق - من ألف وأربعمائة عام /1400- ما لا زالت المرأة في أكثر بلدان العالم في عصرنا هذا تسعى إلى المطالبة به 00
- فمن حق العلم . إلى حق العمل إلى حق الملكية . إلى حق حرية الرأي . وتقرير المصير .. إذ أعتبرها إنسانا" مستقلا" من الناحية القانونية كما الرجل وليس لأحد أي ولاية عليها إذا كانت بالغة ورشيدة . وأكد إن مهمة أعمار الأرض واستثمار خيراتها مهمة مشتركة بين الرجال والنساء وبحسب اختصاص وطاقة وقدرات كل منهما 00
- . فإذا كان واقع المرأة المسلمة قد بات متخلفا" عن النظرة الإسلامية الرفيعة فإن ذلك يعود إلى الانتكاسات السياسية المتعددة والمتتالية التي منينا بها . والتي ما لبثت أن اتسعت وامتدت لتخلق انتكاسات أخرى عقائدية وثقافية واجتماعية .. وليست أوضاع المرأة إلا من نتائج هذه الانتكاسات المتعددة والمتتالية 0
- وعليه . فإن الواقع الحالي للمرأة . ليس نتاج النظرة الإسلامية باعتبار إن كل الواقع الاجتماعي المعاصر - سياسيا" واقتصاديا" وثقافيا"- متخلف عن الإسلام . وهو ليس نتاج الإسلام 0
- ونحن هنا بتأكيدنا على ما قدمته الرسالات السماوية لا ننكر . أن الحضارة الغربية قد منحت المرأة مجالات واسعة للإبداع والعمل . إلا إن هذه النتيجة الإيجابية كان من الممكن تحقيقها دون الانزلاق في المدارج السلبية التي اجتاحت كل شيء 00
ولعل هذا الواقع أو المأزق هو ما دعا بعض المفكرين الغربيين إلى الدعوة لتشجيع التديّن والإفادة مما تقدمه الرسالات السماوية من الضمانات الخلقية . وحيث تخيل أحد المفكرين الفرنسيين - أندريه مالرو - حضارة جديدة تجمع بين المادة والروح وتوائم بين رأي الدين ومطالب الحياة . ثم أطلق عبارة اكتسبت شهرة واسعة بعد ذلك حين قال" أن القرن الواحد والعشرين إما أن يكون قرن الدين أو لا يكون على الإطلاق "
أخيرا" : تحياتنا للشعب الإيطالي العريق بتدينه ، وللمسؤولين عن جريدة -كوربري ويلا سيرا - آملين أن تتوحد جهود الجميع .. لما فيه تعزيز الفضائل والقيم في مجتمعنا الإنساني المعاصر 00
[/B]موضوع منقول
يمثل الدين مظهرًا من مظاهر لطف الله تعالى بالإنسان ، وأثر من آثار الرحمة التي احتضنت المجتمع البشري- برجاله ونسائه - ومهدت له سبل العيش بسعادة واستقرار.
فرسل الله وأنبياءه واكبوا البشرية منذ فجر التاريخ من عهد آدم وحتى عصر خاتمهم محمد بحيث تدرجت التعاليم الإلهية بما يتناسب وعملية تطور المجتمعات ، وصولاً إلى مرحلة النضج البشري وظهور الرسالة الخاتمة التي أكدت في تعاليمها :
من جهة . على وحدة الرسالات وترابط مسيرة الرسل . قال تعالى: ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط 0 وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيوّن من ربهم 0 لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون 0 ﴾ [1]
- ومن جهة ثانية أكدت على وحدة النوع الإنساني 0 وبأن الناس جميعًا ينتمون إلى أصل بشري واحد ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ [2] ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) [3] فلا تمايز لجنس أو عرق أو طبقة باعتبار أن النوع البشري على إطلاقه أختصه الله عز وجل بالتكريم والاستخلاف 0 وجعل مهمته المشتركة أعمار الأرض واستثمار خيراتها 0
- ومن جهة ثالثة أكدت بأن حقيقة إنسانية الإنسان ليست بجسده بل بروحه التي لا تخضع للمذكر والمؤنث 0 فالروح منزهة 0 والذكورة والأنوثة لا أثر لها في الفضائل والمعارف 0 والله عز وجل نسب البدن - بتعبير- إلى التراب والطين ( كما يقول العلامة آملي ) ونسب الروح التي هي الأصل إلى نفسه جل وعلا 0
وعليه فلا شيء ماديًا يمكن أن يكون غذاء لروح الإنسان ، إلا غذاء عالم القدس وقرب الله 0
- من هذا المنظور 0 نتجه للحديث عن مكانة وموقع المرأة في تاريخنا الديني، مستندين على ما حفلت به الرسالة الخاتمة من نصوص ، وسنحاول:
أولاً : استعراض مواقف وأدوار نسائية فذة من تلك الفترة المدهشة من تاريخ البشرية . الفترة التي يعيش فيها الناس مع السماء . والسماء تتدخل في أمرهم علانية وتفصيلاً 0
ثانياً : الوقوف على حركة الرسالات السماوية وحيوية حضور المرأة فيها .. معاينين المساحة التي أفردها - كتاب الله للحديث عن المرأة الصالحة والمقدسة والمصطفاة بصفتها أحد صناع التاريخ 0
ثالثًا : التأمل فيما يريده الإسلام من المرأة سواء على مستوى الكيان الشخصي أو الدور العام ، ملتفتين إلى الأسس التي قام عليها تاريخنا الديني الذي صنع على يد الرجل كما على يد المرأة في إطار ثنائية تكاملية ميز بها الله تعالى التوازن الإنساني 0
- من هنا كان خيار بحثنا عنوانين محددين نحاول من خلالهما رصد مساحة حضور المرأة في التاريخ الديني0
المرأة كأنموذج أم 0
المرأة كأنموذج عام 0
1- موقع ومكانة الأم في التاريخ الديني :
بالعودة إلى الأديان السماوية الكبرى . يستوقفنا دور الأمهات في حياة الأنبياء - إسماعيل وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم - إذ نلاحظ أنه عهد بهم في طفولتهم إلى الأمهات وحدهن دون مشاركة الآباء0
أ- أم إسماعيل : التي أراد الله سبحانه أن يؤثرها برعاية طفلها الوحيد إسماعيل فتركه لها وحدها في واد قفر غير ذي زرع .. و كان أن نهضت هاجر وخلدت ، وجعلت خطواتها في صميم فريضة الحج التي هي من أهم وأكبر فرائض المسلمين قال تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ ، قرار إلهي يلزم المؤمنين رجالاً ونساء بتمثل خطوات تلك الأم متذكرين سعيها ودورها الجليل0
ب- أم موسى : القرآن الكريم لا يذكر لنا شيئاً عن والد موسى وإنما يخص بالذكر أمه . ويكل إليها أمر حمايته وليداً ورضيعاً . حين أستبد فرعون بقومه. وذبح سبعين ألف طفل - كما قيل خوفاً على ملكه - وولد موسى خفية . فارتجفت أمه لكن الوحي نزل ليطمئنها ولتعهد إليها السماء بمهمة إنقاذ الوليد المذخر لإحدى الرسالات الكبرى قال تعالى " وأوحينا إلى أم موسى إن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم . ولا تخافي ولا تحزني أنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " 0
ج- أم المسيح عيسى : لا يذكر القرآن الكريم له أباً .. وإنما هو عيسى أبن مريم - كما دعاه - كتاب الله .
ومن حق الأمهات أن تفخر بهذه النسبة .. وقصة أمومة- مريم - كما روتها كتب السماء بالغة التأثير . ذلك أن هذه الأم التي طهرها الله واصطفاها وجعلها وأبنها آية للعالمين تعرضت لأقصى ما تتعرض له أنثى . وهذا ما سنعود إليه 00
د- أم محمد آمنة بنت وهب : التي جاء دورها في ختام هذا الموكب . لتكون أمًا لمحمد الذي شاء الله أن يتوفى أبيه قبل أن يبصر النور . فتحتضن الأم وحيدها اليتيم باذلة له أقصى ما يستطاع من عناية ورعاية . وقد عرّف كتاب السيرة بما كان لهذه الأم من أثر جليل في هذه المرحلة من عمر نبي الإسلام 0
الذي ترك للإنسانية شعاراً وقولاً بليغاً هو " الجنة تحت أقدام الأمهات " .
هكذا نظرت الرسالة الخاتمة إلى المرأة الأم مرتفعة بدورها ومهامها ومسؤولياتها مبينة بأن السماء عهدت لها بمفردها بأعداد فريق من الأنبياء دون مشاركة الآباء .
هذه اللفتة المؤثرة التي كشفت عنها الرسالة الخاتمة . رافقها أيضا" التفاته أخرى من الرسول الخاتم محمد وتتمثل بتقديم الأنموذج القدوة لنساء العالم . الأنموذج الذي جسدته نساء أربع كان لكل منهن تأثيرها الكبير في هذا التاريخ 000
2- المرأة كأنموذج عام :
روايات كثيرة متشابهة وردت عن النبي تشير لأفضل النساء . وأنه لم يكمل من النساء إلا أربع . وأن الجنة اشتاقت إلى أربع نساء . وأن الله أختار من النساء أربع ..
ففي الدر المنثور أخرج أحمد والترمزي وأبن منذر والحيان والحاكم عن أنس عن النبي 0
- كما أخرج أبن مر دويه والسيوطي وأبن أبي شيبة عن الحسن 000
- وقال شهاب الدين الألوسي 000
- وأخرج أبن عساكر عن طريق الضحاك عن أبن عباس عن النبي قال : ( أربع نسوة سادات عالمهن . مريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وأفضلهن عالمًا فاطمة ) [4]
الحديث الشريف يظهر حرص النبي على إبراز النموذج القدوة في عالم المرأة ، والدعوة إلى التأسي بهذه النماذج التي أرست بحضورها العملي وسموها الروحي دعائم الأسوة الصالحة لنساء العالم 0
وهنا سنحاول وباختصار تلمس معا لم تلك الأدوار :
أولا" :مريم المرأة المصطفاة :
قال تعالى ﴿ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾
بهذا السموّ تحدث القرآن الكريم عن كمال السيدة مريم وحياتها المليئة بالأسرار شاهدًا لها مباهيًا بها وبالجو العائلي الذي مهد لتربيتها .. مشيرًا إلى والدها عمران الذي شغل دورًا معنويًا كبيرًا وعاش حياته لخدمة بيت المقدس وإلى أمها التي عرفت بالانقطاع والتجرد فكانت تخلو إلى ربها تناجيه بخشوع وتذلل رافعة إليه شوقها إلى ولد صالح تتقرب به إليه .
إلى أن استجيبت الدعوة 00 ﴿ إذ قالت امرأة عمران رب أني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ﴾ [5]
وأنه في اليوم المرتقب ، حدثت المفاجأة التي تركت امرأة عمران في حيرة فالمولود أنثى . والأنثى لا تصلح للخدمة الدائمة في المعبد فهتفت مربكة ﴿ رب أني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى وأني سميتها مريم وأني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ [6] ومضت تعرض واقعها وحيرتها في مناجاة لذيذة مع خالقها ، أنها تخاطبه وكأنها تخاطب قريبًا ودودًا سميعًا مجيبًا.. معلنة بأنها اختارت لها أسم - مريم أي العابدة - لتكون مطيعة لكل ما يأمر به سبحانه وينهى عنه ، راجية أن يحضنها وذريتها من مكائد الشيطان .
وبعد أن أستقر الوضع ذهبت الأم بابنتها إلى المعبد . فتنافس الأحبار في كفالتها . فجاءت الكفالة من نصيب زكريا النبي زوج خالتها الذي شعر بالارتياح لتوليه هذه المهمة .. فقام برعايتها على أكمل وجه 0
وحين بلغت مريم التاسعة من العمر - قيل أنها باتت من أعبد أهل عصرها - إذ كانت تصوم النهار وتقضي الليل في العبادة وتأبى أن تفارق محرابها لتأكل ، لأنها لا تريد أن يشغلها شيء عن هذه الأجواء الأنيسة والحبيبة إلى قلبها .. فكان الرزق الهنيّ يأتيها من الله سبحانه وهذا ما جعل كافلها وهو- نبي- يتعجب ويسألها مستفسرًا ﴿ يا مريم أنّى لك هذا ﴾ فتجيب بخشوع العارفين وصفاتهم " أنه ﴿ من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ 0
وهكذا راحت مريم تصعد في مدارج العبودية لتعبر منازل مقام المحبة والقرب الذي لا يرى العبد فيه سوى الله 0 بحيث ترتفع الحجب وينزاح الستار ... وتعاش تلك اللحظات التي انكشفت فيها الحجب وتغيبت العلل والأسباب.
هذه الأمور كانت من البديهيات التي عاشتها مريم . وتحدث عنها القرآن الكريم مقدما" للإنسانية ذاك المقطع التاريخي الذي انزاحت الحجب والأستار فيه عن عالم الملك لتظهر لمعة من لوامع الملكوت . والمتمثلة فيما كان يراه زكريا من موائد ممدودة أمام مريم ، فالرزق من جهة كان باطنيًا معنويًا - علمًا لدنيًا - ومن جهة كان ظاهريًا إذ ذكرت الأخبار أغذية و فواكه في غير وقتها و في غير مكانها كانت تأتيها لتبسط أمامها مائدة فردوسية من عند الله مباشرة0
وهذا ما يدل على أن مريم قد تخطت الوسائط و الأسباب و استطاعت الولوج في عالم القرب والسعادة الأبدية 0
السيدة مريم ومقام الاصطفاء :
مما اختصت به مريم (س) كان مقام الاصطفاء ,إذ اصطفاها الله عز و جل و كرمها بولادة السيد المسيح من غير أب و لم تعرف هذه الكرامة لامرأة على وجه الأرض0
- قال تعالى ﴿ و إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ [7]
فهي في هذا الأمر مميزة فريدة . ولذا كانت مواكبة الملائكة لها والحديث إليها . كي تعيش الإحساس العميق برعاية الله كمقدمة لذاك الحدث الفريد .
- ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى أبن مريم وجيها ﴾ في الدنيا والآخرة ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين ﴾
- ﴿ قالت رب أنّ يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ ﴾ 0
- قال: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء . وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ [8]
- فالله سبحانه وتعالى في هذا المشهد العجيب الذي تغيب فيه العلل تتجلى مشيئته لمريم (س). ليكون الوجود المقدس المدخل الساتر للخلق من نوع - كن يكون-
ولنتأمل هنا المعاناة التي عبرتها (س) وكيف كان حالها حين آن آوان الوضع واضطرتها آلام الولادة للإلتجاء إلى جذع النخلة لتستتر به وتعتمد عليه ثم كيف هزّها الحياء حين تذكرت قسوة وجهل قومها قال تعالى : ﴿ فحملته فانتبذت به مكانًا قصيا فاجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ﴾ [9]
- ﴿ فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا . وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيا . فكلي واشربي وقرّي عينا . فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صوما . فلن أكلم اليوم أنسيا " [10]
- بنداء المولود . شاء الله سبحانه أن يسكّن من روع مريم ويهدئ نفسها لتعلم أن من أوجد لها الرطب من النخلة وأوجد لها الماء الجاري في تلك الهضبة التي كانت عليها في الجبل قادر أن يرد عنها لوم اللائمين .
- وهكذا استجمعت - المقدسة - أفكارها بعد أن رأت رحمة ربها بها وبمولودها فاطمأنت إلى حجتها وأحست بشعور قوي يدفعها إلى النهوض .
صمود مريم : لنتصور الوضع الذي استقبلت به البتول من قومها حين أتت وعلى يديها (عيس) تحمله 0
إذ انطلقت الألسن من حولها بأسوأ حملة نفسية يمكن أن تتعرض لها إنسانة في هذه الأرض , فمن التعنيف و التهكم الجارح إلى الشائعات الساخرة التي راحت تتحدث ﴾
لكن مريم المقدسة كانت قد خرجت بصفائها من معاناتها ومتاعبها الشخصية و باتت تعيش مشكلة الناس من حولها و هموم المشروع الإلهي الذي يهيئ للخروج بهم من ظلمات واقعهم السيئ إلى أنوار اللطف و الرحمة الإلهية0
و كان أن لاذت بنذرها و مضت بكل ما تملك لتداري الموقف بصبر مطمئن لا يشوبه أي اضطراب ﴿ فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دوت حيا و برا بوالدتي و لم يجعلني جبارا شقيا و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت ويوم أبعث حيا ﴾
و هكذا شرع - بن مريم- بالجواب الدال على براءة أمه دون أن يمهلهم بحيث جثم على الجمع صمت رهيب , فمعجزة نطقه و ما أخبر به لا يدع ريبًا لمرتاب في أمره00
فوز مريم..
وإنه لجزاء هذا التوجه و التجرد كان الفوز , بحيث استحقت - مريم- المرأة المقدسة من الله سبحانه أن يثني عليها باسمها - مريم- مع أنه تعالى لم يذكر في كتابه العزيز اسمًا نسائيًا غير اسمها 0 و مع ذلك تكرر أسم مريم في القرآن الكريم في حوالي ثلاثين موضعا" و ما يقارب العشرين سورة و في كل موضع ثناء عليها و على عفتها و ما أدته من دور و تحملته من معاناة . كما خصص القرآن الكريم سورة كاملة للحديث عنها بأسم (سورة مريم)0 و هذا كله لإلفات نساء العالم إلى ذاك المستوى العظيم وإلى تلك المنزلة الرفيعة من العبودية0
ثانيا" آسيا بنت مزاحم :
لننظر إلى نموذج نسائي آخر من سيدات نساء العالمين إلى آسيا بنت مزاحم وكيف أتى القرآن الكريم على ذكرها إذ قال تعالى: ﴿ وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب أبني لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾ [11]
- بهذا الإيجاز البديع يلخص- كتاب الله - إيمان وجهاد امرأة نهضت لتواجه طغيان الزوج الذي يدعي الربوبية . لتواجه فرعون أعظم ملوك الأرض يومذاك في الوقت الذي كان فيه جميع الناس من حولها خاضعين لسلطته وتعسفه ويركعون أمامه طوعا" أو كرها ويسجدون له
- نهضت ملكة مصر- آسيا- لا لترفع إلى ربها مبررات الواقع الصعب . وإنما لتطلب النجاة من فرعون وعمله بعد أن دعته للاهتداء برسالة موسى والكف عن ظلم الناس . ودعاها لأن تختار بين طاعته كملكة لمصر ، أو تستعد لمواجهة التعذيب . ولكن آسيا التي أحاطها فرعون بطوفان من المغريات .. غضت النظر عن كل شيء .. ونهضت لتتخذ موقفا" من الملك الذي هو زوجها وملكه ومملكته . ولتضرب لمجتمعها المستضعف مثلا" في كيفية صنع القرار . ونصرة الحق والخروج على طاعة المستبدين 0
جموع شعب . خرجت من بينهم امرأة لتكون لهم مثلا"- بعد أن سمعت من نبي الله موسى ما سمعوه - امرأة لم يعز عليها ككثير من النساء أن تتخلى سريعا" عن كل ما كانت تنعم به من ترف وراحة . ومضت تواجه أشرس ألوان التنكيل والاضطهاد. إلى أن دقت يديها وقدميها بالمسامير .. وانه في تلك اللحظات التي أشرفت فيها على الشهادة سجل لنا كتاب الله ما كان يدور في ذهنها من مطالب رفعتها لربها عبر دعاء صغير جعلته شاملا" لكل أشواقها وهمومها 0﴿ رب ابني لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾
- هذا هو الرجاء وهذه هي الأمنية الوحيدة التي توجهت بها إلى الله 00
- أنه موقف امرأة عاشت في عصور الفراعنة القديمة . ومع ذلك رفع لان يكون منارة للعصور المتقدمة . واستحقت صاحبته أن يباهي بها الله عز وجل وبإرادتها ووعيها وبموقفها الإيماني العظيم .. مبينا" من خلال آسيا النموذج بأن الاستضعاف مرفوض . وان الإنسان رجلا" كان أم امرأة بإمكانه أن لا يكون فقط صانعا" لقرار بل صانعا" لتاريخ .
ثالثا" خديجة بنت خويلد (س)
لقد كان من بركات الله تعالى لهذه المرأة أن منّ عليها بأن أختارها لتكون أول النساء إسلاما، وأسبقهن إيمانا" وتصديقا" برسول الله ودعوته 0
وقد تحدث القرآن الكريم وباعتزاز عن الثلة الأولى التي جاهدت مع النبي بالأموال والأنفس - والتي تقدمتها خديجة - قال تعالى ﴿ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ﴾ [12] كما بيّن في سورة الواقعة منزلة السابقين - من هؤلاء - وعلو مقامهم قال تعالى : " السابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ... " الواقعة 10
فالحديث عن خديجة إذن هو حديث عن الإسلام في نشوئه وارتقائه . فهي أول امرأة لبت دعوة رسول الله واستجابت لنداء السماء ووقفت بجانب الرسول بكل ما تملك بحيث اتبعت إسلامها بتقديم ثرواتها الطائلة وإمكاناتها المالية الكبيرة في سبيل الإسلام 0
- ولقد صبرت خديجة مع رسول الله وأصابها الضّر في شعب أبي طالب أثناء حصار قريش للمسلمين لكنها لاذت بالصبر ووقفت إلى جانب النبي موقفا" يندر أن تقف مثله امرأة .. وكان لشخصيتها ومكانتها وهيبتها في النفوس أثر كبير 0
وقد عاش النبي مع خديجة خمسا" وعشرين سنة بأحسن حال وبقيت صورتها بمخيلته حتى بعد وفاتها 0
فكلما ذكرت لم يكن يسأم من ثناء عليها واستغفار لها . وورد عنه محدثا" بمنزلتها " إن جبرائيل قال يا محمد اقرأ على خديجة من ربها السلام . فقال النبي يا خديجة هذا جبرائيل يقرئك السلام . فقالت خديجة الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام 0
- وقد تسالم العلماء والمؤرخين والكتاب على تمجيد خديجة وتقديسها وذكرها بكل جميل لما مثلته من عقيدة صادقة وإيمان قويم وتفان في سبيل المبدأ ونصرة الحق 0 إذ ورد عن أبن إسحاق إنها كانت " وزيرة صدق للإسلام "
كما جاء بأن عام رحيلها كان عام الحزن عند رسول الله 0
رابعا" فاطمة الزهراء(س)
الحديث عن إبنة النبي هو حديث شامل جامع 00
فالزهراء (س) هي مرآة الإسلام التي تنعكس فيها أحكامه وتشريعاته ومفاهيمه ونظرته للكون والحياة بكل ما فيها 00إذ أقترن أسمها (س) بالعبودية الخالصة لله وشهد لها القرآن الكريم في سورة الدهر على كمال إخلاصها وإيمانها وخشيتها لله سبحانه . 0وشهد لها الرسول قائلا" : ( أن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانًا إلى مشاشها ففرغت لطاعة الله ) [13]
- وقد أشاد النبي بعظيم منزلتها ودورها إذ دعاها - بأم أبيها - وأحاطها بالتكريم والاحترام والتبجيل 0
وقد روي أنه ما قبّل إلا يدين اثنتين ، يد عامل اخشوشنت يده من جراء العمل فقال بعد أن قبل يده ( هذه يد يحبها الله ورسوله )
واليد الأخرى هي يد أبنته فاطمة عندما كانت تدخل عليه 0
ولقد روى البخاري في صحيحه ومسلم والترمزي وأبو داوود وأحمد وأبن حجر في صواعقه والكنجي في كفاية الطالب في مناقب فاطمة أن رسول الله قال:( فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل )
- وقال ( فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبيّ )
- وجاء في الاستيعاب عن أبن عمر أن النبي ( كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا" به فاطمة وإذا قدم من سفر كان أولى الناس به عهدًا فاطمة )
- فالزهراء التي كانت - الأفضل عالما- كما جاء عن النبي أدت دورا" شموليا" يتناسب وعالمية الرسالة الخاتمة . إذ معها تلتقي النساء في كل عصر0
بإنموذج الابنة التي تعالت على كل أسباب الضعف بعد وفاة أمها . بحيث بلغت بعمق العلاقة وسموها لأن تكون - أم أبيها - .
تلتقي بإنموذج الزوجة التي عاشت في بيتها روحانية الإيمان وبساطة العيش وحيث صور لنا كتّاب السير صورة للحياة العائلية الفريدة التي عاشتها في بيتها. كما يصور أمير المؤمنين مستوى تلك العلاقة النموذجية ( فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرا. ولقد كنت إذا نظرت إليها انكشفت عني الهموم والأحزان )
تلتقي بإنموذج الأم التي أنجبت للأمة الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وبطلة كر بلاء زينب (س) 0
تلتقي بإنموذج العالمة المعلمة التي جعلت من بيتها أول مدرسة في تاريخ المرأة العربية والمسلمة 0
تلتقي بالعابدة الزاهدة التي كانت تقوم الليل حتى تتورم قدماها . إذ تقول زوج النبي عائشة " ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة إلا الذي ولدّها "
نلتقي بالثائرة للحق التي حملت هموم الرسالة وهموم الناس . فخطبتها الطويلة في مسجد رسول الله . لا زالت محفوظة وقيل أنها أوردتها و هي في عمر الثمانية عشر عاما" 0وهذه الخطبة الواحدة - بحد ذاتها - كافية لتبين لنا عظيم المنزلة والدور ..
فبعد وفاتها (س) انبرى التاريخ ليسطر لذريتها أعز الصفحات ولا زال .. فكانت بحق - كوثرا" - كما جاء في القرآن الكريم كانت عالما" من الخير والعطاء الإلهي
تعقيب
هذه هي نظرة الدين للمرأة وهذه هي المرأة في تاريخنا الديني 00
ترى لو تنافست النساء في عصرنا باتجاه تلك القمة السامقة من السمو الروحي الذي مثلته مريم0
- أو باتجاه آسيا التي تسنّمت أرفع مواقع صنع القرار 0
- أو باتجاه التفاعل الإيماني الذي اتبعته خديجة بتقديم كل ما لديها من ثروات طائلة وقدرات 0
- أو باتجاه إنموذج الإنسان الكامل الذي جسدته فاطمة (س) 0
هل كان من الممكن أن تنسحب الفضائل والقيم من مجتمعاتنا .؟
وهل كان من الممكن أن تصل الأمور بوفد نسائي في أحد جلسات مؤتمر- بكين - أن يتجرأ على اقتراح إلغاء كلمة - أم – لأنها بحسب زعمهن تشكل امتهانا" للمرأة وتجعلها أقرب إلى حيوان مهمته الأساسية أن يلد ويرضع ويسهر على نظافة الوليد . ؟ 0
هذا الاقتراح حينها وجد من يقاومه في تلك الجلسة . لكن ذلك يكشف عن عمق الهوة التي يمكن أن تنحدر إليها الإنسانية في المستقبل إذا بقي الإلحاح المنظم على الفساد والانحراف 0
وعليه فإن المتأمل في مسيرة هذا التاريخ وفي حياة هذه النخبة من النساء يصل إلى أن الدين ليس إلا مظهرا" من مظاهر لطف الله وأثر من آثار الرحمة التي احتضنت كافة عناصر المجتمع البشري 0
ويصل إلى أن حقيقة إنسانية الإنسان ليست بجسده بل بروحه التي لا تخضع للمذكر والمؤنث . وأن هذه الروح لا شيء ماديا" يمكن أن يكون غذاؤها كما بينت- سيدات نساء العالمين - سوى عالم القدس وقرب الله 00
ويصل إلى أن التاريخ الديني . هو تاريخ يضج بحركة الحضور الإنسان الواحد وحيوية الدور المشترك المتكامل . وبالتالي فهو تاريخ صنع على يد الإنسان - الإنسان الرجل والإنسان المرأة 0-
- يصل إلى أن الرسالات السماوية التي أكدت على تمسك الفرد بالكمالات المعنوية والروحية وبينت بأن المجتمعات إنما تموت بموت القيم وغياب الأخلاق وانتشار الفساد 0
بينت بأنه لا شيء في هذا الكون يستطيع أن يحل محل الدين في حياة الإنسان . في إرضاء طموحه واهتماماته وضميره . ولا شيء يستطيع أن يحقق شخصية الإنسان وكماله الإنساني الخاص به . وقيمته الحقيقية في هذا الكون كالدين والإيمان بالله سبحانه وتعالى . وقد عبر فيكتور هيجو في - البؤساء - قائلا": " كمال الإنسان ينطوي فقط في اهتماماته وطموحه . والاهتمام الحقيقي في حياة الإنسان هو الله "
وقال اللكسس كارل " إن الشعور الديني ينبع من أعماق الفطرة. .. وكما يحتاج الإنسان إلى الماء والهواء كذلك يحتاج إلى الله " الدعاء ص16
وقال ريمونديج : " ليس في مقدور الإنسان أن يسلك طريقا" إلى الفضائل الأخلاقية بمعزل عن الدين . والأخلاق من دون دين جسد بلا روح " تعاليم كبار الفلاسفة ص16
ويقول - دويد هيوم – أنه على كل إنسان " أن يكون مؤمنا" بالله فإن الإيمان بالله هو منطلق كل الفضائل والغايات السامية في حياة الإنسان ومبدأ كل الفضائل الأخلاقية والإنسانية " تعاليم كبار الفلاسفة ص 166
- يبقى ما ينبغي التوقف عنده هو أن الدعوة العالمية - التي بتنا نسمعها- للعودة لمنابع الدين والبحث عن حضارة متوازنة معتدلة تجعلنا جميعا" أمام المسؤوليات الكبرى التي يتطلع إليها مجتمعنا الإنساني الكبير وأمام النداء المتمثل بوحدة الرسالات السماوية والذي أكدت عليه الرسالة الخاتمة ...
- فنحن من جهة نعتقد بأهمية وضرورة توحيد جهود المؤمنين في العالم من أجل الصالح الإنساني العام 0 وقد أثبتت تجربة مؤتمري - بكين والسكان - إن بوسع قوى الخير أن تفعل الكثير حينما تضامنت الوفود الإسلامية مع وفد الفاتيكان للتصدي لهذه الموجة الخبيثة .. بما يؤكد الحاجة إلى التعاون والتنسيق..
- ومن جهة ثانية نعتقد أن لدى المسلمين من مبادئ دينهم وتراثهم ما يقدمونه للإنسانية في هذا العصر 0
- وأن أحد أهم الميادين التي يمكن للإسلام أن يسهم في علاجها هو ميدان المرأة . ليس لأنها نصف المجتمع الإنساني فحسب . ولكن لأنها النصف المؤثر في صياغة ذلك المجتمع وتوجيهه 0
خصوصا" ونحن نرى الدلائل على المستوى العالمي تشير إلى غلبة تيارات فكرية واجتماعية تعمل على إخراج المرأة عن دورها البناء في استقرار البيت والمجتمع ، إلى دور سلبي يضعف الأسرة ويشيع فيها أسباب الخلل والتردي 0
أخيرا" ما بيننا وبين الغرب
إن النظرة السائدة في الغرب . وقد يكون في غيره من بلاد العالم . بأن المرأة في الإسلام مهدورة الحقوق ولا تملك الحرية في أداء شؤونها 00
مما لا شك فيه إن هذه النظرة ناجمة عن قلة معرفة بالإسلام. وعدم فهم سليم للنصوص القرآنية 0فمن ينظر إلى مفاهيم الإسلام عن المرأة وتشريعاته بشأنها . لا يبقى لديه شك بأن الإسلام تضمن مبادرة إنقاذ ومشروعا" عالميا" لتحرير المرأة 00
إذ من جهة بادر إلى تقديم أطروحة لإنقاذها وانتشالها .. بنيت على أعدل أساس 0
- ومن جهة ثانية شرع لها من الحقوق - من ألف وأربعمائة عام /1400- ما لا زالت المرأة في أكثر بلدان العالم في عصرنا هذا تسعى إلى المطالبة به 00
- فمن حق العلم . إلى حق العمل إلى حق الملكية . إلى حق حرية الرأي . وتقرير المصير .. إذ أعتبرها إنسانا" مستقلا" من الناحية القانونية كما الرجل وليس لأحد أي ولاية عليها إذا كانت بالغة ورشيدة . وأكد إن مهمة أعمار الأرض واستثمار خيراتها مهمة مشتركة بين الرجال والنساء وبحسب اختصاص وطاقة وقدرات كل منهما 00
- . فإذا كان واقع المرأة المسلمة قد بات متخلفا" عن النظرة الإسلامية الرفيعة فإن ذلك يعود إلى الانتكاسات السياسية المتعددة والمتتالية التي منينا بها . والتي ما لبثت أن اتسعت وامتدت لتخلق انتكاسات أخرى عقائدية وثقافية واجتماعية .. وليست أوضاع المرأة إلا من نتائج هذه الانتكاسات المتعددة والمتتالية 0
- وعليه . فإن الواقع الحالي للمرأة . ليس نتاج النظرة الإسلامية باعتبار إن كل الواقع الاجتماعي المعاصر - سياسيا" واقتصاديا" وثقافيا"- متخلف عن الإسلام . وهو ليس نتاج الإسلام 0
- ونحن هنا بتأكيدنا على ما قدمته الرسالات السماوية لا ننكر . أن الحضارة الغربية قد منحت المرأة مجالات واسعة للإبداع والعمل . إلا إن هذه النتيجة الإيجابية كان من الممكن تحقيقها دون الانزلاق في المدارج السلبية التي اجتاحت كل شيء 00
ولعل هذا الواقع أو المأزق هو ما دعا بعض المفكرين الغربيين إلى الدعوة لتشجيع التديّن والإفادة مما تقدمه الرسالات السماوية من الضمانات الخلقية . وحيث تخيل أحد المفكرين الفرنسيين - أندريه مالرو - حضارة جديدة تجمع بين المادة والروح وتوائم بين رأي الدين ومطالب الحياة . ثم أطلق عبارة اكتسبت شهرة واسعة بعد ذلك حين قال" أن القرن الواحد والعشرين إما أن يكون قرن الدين أو لا يكون على الإطلاق "
أخيرا" : تحياتنا للشعب الإيطالي العريق بتدينه ، وللمسؤولين عن جريدة -كوربري ويلا سيرا - آملين أن تتوحد جهود الجميع .. لما فيه تعزيز الفضائل والقيم في مجتمعنا الإنساني المعاصر 00