في الوقت الذي تصم فيه بعض القوى العالمية آذان العالم باسطوانات السلمية والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، نجدها تصدم دول العالم بتدخلاتها ودعمها المختلف الألوان والأنواع لضرب المظاهر السلمية، ومفاهيم الحرية والديمقراطية، وانتهاك حقوق الإنسان على النحو الذي يكتظ به المشهد في المنطقة التي باتت ترزح تحت وطأة التدخلات في الشأن الداخلي لدولها، والمس بمستقبلها وحاضرها، وانتهاك حقوقها، ونهب ثرواتها ومقدراتهاـ ودعم الحركات الراديكالية والمتطرفة، وغسل أدمغتها وتوجيهها لتدمير دول المنطقة الموضوعة على قائمة الاستهداف الصهيو ـ غربي.
إن التدخلات الغربية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة تركت جروحًا غائرة لا تزال تنزف جراء استمرار هذه التدخلات، ما يؤكد الفهم الثابت أن السلم وحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والعدالة والمساواة هي حقوق مصادرة، بل ومرفوضة من قبل المتدخلين؛ لأن احترام هذه الحقوق وترسيخها وتداولها وممارستها سيمثل حائط صد، وحصنًا منيعًا أمام هذه التدخلات، الأمر الذي ستفشل معه الأجندة الخفية، والأهداف الاستعمارية، كما سيقضي على ظاهرة الحركات الراديكالية والإرهاب والتطرف.
ومن يتتبع مسار التدخلات الغربية في شؤون دول المنطقة سيجد اعتماد المتدخلين على نوعين هما: الأول: ما يسمى بـ”المعارضة” التي حرص المتدخلون على صنعها وتضخيمها عبر دعمها المادي والسياسي. والثاني: الحركات الراديكالية والمتطرفة التي انتسبت إلى الإسلام ظلمًا وعدوانًا، وإساءةً إليه، وتشويهًا لصورته الناصعة البياض، ولرسالته الداعية إلى السلام والاحترام والتآخي والحكمة والحوار مع الآخر المخالف.
فالمشاهد الدموية في دول المنطقة المستهدفة بالاستعمار والتدمير لصالح الاحتلال الصهيوني والامبريالية هي مشاهد لا تخطئها عين الرقيب الموضوعي المنصف والواعي بأن ما تقوم به الحركات الراديكالية والإرهابية المتطرفة من تدمير وسفك للدماء ـ الإسلام منه براء والمسلمون كذلك منه براء ـ لا يخدم قضية ولا يبني دولة، ولا يقيم ديمقراطية ولا عدالة، ولا يحقق مساواة، وإنما يخدم أجندات وأهدافًا خارجية استعمارية الجوهر والمظهر.
تلك الصورة عند إسقاطها اليوم على ما يحدث على أرض فلسطين المحتلة تزداد وضوحًا بما تفيض به نفاق غير مسبوق، وما تكتظ به من تناقض ممجوج، حيث تُصادَر حقوق الشعب الفلسطيني حقًّا حقًّا، حقه في أرضه، وحقه في حريته، وحقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، وحقه في ممارسة شعائره الدينية وعباداته، وحقه في الحصول على الغذاء والدواء والماء، حقه في العيش الكريم، والحياة السعيدة، وحقه في بناء حاضره، والتطلع إلى مستقبله، وحقه في الدفاع عن نفسه. في حين ما يمارس عليه من جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية، وحصار جائر وإعدامات ميدانية، وحملات اعتقال ظالمة، ومصادرة يومية لأراضيه، وعدم الاعتراف بجميع حقوقه، تراه العين الأميركية والغربية دفاعًا عن النفس، وحقًّا إسرائيليًّا. فهذه الازدواجية السياسية المعبأة بالاستعمار وسرقة أحلام الشعوب واغتصاب ثرواتها وحقوقها لا تزال الخطر الأكبر.
Source: alwatan.com/details/366487Alwatan كتب:
في آراء 30 ديسمبر,2019
نسخة للطباعة
