نهضت السياسة الخارجية العمانية على مجموعة من الثوابت والمرتكزات التي أعطتها القوة والصلابة لتمضي بكل عزم وثبات دون أن يعكر صفوها حدث هنا أو عارض هناك، أو تدخل خارجي هنا أو ضغط خارجي هناك، ذلك أن المصداقية والثبات عند المبادئ والتمسك بالقيم والأخلاق الإنسانية كانت الروح لتلك الثوابت والمرتكزات.
كما كان الوضوح والشفافية والصراحة وعدم الرضا بالمداهنة والمجاملة والنفاق في القضايا أيًّا كان حجمها وتأثيرها وانعكاساتها ديدنًا للسياسة العمانية، فقد كان المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ حازمًا وصارمًا في هذا الجانب، ومؤكدًا باستمرار التمسك بالحوار والحلول السلمية للقضايا والمشاكل، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ورفض تدخل الآخرين في شؤوننا، والتأكيد على تبادل المنافع والمصالح المشتركة، واحترام القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاق، ونبذ الحروب واستخدام القوة، وتحويل المنطقة والعالم إلى ثكنات عسكرية، وتحويل الساحات إلى برك من الدماء، وتحويل المدن إلى ركام من الدمار والخراب.
ولم يفت جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ لفت الانتباه إلى أن الجنوح إلى السلم، واستخدام الحكمة والعقل والمنطق، وتغليب لغة الحوار لحل القضايا، ونبذ الحروب والصراعات لا يعني الضعف والخنوع والاستسلام، بل على العكس من ذلك؛ لأنه لا يعطي الإنسانية وزنها، وحقوقها احترامها، ولا يعلم قيمة السلام والتنمية والاستقرار والطمأنينة لجميع شعوب العالم إلا من يملك أسباب القوة والحكمة والفهم والمنطق والعقل، إلى جانب ما يعكس ذلك ما تتحلى به القلوب والعقول والأنفس المتبنية له من صفات نبيلة وأخلاق قويمة وبُعد نظر وحكمة مستنيرة وفكر وقَّاد؛ فكما هو معروف أن القوة في السلام والأمن والأمان والاستقرار والرخاء والتنمية وانتشار العلوم والصناعات والاختراعات والابتكارات التي تفيد الإنسانية والتنمية وحياة البشرية، وليست القوة في الحروب وإزهاق الأرواح، وسفك دماء الأبرياء، واغتصاب حقوق الشعوب، ومصادرة حقوقها في ثرواتها وسلامها وأمنها ورخائها وتنميتها وأراضيها وحرياتها.
إن كل تلك المعاني والمواقف النبيلة والسامية ترسخت تجلياتها وأينعت نضرة وثمارًا طوال خمسين عامًا، وبدت على كل لسان وموقف إشادة وإجلالًا واحترامًا. ووقوفًا عند المبادئ والقيم، وتعزيزًا لتلك الثوابت والمرتكزات، فقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ في خطابه السامي الذي ألقاه بُعيد أدائه قسم اليمين، السير على تلك الثوابت وعدم الحيدة عنها، حيث قال جلالته ـ أيده الله ـ ما نصه: “على الصعيد الخارجي فإننا سوف نترسَّم خطى السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول، وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات، كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له بإذن الله تعالى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية، وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم.
وبهذا التأكيد السامي تواصل عمان قبلة السلام والتسامح والحكمة مسيرتها الرائدة بكل عزم وإردة وشموخ ومجد وقوة، كما أراد لها مؤسس نهضتها الحديثة جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله وطيب ثراه.
Source: alwatan.com/details/369347Alwatan كتب:
في آراء 19 يناير,2020
نسخة للطباعة
