يقال إنه حين يقطع المرء شوطًا في مسار طويل يكون أحيانًا بحاجة للتوقف قليلًا والنظر إلى الوراء ليقدر المسافة التي قطعها ويزن الجهد الذي بذله، فيقيم ذاته.. وفي شأن بلادنا، فقد قطعت أشواطًا هائلة خلال العقود الخمسة التي شهدت أعظم بناء مؤسسي لدولة عانت الكثير من المشاكل داخليًّا وخارجيًّا، لعبت خلال تلك العقود القيادة الفذة والحكمة البالغة والفكر الوقَّاد، والعبقرية التاريخية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ دورًا عظيمًا نحو الازدهار في كافة المجالات، وبعد أن تحقق لكل مواطن الشعور بالأمن والأمان على حاضره ومستقبل أبنائه، وبعد أن تبين أيضًا الفارق بين ما كنا عليه قبل انطلاقة عصر النهضة في عام 1970 وما أصبحنا عليه حتى يومنا هذا من قدرة على الاختيار بين البدائل.
لكن اللافت والجميل في التجربة العمانية والمتمثلة في نهضتها الحديثة أن الذي يقيِّم ما قطعناه من أشواط نحو الحاضر والمستقبل، وصناعة السلام العالمي، لسنا وحدنا، وإنما العالم بأسره وبمنظماته الرسمية وغير الرسمية، والأجمل في هذا التقييم أننا لا نمنح أنفسنا تقدير امتياز أو غيره، وإنما العالم بأجمعه ومنظماته الرسمية وغير الرسمية من يمنحنا التقدير والذي بدرجة امتياز في جميع المجالات، ورسخ حالة اليقين لدى شعوب الأرض قاطبة أن عمان أرض السلام والتنمية، أرض المحبة والحكمة، أرض التسامح وقبول الآخر، أرض الاستقرار والرخاء حيث لا إرهاب ولا فتن بإذن الله وتوفيقه.
من المؤكد أن الذي يمنح التقدير والدرجة بناء على مؤشرات ومعايير لديه، فرغم ما مر ولا يزال من انحناءات بمنطقتنا وتطورات بلغت أعلى درجات التسخين بين الأطراف المتصارعة، يشاهد القدرة الفائقة للقائد الفذ الحكيم جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ وهو يصنع للتاريخ معجزات السلام والاستقرار ونزع بوادر النزاعات والصراعات والحروب، ويرش على سخونتها ماء باردًا من عبقريته وذكائه عبر تقريب المسافات بين تلك الأطراف، وإيصالها إلى منتصف الطريق ووضعها على طاولة الحوار، مع إبداء الحلول العميقة النابعة عن صدق التوجه والبُعد عن المصالح الذاتية، وإنما الساعية إلى خدمة الأمن والسلم الدوليين والبشرية جمعاء.
وفي خضم هذه النزاعات والمشاحنات التي لها مريدوها وتجارها استطاع جلالة السلطان الراحل ـ طيب الله ثراه ـ برؤيته النافذة وبصيرته الوقادة أن يجنب بلادنا جل هذه المعوقات، فخدمة الإنسانية والحرص على تنعمها بنعم السلام والتنمية والاستقرار والأمن والطمأنينة مبدأ التزم به المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ حتى وهو في فراش المرض، وهنا ويتفانى من أجل ذلك لم يغب الإنسان العماني وهذا الوطن العزيز عن وجدانه وقلبه الكبير لحظة واحدة، لا سيما وأن الهدف الذي جاءت من أجله النهضة المباركة واضح أمامه ألا وهو الارتقاء بالإنسان العماني في صحته وتعليمه وأمنه واستقراره، وتدريبه على مهارات وفنون الحياة الحديثة في كافة المجالات.
لذلك يحق للعالم أن يؤبن جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ لإدراكه أن السلام والتنمية صناعة شاقة لا يقدر عليها كل إنسان، خصوصًا حين تعترضها المصالح الذاتية بين الأطراف المتصارعة.
Source: alwatan.com/details/371395Alwatan كتب:
في آراء 3 فبراير,2020
نسخة للطباعة
