د. أحمد مصطفى أحمد:
أعلنت الأمم المتحدة هذا الأسبوع مبادرة لحل مشكلة ديون الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تهدف إلى مساهمة الدول الغنية في تخفيف أعباء الدول النامية من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن أزمة وباء كورونا. واستبق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إطلاق المبادرة بإجراء حوار مع صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية حذَّر فيه من أزمة ديون عالمية بسبب وباء كورونا، تهدد بموجة من الفقر والجوع والاضطرابات الاجتماعية والصراعات في الدول النامية حول العالم. فرغم أن معظم المؤسسات الدولية عدلت تقديراتها لنمو الاقتصاد ما بعد أزمة وباء كورونا بأكثر مما كان سابقا، إلا أن ذلك النمو والتعافي لن يفيد كل بلدان العالم. والأرجح أنه سيعود فقط بالفائدة والتعافي القوي على الدول المتقدمة، أما الدول الصاعدة والنامية والفقيرة فستزيد مشاكل ديونها ما بعد أزمة الوباء.
هذا التباين في أضرار وباء كورونا كان واضحا على قطاعات مختلفة، مثل الصحة وغيرها، خلال عام الوباء. لكن استمرار مخاطر الضرر، خصوصا على الدول متوسطة الدخل، يعمِّق الفجوة الجيوسياسية في توزيع عبء تلك الأزمة العالمية. وهذا ما أرادت الأمم المتحدة التنبيه إليه، حيث أشار الأمين العام للمنظمة إلى أن التفاؤل بالتعافي والانتعاش الاقتصادي سبب إحساسا زائفا بقدرة دول العالم على التصدي لمشكلة الديون وعجز الميزانية. مع أن الواقع أن وطأة الديون على الدول الصاعدة والنامية أكبر بكثير منها على الدول ذات الاقتصادات المتقدمة. لذا تضمنت مبادرة الأمم المتحدة التوسع في طرح صندوق النقد الدولي لتمويل تلك الدول، على أن تتحمل الدول المتقدمة نصيبا من ذلك التمويل. وهناك آلية حالية تشمل 75 دولة تشمل تعليق سداد خدمة الديون، من فوائد وأقساط، لكن الأمم المتحدة تطالب بتوسيعها لتشمل عددا أكبر من الدول وتمديد مهلتها لمدة عام آخر.
صحيح أن مشكلة الدين العام وتفاقمه بسبب أزمة كورونا تطول كل دول العالم، لكن المشكلة ليست بذات الحجم في كل الدول. خلال عام الأزمة، اقترضت كل الحكومات لدعم الاقتصاد والمواطنين لمواجهة التبعات الاقتصادية للوباء، وأيضا للإنفاق على الخدمات الصحية، وغيرها من أبواب الإنفاق الحكومي الاستثنائية في مواجهة أزمة استثنائية. وهذا أمر جيد، وقد أوصى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دول العالم بالإنفاق بالاقتراض دون الالتفات لمشكلة الدين العام وعجز الميزانية حتى يتعافى الاقتصاد بعد الأزمة. بالطبع تمكنت الدول المتقدمة التي لديها مساحة مناورة مالية ونقدية أكبر من ضخ سيولة عبر برامج تحفيز وتيسير كمي من البنوك المركزية بتريليونات الدولارات. أما الدول التي لا تملك تلك السعة المالية والنقدية فكان إنفاقها على برامج التحفيز أقل. ونتيجة ذلك التباين في الإنفاق بضخ النقد ظلت أسعار الفائدة في الدول المتقدمة قريبة من صفر، بينما في الدول الصاعدة والنامية لم تنخفض أسعار الفائدة كثيرا. ولأن أغلب الدين الحكومي في الدول الصاعدة والنامية هو دين داخلي، فإن خدمة ذلك الدين تكون عالية الكلفة لارتفاع أسعار الفائدة المحلية. أما الدول المتقدمة فخدمة الدين فيها منخفضة الكلفة بشدة نتيجة أسعار الفائدة الصفرية.
هذا التباين في الضرر يعززه صعوبة وصول الدول النامية والفقيرة للقاحات فيروس كورونا مقابل توسع الدول المتقدمة في تطعيم مواطنيها مع حصولها على مئات ملايين الجرعات. وسيظهر تأثير ذلك في قوة وسرعة التعافي الاقتصادي من أزمة الوباء، والتي ستكون أيضا متباينة جيوسياسيا في العالم. وتزيد مشكلة الدين الحكومي العام تقليديا في الدول التي تزيد فيها نسبة الفائدة على نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بارتفاع أعباء خدمة الدين العام بما يزيد عجز الحساب الجاري للحكومات، وإنما يشكل ذلك عائقا أمام تلك الدول في الاقتراض أكثر لتمويل استثمارات التنمية التي تحتاجها لتحفيز التعافي الاقتصادي من أزمة وباء كورونا. أما أهمية التحذير والتنبيه، مثل ما فعلته الأمم المتحدة هذا الأسبوع، فهو أن تدرك الدول المتقدمة وصاحبة الاقتصادات الكبيرة من مجموعة السبع أو مجموعة العشرين خطورة مشكلة الدين العام الحكومي. تلك الخطورة غير المتساوية القدر تهدد فرص التعافي الاقتصادي العالمي ككل، وليس فقط في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل. لذا، فمن مصلحة الدول المتقدمة والغنية أن تسهم في تخفيف أزمة الديون الحكومية في تلك الدول التي ستواجه مشكلة في توفير كلفة خدمة الدين بدءا من العام القادم.
صحيح أن عدد الدول التي تخلفت عن سداد ديونها (أي أفلست تقنيا) خلال عام الوباء لم يتجاوز ست دول، منها الأرجنتين ولبنان، لكن ذلك لا يجب أن يطمئن العالم إلى أن مشكلة الديون يمكن أن تحل من خلال التعافي والنمو الاقتصادي ما بعد أزمة الوباء. وليس معنى أن عددا قليلا جدا من الدول في العالم هو الذي تخلف عن سداد ديونه في العام المنصرم أن ذلك العدد لن يتضاعف أكثر مع الخروج من أزمة الوباء، ما لم يجد العالم حلا مشتركا تسهم فيه الدول الغنية بالقدر الأكبر لمواجهة مشكلة الدين العالمي. ولعل العالم يتعلم من دروس سابقة، بعضها لم يمضِ عليه الكثير مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 التي لم يتعافَ منها الاقتصاد العالمي تماما حتى داهمته أزمة وباء كورونا.
Source: alwatan.com/details/420120Alwatan كتب:
في آراء 31 مارس,2021
نسخة للطباعة
