النظام

    • خبر
    • Alwatan كتب:

      سعود بن علي الحارثي:
      النِّظام في “تعريفه البسيط هو مجموعة عناصر متفاعلة فيما بينها؛ لأجل تحقيق هدف ٍمعين. فلا يكون النّظام نظامًا في وجود شيء واحد أو أمرٍ فردي، لا بُدَّ من وجود أكثر من طرف حتى يتكوَّن النِّظام. والنِّظام موجود في كل مناحي حياتنا بلا استثناء، وحتى في العلاقات الإنسانية؛ لا بُدَّ من وجود نظام يعتمده الأطراف ويسيرون عليه. النِّظام أيضًا هو نوع من الترتيب، فكثيرًا ما نسمع أن شخصًا ما منظم جدًّا، أي أنه يقوم بتنظيم وترتيب أشيائه الخاصة بطريقة جيدة، وعلى العكس من ذلك نصف من لا يطيق النِّظام ولا يلتزم به بالمتمرد والفوضوي والعشوائي. وفي عُمان يطلق على الدستور “النِّظام الأساسي للدولة”. وتتنزل الشرائع السماوية من أجل هداية الإنسان والعناية به وإصلاحه وتصويب أخطائه، وانتشاله من غياهب الضياع والفوضى والرذائل والإلحاد التي ينزلق نحوها بإرادته. تتنزل الشرائع رحمة وعطفا وحبا ورأفة بهذا المخلوق المكلَّف بجملة من الفرائض والحقوق والواجبات والالتزامات بحكم ما أوتي من عقل وإدراك وتمييز، أملتها وفرضتها رغبته وطموحاته وتطلعه إلى السيادة والريادة، آخذا على نفسه عبء المسؤولية الجسيمة بحمل الأمانة دونا عن بقية المخلوقات، ولكنه لم يرعها حقها فعاث في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل، وعبث بالبيئة وعناصرها وتطاول على النظام والأعراف والقيم، وتجاوزت جرأته على الخالق حد الاستهتار والكفر وتجاهل ما ألزم به نفسه وعاهد عليه، فبعث الله الرسل والأنبياء والكتب لتذكيره عبر أزمنة متعاقبة وإعادته إلى جادة الصواب، فالإنسان في حاجة دائمة بحكم طبيعته إلى التوجيه والتذكير والتنبيه فما سمي إنسانا إلا لنسيانه. تتنزل الشرائع وتتجدد الرسالات بسبب جحود الإنسان المستمر وانحرافه عن الاستقامة وحبه للتغيير حتى وإن كان ذلك التغيير من النوع الذي يسيء إلى إنسانيته ويخرجه عن الصلاح ويفضي به إلى الهلاك، ولأن الأهواء والطبائع والعواطف والشكوك والأسئلة الحائمة والحائرة تتحكم في قراراته وفي سلوكه وفي تفكيره وتعصف به بين شرق وغرب يمين ويسار… توضع النظم وتقر القوانين لكي ترسم للناس مسالكهم وتحدد بشكل دقيق ما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات، الأمكنة والسبل والأفعال والأعمال والمساحات المسموح بالتحرك فيها وإتيانها والقيام بها، والأخرى التي يفترض أن يتم التوقف عندها والامتناع عن القيام بها، وتحدد في الوقت ذاته العقوبات والجزاءات للخارجين عن تلكم الحدود والمتجاوزين لها، فقد بنيت الحياة على النِّظام، ويسير الكون وفقا لنواميس تتسم بالانضباط، وفي ذلك الأمان والخير والصلاح والطمأنينة فبدون الشرائع والنظم والقوانين والأعراف ستتحول الحياة إلى فوضى عارمة لا قيمة لها يلتهم فيها القوي الضعيف، ويأتي سيء الأخلاق بما يشاء من الأفعال، ويعتدي الأشرار على الأخيار والأفاضل من الناس، وتضيع الأخلاق، وتذوب القِيم وينعدم الأمن وتتلاشى الحدود، ولأن الإنسان بدونها سينحرف وينجرف ويضيع. وطبائع الناس بحكم خصائصهم الوراثية ومكوِّنات الثقافة التي صبغت نشأتهم ومؤثرات البيئة اللصيقة بهم ومستوياتهم التعليمية… تتباين في احترامهم وتعاملهم وتجاوبهم، وتعايشهم مع الشرائع والقوانين والنظم والأعراف السائرة في المجتمع، فمنهم الملتزم بها المؤمن بدورها وأهميتها وضرورة تطبيقها كجزء أساسي ضمن التفاصيل اليومية للحياة، وحتى إن كانت لديه تساؤلات أو ملاحظات أو انتقادات وتحفظات فسوف يطرحها وفقا للآليات والأساليب والمسارات التي يحددها ويرسم معالمها النظام المعترف به من قبل الجميع، بالحوار الهادف والكتابات الرصينة المدعمة بالقرائن والحجج والقراءات والمؤشرات الواضحة، التي يستوعبها ويهذبها ويزنها العقل الضامن بضبطها لتبقى ضمن حدود ما تسمح به الآداب العامة والأخلاق، فلا تسبب صدمة للمجتمع. وفي كل زمان ومكان تبتلى المجتمعات بثلة من الناس لا يطيقون الالتزام بالنِّظام، ولا يشعرون بالسعادة إلا إذا خرجوا على الضوابط القانونية، واعتدوا على القِيم والأخلاق وكفروا بالعقيدة والشرائع، واستولوا على المال العام، حيث الحياة بالنسبة لهم حرية مطلقة لا تحدها حدود فيثيرون الفوضى بطرحهم الاستفزازي وسلوكياتهم الدنيئة، وأفعالهم القبيحة وتجاوزاتهم المعيبة، وتعديهم الصارخ على الحقوق… ولمثل هؤلاء توضع النظم وتقر الضوابط وتغلظ العقوبات وتنشأ المحاكم، ويُعدُّ القضاة وتصان الحقوق وتفرض العدالة، فإن تمكن جميع أو بعض هؤلاء المستهترين، من الإفلات من قبضتها لفترة وجيزة ولبعض من الوقت، إلا أنهم سرعان ما سيسقطون أمام عدالة الخالق في نهاية المطاف، فلا مهرب لإنسان من تحقيق العدل، فقانون الحياة الثابت والصلب والمنصف لا ينبغي أن يغيب عن ظالم. وتُعدُّ عدالة النِّظام وصرامة تطبيقه للنص القانوني، مؤشرا أساسيا يعتد به ويعتمد عليه في تصنيف السلطة السياسية لأي بلد من البلدان، فيما إذا كانت رشيدة ومنضبطة أو متسلطة ومتعسفة، فالنِّظام بدستوره وتشريعاته وقوانينه ومؤسساته يفترض أن يستوعب الجميع في مظلته، وأن ينصف كل الأطراف في النظر إلى القضايا والحكم فيها، وعلى السلطة السياسية ـ إن كانت طرفا في أية قضية ـ أن لا تعتد وتستقوي بنفوذها وهيمنتها وسطوتها، بل عليها أن تخضع نفسها لعدالة النِّظام. وهنا فقط يستطيع أي مجتمع أن يفتخر ويعتز ويجادل ويقارع بنظامه الذي يحقق العدل والأمن والاستقرار والمساواة ويرسخ قِيم الخير والمحبة والصلاح والتسامح والتعايش والتآلف والشورى… فـ”القانون وضع من أجل ردع العقلاء كي لا يطاوعوا تلك الرغبة الدفينة في أنفسهم في أن يصبحوا مجانين” كما قال إبراهيم نصر الله، وعندما تعيش البشرية أو بعض مجتمعاتها في “عالم حيث الطبيب يدمر الصحة، والمحامي يدمر العدالة، والجامعة تدمر المعرفة، والحكومة تدمر الحرية، والصحافة تدمر المعلومة، والدين يدمر الأخلاق، والبنوك تدمر الاقتصاد”، فعلينا أن نقر ونعترف بأن نظامنا “فاسد”، ونحن “بلا شك فاسدون” وفقا لمقولة الكاتب والصحفي الأميركي كريس هيدجز. وعلينا حينها أن نصلح نظامنا، أو نستبدله بنظام محدث ومتقدم قادر على وقف الانتهاكات، وردع الظلم، وسد منافذ الفساد، وتحقيق العدل والمساواة، وقبل ذلك نصلح التربية والتعليم وبيئة العمل.

      Saud2002h@hotmail.com

      Source: alwatan.com/details/421047