الدول العميقة وموسكو وواشنطن

    • خبر
    • الدول العميقة وموسكو وواشنطن

      Alwatan كتب:

      علي بدوان:
      لم تهدأ المماحكات الدبلوماسية الروسية الأميركية كنتاج مباشر لسياسات الإدارة الأميركية السابقة، التي وقَعَت بينها وبين موسكو مشادات واتهامات سياسية، لها علاقة بالدورة الانتخابية الأولى التي فاز بها الرئيس دونالد ترامب، وما تلاها من تفاعلاتها، واتهامات، وصلت إلى حدود الاشتباك الكلامي، والتصعيد في أروقة الجمعية العامة والأمم المتحدة. حين وجَّه دونالد ترامب الاتهامات لموسكو بالتدخل في الانتخابات الأميركية، وصولًا للانتخابات الثانية التي خسر فيها الرئيس السابق ترامب أمام منافسه (جو بايدن) بفارقٍ ضئيل وفق المعلومات والمعطيات التي نشرها بعد إعلان نتائج تلك الانتخابات.
      التباينات الروسية الأميركية ليست وليدة عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، بل هي بالأساس تباينات وخلافات مستديمة حول أكثر من عنوان. كان منها الملف السوري على سبيل المثال، وهو الملف الذي يلقى تجاذبًا أحيانًا، وتنافرًا في أحايين أخرى بين واشنطن وموسكو. وما زال إلى الآن ملفًّا ساخنًاـ تعمل “إسرائيل” على إبقائه مُستمرًّا دون حلولٍ سياسية، داخلية على المستوى السوري من خلال اليد الأميركية المتناغمة معها، وعلى مستوى الإقليم بشكلٍ عام.
      إن التباينات الأميركية مع روسيا دفعت بواشنطن للدخول على خط التحريض ومن أوسع أبوابه بين كل من المجموعة الأوروبية من جهة، وموسكو من جهة ثانية، خصوصًا بالنسبة للغاز (خط السيل الشمالي والجنوبي) اللذين يزودان غالبية دول أوروبا بالغاز، وحتى تركيا. فيما تسعى واشنطن لإقناع دول أوروبا المتوسطية (فرنسا + إيطاليا + إسبانيا…) بالاعتماد على الغاز العربي الشمال إفريقي (غاز ليبيا + الجزائر…) وغاز بعض الدول الإفريقية كنيجيريا. وفي هذا تحجيم هائل ومريع للدور الاقتصادي لروسيا التي تعتمد على تصدير الغاز لأوروبا كمصدر مهم للثروة المالية وللدخل القومي الروسي بشكلٍ عام.
      ولو دققنا بالأمور، لوجدنا أن مصدر الغاز الروسي مُفضَّل لدى العديد من الدول الأوروبية الواقعة وسط القارة، وشمالها، وبعض دول جنوبها، نظرًا لسهولة النقل عبر أنبوبي الغاز الروسيين (خط السيل الشمالي والجنوبي) بما في ذلك تركيا، وللكميات الهائلة التي يجري دفعها وتدفقها من خلال أنبوني النفط الروسيين. باستثناء فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تلك الدول التي ترى أن الغاز الليبي والجزائري أقل كلفة لها لنقله إليها عبر البحر الأبيض المتوسط.
      إن مسألة النفط والغاز جزء مهم من المعركة السياسية، والإعلامية، وحتى الدبلوماسية، بين واشنطن وموسكو، وليست بعيدة عن هذا الميدان. فالخلافات بين العاصمتين تنطلق من تسعير الأجواء تجاه أي موضوعٍ (ملف) مطروح بينهما، حيث يُشكّل هذا الملف واحدة من أدوات الصراع بين الطرفين على صعيد صراعات النفوذ والاستحواذ في العالم وبالتضامن والتوافق مع عدد من الدول الكبرى في العالم التي تنحاز للمواقف الروسي كـ(الصين الشعبية، الهند، كوريا الشمالية، جنوب إفريقيا، البرازيل، فنزويلا…) وكأننا نعود الكرة مرة ثانية، إلى حربٍ باردةٍ جديدةٍ، بقالبٍ آخر يختلف نسبيًّا عن قالب الحرب الباردة الأولى التي امتدت من العام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى العام 1990 عند تفكك منظومة حلف وارسو (حلف فرصوفيا) وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق. لذلك لا نتوقع أن تهدأ الأمور السياسية بين واشنطن وموسكو، بل إن كل المؤشرات تشي بأن عهد الصراعات بين موسكو وواشنطن لن يتوقف، والدليل ما جرى خلال الأشهر الأخيرة من (ملف التجسس) الذي اتهمت بها واشنطن العاصمة الروسية، واعتقال موسكو لرجل قالت عنه إنه جاسوس أميركي.
      إنها الدول العميقة (هنا: روسيا والولايات المتحدة)، التي تجري عملية بناء سياساتها، وصراعاتها، من قبل صنّاع للقرار، لا يعرفهم أحد. ولا يتدخل كل من “هب ودب” في بنائهم للقرار التكتيكي وحتى الاستراتيجي في سياسة بلدانهم.

      كاتب سياسي ـ مخيم اليرموك

      Source: alwatan.com/details/422262