من خصائص اللغة العربية وأسرارها (10): (الحرفان الأول والثاني في الكلمات المتشابهة وترابط بِنَاها الدلالي)

    • خبر
    • من خصائص اللغة العربية وأسرارها (10): (الحرفان الأول والثاني في الكلمات المتشابهة وترابط بِنَاها الدلالي)

      Alwatan كتب:

      د.جمال عبد العزيز أحمد*
      هناك سِمَةٌ من سمات العربية، وخصيصة من خصائصها الواضحة في القرآن الكريم بخاصة، والموجودة في اللغة العربية بعامة، وقد تخفى على كثير منا ـ نحن المتخصصين ـ في اللغة العربية، وقد لا يدركها حقا عديدٌ من المشتغلين بدراسة اللغة، ودلالاتها من اللغويين، والنحويين، والمفسرين، والمعجميِّين، ونحوهم من المتصلين بالعربية بسبب مَّا، وهي أن أول حرفين من الكلمات المتشابهة في البدء بهذين الحرفين، وهما اللذان يقابلان (فاء الميزان وعينه) يُبِينان عن دلالة مشتركة في المعنى العام، والدلالة الأساسية، فالكلمات التي تبدأ بحرفين متشابهين كالنون والتاء، أو النون والفاء، أو النون والباء، تدور معظمها حول حقل دلالي واحد، ولذلك تشترك معظمُ تلك الكلمات التي تبدأ كلها بهذين الحرفين في أصل المعنى الكبير، وسأدلل على تلك الخصيصة، وهذه السمة، وذلك السِّر بكثير من الكلمات القرآنية، واللغوية الواردة في غير السياق القرآني، عسى أن يلحظها القراءُ الكرامُ، وهي مما تختص به لغتُنا العربة الجميلة، ولغة الكتاب العزيز، وتشيع في اختيارات القرآن وتفضيله كلمة على أخرى.

      من ذلك مثلًا الأفعال التي تبدأ بالنون والتاء، فإنها تحمل معنى:(النزع والقلع والإخراج بشدة والارتفاع)، وذلك مثل:(نتق) التي تبدأ بالنون والتاء كما في قوله تعالى:(وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة واقع بهم) (الأعراف ـ 171)، أي: خلعنا، ورفعنا، وقلعنا، ونقول:)نتأ( بمعنى: رمى، و)نتأ ثدي الجارية( بمعنى: برز، ونهد، وارتفع عن صدرها، و)نتأ الشيءُ(: خرج من موضعه من غير أن ينفصل، و)نتجت الناقة(: وضعت ولدها، وأخرجتْه مندفعا، ومن المجاز هنا قولنا:)نتجت الريحُ السحاب(: أي: أخرجته ورمتْ به، وكما يقولون: هذه المقدمة لا تنتج نتيجة صادقة(: إذا لم تكن لها عاقبة محمودة، ونقول كذلك:” نتحَ العرقُ من مناتحه، ورشَح من مراشحه”، أي خرج، وظهر، وبدا واضحا، و”نَتَخْتُ الشوكة من رِجلي بالمِنْتاخ”: أي بالمِنقاش بمعنى أخرجتها، وخلعتها، ونقول: “نتخ البازي اللحمَ بمِنْسَرِه” أي شده ونتشه، و”نُتِخَ فلان من أصحابه” : نُزِع منهم، وأُخِذَ، و”نتختْه المنيةُ من بين قومه”: أخذته، وخلعته، وقلعته من بينهم، ونقول:”نتر الثوبَ”: جذبه في شدة، وعنف، و”نتر الوَتَرَ”: مدَّه حتى كاد ينكسر القوس، وكما جاء في الحديث الشريف:” إذا بال أحدكم فلينْتُر ذَكَرَه ثلاث نَتَرَات، ونقول:”نتش الشوكةَ بالمنتاش، ونقشها

      بالمنقاش” خلعها وجذبها بشدة، و”ما نتش منه شيئا”: ما أخذ بقوة، و”هو ينتش من كل علم”، و”نتف شعره، وانتتفه”، و”فلان منتوف”: مولع بنتف لحيته، ومن المجاز:” أعطاه نتفة من الطعام، وغيره”: شيئا منه، فقول العامة:”نَتْفَة” صحيح، ولكنْ بضم النون، وكان أبو عبيدة يقول في الأصمعي:”ذاك رجل نُتَفَة ” ونقول:” نتن الشيء”: ارتفع نتنُه، وفي الحديث :” إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليذكر مناتنها” ، كما نرى أن كل الأفعال التي بدأت بالنون والتاء تحمل معنى القلع، والخلع، والنتف، والرفع، والإخراج بشدة، وهو من دقائق العربية كما سبق قوله في مطلع المقال.

      فقد رأينا أن الحرفين الأولين اللذين هما الفاء والعين في الميزان إذا تواردا في كلمات ما من كلمات اللغة العربية كان معناهما واحدا، وقد لمحتُ ذلك في عشرات البِنَى والألفاظ، ويلزمني التنبيه عليها، والإشارة إليها، وأنا بصدد الكشف عن أسرار العربية، وجمالها، ورأيتُ أنها سمة من سمات العربية، وخصيصة من خصائصها التي قد تغيبُ عن الكثير منا، وهي تُفَسِّر الحُزَمَ اللغويةَ ذاتَ الدلالات الواحدة من كلمات اللغة، وألفاظها، وهو أمر من الأهمية بمكان أن يقف عليه أهلُ اللغة، والمتخصصون، والمفسرون منهم على وجه الخصوص؛ حتى يضعوا أيدينا على السبب في اختيار القرآن الكريم للفظة ما دون غيرها من أخواتها؛ وذلك لتتماشى مع طبيعة الكلمات التي تبدأ فاؤها وعينها بالحرفين أنفسِهما لتلك الكلمة، بحيث تلتقي معها في أصل الدلالة، والمعنى الكُلِّيّ لها، كما رأينا في تلك السمة التي تتضمنها اللغةُ الحكيمة، وورد بها الكتاب العزيز، ونكشف عن خصيصة أخرى في لقاء آخر، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وكل عام، وأنتم وأسركم بخير، وتوفيق.

      * جامعة القاهرة – كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.

      Source: alwatan.com/details/422756