رحاب: بين الخلوة وصيام الدوبامين

    • خبر
    • رحاب: بين الخلوة وصيام الدوبامين

      Alwatan كتب:

      د.أحمد بن علي المعشني:
      مارس الناس الخلوة منذ أقدم العصور، كان الإنسان يمارسها اختياريًا لتنشيط طاقاته الداخلية وتحرير حواسه الروحية، يبحث عن الصفاء من خلال التخلص من ضجيج الأصوات ومن فوضى الحواس والمؤثرات الخارجية، فيركن الإنسان بطريقة اختيارية إلى مكان معزول، وهذا ما دأب عليه الأنبياء، والعباد، والفلاسفة، والحكماء.
      مارس الفراعنة الخلوة وشيَّدوا لذلك الأهرامات والمعابد، وعلّموا موسى (عليه السلام) الذي ذهب ثلاثين يومًا ثم إنه ازداد عشرًا حتى أكمل أربعين ليلة مع ربه في خلوته (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (الأعراف ـ 142)، كما وجه الله سبحانه وتعالى نبيه زكريا (عليه السلام) إلى الانزواء عن الناس وترك فضول الكلام، وتوجيه قومه إلى شغل ألسنتهم بالذكر والتسبيح، طيلة ثلاثة أيام (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (آل عمران ـ 41)، وكذلك فعلت مريم (رضي الله عنها) عندما اعتزلت الناس وانشغلت بالذكر وكانت عندما يمر عليها زكريا في المحراب يجد عندها رزقًا، وعندما كان يسألها من أين لها هذا؟ كانت تجيبه بأن هذا من عند الله سبحانه وتعالى، وكانت في خلوتها تسمع تسبيح عيسى (عليه السلام) وهو جنين في بطنها، وكانت تتلقى فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف وهي في خلوتها، لأن نور الله سبحانه تعالى كان يتجلى لها تارة في عقلها وتارة من خارجها، وهي في الخلوة.
      وكذلك مارس سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) عبادة التأمل والتحنث في غار حراء قبل بعثته، فكان يحيي الليل صلاة وقياما ويذكر الله حتى نزل عليه الوحي جبريل (عليه السلام)، كما شاعت الخلوة كشعيرة روحية عند سائر الملل والنحل ومارسها الصوفيون من مختلف الملل والأديان والفلسفات واقترنت بالتأمل والصمت.
      وقد حبب الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين ممارسة الصمت، وقد ورد في الحديث: (إذا رأيتم الرجل أوتي صمتًا فإنه يُلقّى الحكمة)، وقد كتب ابن أبي الدنيا كتابًا كبيرًا عن الصمت، وتضمن كثيرًا من الأحاديث النبوية حول فضيلة الصمت.
      فالخلوة تساعد على ممارسة التأمل ولزوم الصمت وهذا يتيح الفرصة للروح أن تنشط وتعمل، فيتلقى المتأمل أو المعتكف إلهاما للدنيا عبر اتصاله الروحي أثناء الخلوة ومن خلال الصمت.
      ويمكن للمعتكف في الخلوة أن يستثمر وقته في العبادة وقراءة القرآن والتأمل والتفكر وذكر الله سبحانه وتعالى، ولزوم الصمت، ويتكلل جهده بالفتوحات والفيوضات الربانية والإشراقات النورانية التي تتدفق إلهاما من الله إلى عقل الممارس للخلوة والصمت.
      ومن المثير الملفت أن شاعت في السنوات الأخيرة خلوة روحية من نوع آخر اقترنت بما يسمى صيام (الدوبامين)
      الذي يمارسه العاملون في (السيلكون فالي) وهو أشهر مكان لخبراء البرمجيات والرقميات وشبكات التواصل الاجتماعي في العالم، وقد أطلق عليه عالم النفس كاميرون سيباه من جامعة سان فرنسيسكو بالولايات المتحدة (صيام الدوبامين) ويحظى باهتمام دولي متزايد باعتباره (علاجًا) محتملاً لإدمان التكنولوجيا، ويماثل هذا النوع من الصيام خلوة صوفية (رقمية) من حيث اعتزال ممارسيه لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصيام لساعات طويلة وأحيانا لأيام عن الطعام وعن استخدام الأجهزة الإلكترونية مع التزام الصمت والبقاء في خلوة روحية.
      يستخدم هذا النوع من الصيام من قبل العاملين في (السيلكون فالي) كطريقة لتطوير قدر أكبر من الانضباط الذاتي والتخلص من العادات السلبية.
      وفي مقابلة أجريت مع الدكتور راسل بولدراك (عالم النفس في جامعة ستانفورد في نوفمبر 2019) أشار إلى أن ممارسة صيام (الدوبامين) يمكن أن يكون مفيدًا ويعطي المرء (شعورًا بالسيطرة) على سلوكياته.
      من هنا تتجلى أهمية وفائدة الخلوة المقرونة بالصيام والصمت، لتحقيق استنارة روحية حقيقية، يدرك فائدتها الذين يمارسونها ويواظبون عليها، ويعيش الصائمون في شهر رمضان المبارك أفضل موسم روحي ونفسي واجتماعي لاختبار هذه الطريقة ملتمسين أوقات الاستنارة في هذه الأيام والليالي المباركة.
      * مؤسس العلاج بالاستنارة (الطاقة الروحية والنفسية)

      Source: alwatan.com/details/422853