قصه وعبره

    • قصه وعبره

      بدأت حياتي مع زوجي .. كنا نعيش حياة رغدة ، وقد استعنت في تربتي لأبنائي بمربيات عديدات في الحقيقة أنني لا أتذكر عددهن فقد كانت كل واحدة منهن لا تمكث عندي شهرين حتى تفر هاربة مما تعانيه من قسوة وشدة .. وكان لزوجي اليد الطولى في ذلك فقد كان يتفنن في تعذيب أي مربية تأتي عندنا .. وذات يوم جاءنا مزارع يصطحب ابنته الصغيرة ذات الأعوام التسعة .. فاستقبلته بكبرياء وغرور .. فقال المزارع البسيط لزوجي : أنه أتى بأبنته لتعمل عندنا مقابل مبلغ من المال ووافق على ذلك .. وترك المزارع ابنته الشقراء عندنا .. وهّم بالرحيل فانخرطت الطفلة في البكاء وهي تمسك بجلباب أبيها ، وتستحلفه أن لا يتأخر عن زيارتها وان لا ينسى أن يسلم على أمها وأخوتها .. وانصرف الأب وهو دامع العينين ، وقد وعدها بتنفيذ ما طلبته منه ، فكانت تستيقظ في الصباح الباكر ، ثم تبدأ ممارسة أعمال البيت من التنظيف والمسح والكنس والطبخ ، وتلبية النداءات والطلبات الخاصة بأهل البيت إلى منتصف الليل .. فتسقط بعدها على الأرض كالقتيلة ، وتستغرق في نوم عميق .. وعند أي هفوة أو نسيان أو تأجيل لعمل مطلوب منها .. ينهال عليها زوجي بالضرب القاسي الشديد .. فتتحمل الضرب باكية صابرة ، ومع ذلك فقد كانت طفلة في منتهى الأمانة والنظافة والإخلاص .. أما أبوها .. فلم تره الطفلة إلا مرات معدودة بعد عملها عندنا ، فقد انقطع عن زيارتها عدة شهور وبدأ يرسل أحد أقاربه لاستلام أجرتها الشهرية ، وأنني الآن أبكي كلما تذكرت قسوة عقابنا لها إذا أخطأت أي خطأ ، وكأننا لا ندري أنها تخطئ كأي طفلة صغيرة بل كأي إنسان لقد كان زوجي يصعقها بسلك الكهرباء .. !! وكثيراً ما حرمناها من وجبة العشاء في ليالي البرد القاسية فباتت على الطوى جائعة ولا أتذكر أنها نامت ليلة لمدت سنوات طويلة دون أن تبكي ثم شيئاً فشيئاً بدأنا نلاحظ عليها أن الأكواب والأطباق تسقط من يدها وأنها تتعثر كثيراً في مشيتها ، فعرضناها على طبيب العيون ، فأكد لنا أن نظرها قد ضعف كثيراً بسبب ما تتلقاه من صدمات وضربات على منطقة الدماغ والعين ، وأنا أصبحت شبه عمياء ، ورغم ذلك كله لم نرحمها ثم خرجت الفتاة ذات يوم من البيت بعد أن أصبحت كفيفة تقريباً ولم تعد إليه مرة أخرى ، ولم نهتم في البحث عنها لأنها أصبحت في حكم العمياء .. ومضت السنوات وأحيل زوجي للتقاعد ، وفقد المنصب والنفوذ فتضاعفت عصبيته وثوراته .. وتخرج أبني من الجامعة ، وعمل وتوظف ثم تزوج فرزق أبني بطفله الأول فإذا بنا نكتشف الحقيقة القاسية .. إن طفله أعمى لا يبصر وبدأنها الرحلة الطويلة مع الأطباء ولكن دون نتيجة ، وقررت زوجت أبني ألا تحمل مرة أخرى خوفاً من تكرار الكارثة ، ولكن الأطباء طمئنوها لأنه لا توجد صلة بينها وبين زوجها .. وشجعناها نحن أيضاً على أمل أن يرزق أبننا بطفل طبيعي يخفف عن حزنه وصدمته في طفله الأول، وبالفعل حملت للمرة الثانية ، وأنجبت طفلة جميلة شقراء خرجت للحياة ، فتوفت قلوبنا حتى زف الطبيب البشرى بأنها ترى وتبصر كالأطفال العاديين وليست عمياء ، وبعد مدة ، لاحظنا عليها أن نظرها مركز في اتجاه واحد لا تحيد عنه ، وأنها لا ترى إلا مجرد بصيص من الضوء ، ورأى زوجي ذلك فأصيب بحالة نفسية فسدت معه أيامه وأحسست بهموم الدنيا تطأ على صدري بقسوة وفي غمرة ضيقي وأحزاني ، تذكرت تلك الفتاة الكسيرة التي هربت من جحيمنا كفيفة عمياء ، فأخذت أبحث عن تلك الفتاة وعلمت أنها تعمل خادمة في إحدى البيوت ، فذهبت إليها وأحضرتها لتعيش معي ما بقي لي من أيامي .. في الخاتمة أقول لمن نزعت الرحمة من قلوبهم إن الله حي لا ينام فلا تقسوا على أحد عمالكم أو ممن لكم سلطان عليهم فسوف يجيء يوم تطلبون فيه الرحمة من أرحم الراحمين وتندمون على ما فعلتم .. وان الجزاء من جنس العمل ومن زرع الشوك فلا يظن انه سيحصد العنب فاحذروا الظلم فإن عاقبته وخيمة ، وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ومن رحمة الله بالعبد أن يعجل له العقوبة على ظلمه في الدنيا قبل الآخرة حتى لا يتمادى في غيه وضلاله . – المرجع نهاية الظالمين-
    • أخي أبو هاشم

      شكرا لك فعلا قصة معبرة و قد أحزنتني تلك الفتاة المسكينة و بكل أسف أن هذا الزوج لم يفكر في يوما ما بأن هناك الخالق الجبار معها و إفتكر إنها ضعيفة و نسي بأن دعوة المظلوم ليس بينها و بين الله حجاب :mad: :mad:

      و الحمد لله رب العالمين و بفضل من الله و إبتلائهم بإبن إبنهم أخيرا عرفوا بأن الله يمهل و لا يهمل :mad:

      شكرا لك أخي العزيز و بإنتظار مزيد من هذه القصص المعبره علنا ندبر و نتفكر و نراجع أنفسنا من خلالها $$f
    • أيـــن القلــوب التـي ترحــم

      كثيــر هي المآسي التـي نراها أو نسمع عنها فـي حياتنا هـذه, ولكــن قليل مـا نأخـذ منها العبـر.
      خلقنا الله سبحانه وتعالــى مــن أب واحــد وأم واحده ووكــل إلينا عمارة الأرض والسعي فيها بالخير, ولكننا لــم نــوف الأمــانة علــى أكمــل وجـه. لقــد غدرت بنـا فتن الزمــان وضيعـت فينا روح الأخــوة والتعاطف والمــودة فيما بيننا, فأصبحنا نقــدم مصالحنا علـى مصالح إخـواننا حتــى لـو لزم الأمــر أن يضحي الــواحد مــنا بأقرب النـاس إليه. إستطـاع الشيطــان الملعــون أن يلعـب بعقولنا ويزين لنا الدنيا حلــوة جميلة نتسـارع فـي الحصـول عليها وهــي فـي الحقيقة دنيـا فانية لا تستحق التعـب والعنـاء من أجلها. صـرنا نعتقـد أن المال هـو الحيـاة, فمــن لا مال عنده لا يستحـق الحياة, فصــار الغنـي منــا يتكبـر علـى الفقــراء والمساكين ويسخـر منهـم ومـن أحـوالهم في الحياة. فأستبيح ضــرب الفقيـر المسكين, فقــط لأنـه لا مــال عنده وأستحــلت أعـراض نسائهـم فصــاروا يريدون أن يشتروها بالمال والنقـود. وتناسينا جميعـا حكمــة الـواحد الأحــد وقانونه فـي الحيـاة, بأن كل النـاس سواسية لا فرق بينهم لا بمال ولا جاه ولا سلطان, وإنما الغنى غنـى النفـس وأنـه هناك ميـزان واحـد للحسـاب الا وهــو ميزان التقــوى لا بديــل لـه. لقـد إسترخصنا أرواح غيـرنا وأستغلينا أرواحنا حتــى صـارت أرواح الأبرياء في هـذا الزمـان تشترى وتباع كأي سلعـة رخيـصة الثمن.
      نضن أنفسنا حكمـاء لما وصلنا إليه مـن تقـدم وإزدهـار ونسينا مـا هـو أعظم وأكبر. تناسينا طـاعة المـولى عـز وجل إذ يقـول فـي كتـابة الكـريم (( يا أيها الناس إنا خلقناكم مـن ذكـر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكــرمكم عنـد الله أتقاكم )) ولـم يقل إنا جعلناكم شعوبا وقبائـل للتقاتلوا وتتذابحوا فيما بينكم.
      وأسفــي شــديد الأســـف و نفســي شديـــدة الحـــزن علــــى الحــال الذي أصــاب تلك الفتاة البــريئة والتــي لــم تقترف ذنبا يجعلهـا مستحقة لكــل ذاك العـذاب وذاك الظلـم التـي عانته حتـى تفقـد أغلـى ما عنـد الإنسان, الا وهــو نعمــة البصــر.
      الله يرحمنــا وإيـاكم برحمتـه ومغفـرته ويحمينـا ويجنبنا مـن كـل الشرور والآثام ويــؤلف بيـن قلـوبنا لنكــون رحمـاء ببعضنا البعــض. اللهـــــــــــم آآآآمين.
      أخــــــــــــــوكم مالك الحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزين.